جحود الآباء.. وعقوق الأبناء

114

أ.د.قاسم حسين صالح/

ثمة مفارقة نصوغها بما يشبه النظرية هي: (ان تقدمنا في الزمن يؤدي الى ضعف التزامنا بالقيم).ولعل أوضح مثال على صدق (نظريتنا)هذه هو جحود الآباء وعقوق الأبناء. ونعني بالجحود هنا نكران الأب لحق ابنه عليه، ونعني بالعقوق تمرّد الابن على أبيه وعدم البرّ به.

مفاضلة !

ومن متابعتنا الميدانية وعبر ما يصلنا من رسائل، وجدنا أن أكثر أساليب الجحود شيوعا في الأسرة العراقية هو تفضيل الأب او الأم لواحد من اولادهم او بناتهم على الآخرين، ليس فقط في التعامل السلوكي بل والمادي ايضا،لاسيما في العوائل الميسورة الحال.فلقد حصل في حالات كثيرة أن الأب يمنح جزءا من ممتلكاته الى واحد من اولاده ويحرم اولاده الباقين،وأن الأم تخص احدى بناتها بمصوغاتها وتحرم أختها الأخرى. “.

وللتفضيل اسبابه منها:تسلسل الطفل في العائلة(الأول..الوسط..آخر العنقود)،أو الذكاء..الوسامة..اللباقة..الطاعة، اوالجنس ما اذا كان ذكرا أم انثى. وفي ديننا الحنيف ما ينبّه الى ذلك، فقد كان احد الصحابة جالسا مع النبي (ص) فجاء ابنه ووضعه على فخذه فيما اجلس ابنته على الارض، فقال له النبي(ص) :هلاّ عدلت؟..اي ان يجعل ابنته تجلس على فخذه الآخر. وديننا الحنيف حذّر الوالدين من ان يكونا السبب في عقوق الأبناء، فقد ذكر عن النبي محمد (ص) انه اوصى الامام عليّا (ع) قائلا: (ياعلي لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما).

والتفضيل وعدم المساواة يؤديان الى خلق الكراهية بين الابناء والى نفور من الابوين وعقوقهما.ولنا في قصة نبي الله يوسف خير شاهد على ذلك. فلقد تحامل اخوانه عليه وشعروا بالغيرة منه والحقد عليه لانه كان يحظى باهتمام ورعاية خاصة من ابيه يعقوب، لان يوسف كان يتيما ووسيما واصغر اخوانه..وتعلمون كيف كادوا له
وألقوه في البئر.والعبرة هنا..حتى وان كان هنالك تفاوت بين الابناء في الذكاء والمواهب والشكل فان على الاباء ان يخفوا ذلك ولا يتعاملوا معهم بمفاضلة.

عاطفة

وهناك العقوق العاطفي الذي يولّد الما نفسيا وشعورا عميقا بعدم المساواة التي تدفع الابناء الى عقوق والديهم وذلك لشعورهم بالدونية في التعامل، وربما يورثوها الى ابنائهم ايضا،لأن العقوق العاطفي يعمل على تشكيل (ذات)لدى الأبناء تجعلهم يشعرون بالنقص والحيف،ويتضخم لديهم حين يكبرون فيولّد لديهم الاحساس بالنبذ من الآخرين،ويدفعهم الى أخذ حيفهم من ابنائهم حين يصبحون آباء”.

وبالصريح،فان الوالدين يتحملان ما ينجم عن الجحود والعقوق من نتائج خطيرة، سببها قلّة وعي وثقافة الوالدين دينيا واجتماعيا، وانهما يريدان تربيتهم على قيم اصبحت (خارج الخدمة)، وعدم ادراكهم ان اطفالهم ولدوا في زمن الانترنت والموبايل.وللإمام علي (ع) مقولة سبق بها علماء التربية وعلم النفس :(لا تربوا أبناءكم كما رباكم اباؤكم فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم).ولا يعني هذا ان نتخلى عن قيمنا الأصيلة بل ان نأخذ منها ما ينسجم والقيم الايجابية التي فرضها عصر التكنولوجيا.

ان الجحود والعقوق، ايها السادة، يشكلان متلازمة في علاقة تبادلية تؤدي الى نتائج كارثية.. فهل ادركنا الآن ما كنّا عنه غافلين؟!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.