التحرش..إعتداء على القيم وانتهاك لكرامة المرأة

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 2 فبراير 2017 - 12:40 مساءً
2017 02 02
2017 02 02
التحرش..إعتداء على القيم وانتهاك لكرامة المرأة

 آية منصور/

شباب بأعمار متقاربة يشكلون حلقات ترابط قبالة أبواب ثانويات للبنات وحول مقترباتها، يظلون متربصين بضحاياهم من الطالبات ما أن يحين موعد خروجهن، حتى يطلقون سيلا من العبارات المستفزة لحيائهن ويتطاول آخرون الى درجة مضايقتهن جسديا

وبينما تلوذ أغلب الفتيات بالصمت ومحاولة الهروب من المتحرشين وابتلاع مرارتهن جراء خدش حيائهن، خوفا من الفضيحة التي رسمتها العادات والتقاليد المكممة للأفواه، والتي تساعد على تنامي ظاهرة التحرش التي ما أن ينتهي منها فصل حتى يبدأ فصل آخر فيما الضحايا يظلون في دائرة اللوم إن لم يكن الإتهام.

الخطورة إن ظاهرة التحرش تسللت الى أروقة دوائر حكومية يفترض أن تحصنها قوانين صارمة ونفذت من أوسع الأبواب فكرسي المنصب صار يطمع بسرير نوم يراه امتيازاً إضافياً له.

كبار الموظفين

ووفقا لبيان اصدرته النائبة عالية نصيف فإن “ظاهرة التحرش يمارسها (كبار الموظفين) بحق الموظفات والذين يتبجحون أمام الجميع بأنهم مدعومون من بعض السياسيين”، مطالبةً “الجهات المختصة بالإلتفات لهذه الظاهرة وردع المتحرشين.»

وكشفت نصيف “خلال الأيام القادمة سأقدم مقترح قانون مكافحة التحرش في دوائر الدولة لوضع حد لهذه الظاهرة اللا أخلاقية والسيطرة عليها، وترسيخ أخلاقنا العراقية الأصيلة في مجتمعنا الذي اشتهر بتمسكه بمبادئ الغيرة والشرف والخلق الكريم.

صدمة

بالنسبة إلى مجتمع كالمجتمع العراقي عرف بالغيرة والحمية فأن تنامي ظاهرة التحرش تشكل صدمة كبرى للنساء كما تؤكد احدى الفتيات التي التقتها “الشبكة”.

وتابعت بمرارة: أن تعاني المرأة العراقية من المضايقات اللفظية في الشارع، حقا أنها لصدمة، وخيبة، أن تسير المرأة العراقية بخوف كبير وتوجس، وتأهب مستمر، من عابر بشتيمة، أو بعبارة خادشة.. أن تسير خوفا في الشوارع، كيف لا؟ ,والنساء غدت مشاريع للتحرش.

وتتساءل ما الذي تغير؟ وما سبب تعامل الرجل العراقي بهذه الطريقة القاسية جدا مع الفتاة في الشارع؟ هذه الأسئلة تبحث عن جواب، قد لانجده عند من أدمنوا التحرش. مالذي يحصل؟

المشكلة أن التحرش لم يعد مقتصرا على الألفاظ التي تتغزل بجمال المرأة إنما تعداه الى التجريح اللفظي والبذاءة والايحاءات الجنسية، فضلا عن أنه لم يبق محصوراً بالشباب، فحتى طلبة الابتدائية أصبحوا يتبارون لنيل حصتهم من جسد الفتاة وهي تمضي بطريقها، وهنا نقف أمام تساؤل كبير… ما الذي يحصل؟

أخاف على بناتي

تقول مها، المعلمة في احدى المدارس الابتدائية، إن جميع النساء معرضات للتحرش، ولا فرق بين محجبة، سافرة، أو حتى منقبة، الجميع لهن حصتهن من المضايقات وأن تختلف النسبة من مدينة لأخرى ومن شاب لآخر لكن النتيجة في داخل المرأة واحدة وهي: الشعور باليأس والاحباط.

-واشارت مها الى أن بعض من طلبة السادس يسمع المدرسات والمطبقات عبارات “تعيسة جدا”، وتوضح حينما اخرج من المدرسة وفي الطريق أعاني من هذه المفردات، حتى أحيانا استعين بسماعات الهاتف والأغاني من أجل التخلص من الأصوات، فلم أعد أسمع شيئا، أرى أفواها تتحرك فقط، لكن هذا ليس حلا، هل من حل جذري لهذه الحالة؟

وتخشى مها أن تعاني بناتها من الأمر ذاته عندما يكبرن -تخيلي أن يبقى الرجل العراقي محتقرا للفتاة! ذلك يعني أن الظاهرة ستتنامى أكثر فأكثر.

الكرسي والسرير

وتعتقد ندى وهي طالبة حقوق في كلية المأمون الجامعة إن التحرش لم يعد حكراً على الشارع، بل تعدى مراحل الابتزاز والاستغلال الجسدي وأصحاب المناصب غالبا ما يفعلون ذلك

-بعضهم يحاول صنع سرير من خلال منصبه، لقد حاول أحد القانونيين الذي طلب مني يوماً العمل سكرتيرة لمكتبه أن يتحرش بي جسدياً، لولا تهديدي بفضحه عبر مواقع التواصل الاجتماعي لما إرتدع.

وتطلب ندى من كل فتاة، عدم السكوت على المتحرشين في العمل وإن خسرت عملها، وحتى في الشارع، إذ ترى أن سبب تماديهم هو خوف الفتيات من الفضيحة دائما وتقبل الإساءة على مضض.

وترفض ندى المبررات التي يسوقها الشباب عن سبب التحرش وتؤكد أن الشاب العراقي ليس “مكبوتا” ليفعل مثل هذه الأمور المشينة، كاعتراض الفتاة وهي في طريقها، إذ أن كل شيء متوفر ويمكنه السفر لأي بلد كما أن الانترنت فتح آفاقاً واسعة تمكنه من فعل ما يريد.

ويظل السؤال لماذا التحرش؟

من دون أسباب

محمد وهو صاحب أحد محال بيع الملابس في منطقة المنصور، اسمع إحدى الفتيات عبارات لا تصلح للنشر، فحاولت الفتاة أن تستوعبه لتعرف ما الغاية من رميها بهذه المفردات الخادشة للحياء، تحديداً ما الذي سيناله بهذه اللحظات، في البدء استهزأ بسؤالها لكن حينما لاحظ جديتها اجاب قائلاً أنه يطمح الى إستجابة أحداهن!

وأحيانا يدفعه شعوره بالملل لما يفعله من دون أن يفكر بتأثير كلماته السلبية على الفتاة.

روح متسخة

محمد، لا يفكر بسوء حينما تعتريه هذه الحالة، أو هذا ما يقوله، بينما تؤكد سماح أن كل من يسمح لنفسه بالتحرش، يملك روحا متسخة، وأخلاقا معدومة.

وتعبر سماح بغصة عن خيبتها حتى من بعض عناصر الجهات الأمنية الذين لا يتركون الفتاة “بحالها” ولو عند سيطرة تفتيشية واحدة، نتحدث عن بعض عناصر الشرطة الذين يفعلون ما يفعله سائق سيارة الأجرة وبائع الملابس وعامل النظافة وعامل البناء وصاحب البقالة العابر؟، فعندما أسير على الرصيف وتخرج شتيمة من سيارة عابرة، هي أهون من سماعها من شرطي يطبق القانون.

وترى سماح أن على الفتاة أن تخرج مع شخص آخر لتخفيف التحرش، خصوصا في المناطق الشعبية، وتطلب من كل فتاة حمل شيء ما من أجل الدفاع عن نفسها!

وتقول: من يصدق أني أحمل سكيناً في حقيبتي بسبب خوفي من الشارع؟ من يصدق كل هذا الكلام ولا يعتبر ذلك مبالغات؟

قانون للردع

أما غفران فترى أن سكوت الفتاة عن المتحرش هو إساءة أخرى لها، وأن على الحكومة وضع حد لهذه المضايقات وتشريع قانون ينص صراحة على معاقبة المتحرشين

وتتابع: أجزم أن كل من يتحرش بفتاة شخص جبان لا يشعر بالخجل، لذا يجب أن تكون هنالك قوة ما رادعة لهم، وتتعامل معهم بنفس أفكارهم، كعقاب بالسجن أو دفع غرامة أو أن يحق للفتاة الشكوى، هذه الأمور ستجعلهم مضطرين للإنصياع لآداب الشارع.

الحروب والبطالة

أما رئيس الجمعية النفسية العراقية، الدكتور قاسم حسين فيرجع سبب التحرش الى أربعة أسباب أساسية تفاعلت خلالها وبسببها هذه الظاهرة في المجتمع .

أولها ضعف الوازع الديني. فقد تراجعت مكانة الدين اليوم بعد أن دخل عدد منهم ميدان السياسة وصار بعضهم يكيل التهم للآخر في قضايا أخلاقية.. فإنعدم تأثير القدوة في الشباب بشكل خاص

وثانيهما تخلخل الضمير الأخلاقي. اذ تعرض (الضمير الأخلاقي العراقي) عبر 36 سنة الى ألدّ ثلاثة أعداء له: الحروب والظلم والكراهية.. ما يعني أن ضمير الشاب العراقي الذي ولد في حرب ونشأ في حرب ويعيش في أكثر من حرب هو غير ضمير جده الذي كان يضع عينيه في الأرض حين تلاقيه امرأة في الشارع.

اللون الأصفر

وثالث أهم دوافع تنامي ظاهرة التحرش هو الضياع النفسي الذي يعيشه الشباب بسبب البطالة وتأخر الزواج والحرمان الجنسي يدفع بعضهم الى التحرش بايماءات وإشارات تجس نبض الأنثى لاستدراجها ليحقق بعض المعنى من وجوده في الحياة وما يستطيع من اشباع عاطفته وغريزته.. قد يجدهما في أنثى تعيش نفس الحال. أما رابع الأسباب فيرجع الى فقدان سيطرة الأسرة. بعد أن صار اللهاث وراء شاشات صغيرة وأخرى كبيرة هو الشغل الشاغل لمراهقين وشباب مازومين جنسيا، وفلت من أيدينا، نحن الآباء والأمهات والمربين، جيل كامل صارت القنوات الفضائية والشاشات الصغيرة (النت والفيسبوك) أباه وأمه ومعلمه. هجمت عليه واخذته من أيدينا ثقافة الصورة الساحرة وحركة الأجساد الطرية والشهوانية والخلاعة التي كان آباؤنا يمارسونها مع زوجاتهم باستحياء في الظلام فيما تمارس أمامهم بالألوان والأفعال المغرية والأغاني الهابطة حتى صارت الفاحشة مباحة.. ووقفنا نحن عاجزين، فماذا عسانا نفعل أمام ساحر ماكر مغر يداعب الرغبات المتقدة والمحرومة جنسيا والمضطهدة نفسيا؟

ويضيف الدكتور قاسم عن دراسة قاموا باجرائها عام 1985 بعنوان (التعرض المخل بحياء المرأة- ظاهرة التحرش) بالقول:

عقدت على هذه الدراسة ندوة أكاديمية حضرها الراحل الدكتور علي الوردي. الطريف فيها أننا أردنا أن نختبر ما اذا كان لون ما تلبسه الفتاة له دور في التحرش بها.. فطلبنا من إحدى الموظفات أن تلبس كل يوم لونا مختلفا. كانت تقف صباحا في رأس جسر الصرافية وكنا نحسب عدد أصحاب السيارات الذين يقفون لها أو يسلمون عليها بالمنبه “الهورن!”..فتبين أن اللون الأصفر! كان هو الأكثر إثارة للتحرش.. ما يعني أن ملابس الفتاة وهيأتها وطريقة مشيتها ترسل إشارات للرجل تستسهل التحرش بها.

قانون

وتؤكد عضو لجنة المرأة النيابية ريزان دلير، أن فقرة ردع المتحرشين موجودة في قانون العقوبات للدستور العراقي بالرقم 402، منوهةً على أنه “يومياً تحدث حالات تحرش في دوائر الدولة”.

وقالت دلير إن “هذه الجريمة تحدث يومياً في أغلب دول العالم وهي ظاهرة حقيقية ومستفحلة”، مضيفةً أن “المرأة في مجتمعنا لاتستطيع تقديم شكوى ضد المتحرش لأنه في الغالب قد يمنعها أهلها من ذلك” ملمحةً إلى أن المجتمع سينظر إليها كأنها المجرمة لا الضحية.

وأضافت، أن “المجتمع يحتاج إلى توعية عامة وحقيقية بهذا الخصوص حتى تتمكن المرأة من تقديم شكوى ضد المتحرش ليحاسب على فعلته”، فضلاً عن “عقوبات صارمة بحق المتحرش.»