خيوط العنكبوت

111

رجاء خضير/

الكثير منا يعتقد أن الخريف هو انذار بتساقط الأشياء وموتها, ولا نفسر مابعد الخريف… نعم هو إيذانُ بموت شيء وبداية حياة أخرى لتستقبل النور، هو لعبة الزمن والأيام معاً… يأتي ويذهب, يذهب ويأتي وهكذا هي الحياة، بحيرة عميقة نغطس فيها ولا نعرف متى الخلاص … الخلاص منها.

في إحدى قاعات المحكمة التي تعج بالناس المختلفة مشاكلهم، بكاء وصراخ … زغاريد ونثر الحلوى و … و، اقتربت لأسمعها تتحدث الى القاضي الذي كان منصتاً لها تماماً: اسمع حكايتي ثم احكم بعدها بيننا، هو ابن عمي تزوجته بحسب الأعراف والتقاليد التي لم نتخلص منها بعد! وكل منْ يقول اننا تجاوزناها لأننا في الألفية الثالثة, ليأتِ الى هذه المحاكم كي يرى ما يترتب من معاناة وخلافات لمثل هذه الزيجات.

عشنا بسعادة ووفاق في بداية زواجنا, سكنّا في بيت أهله الذين اعتبرتهم أهلي, رغم الفروقات الفكرية بيننا, فهم لا يؤمنون بأن البنت لها حق التعليم واكمال دراستها, اما العمل في الدوائر فهذا اشبه بالحرام عندهم, وحينما كنتُ اناقش زوجي في هذه الأمور ينصحني بأن لا اتدخل في تفاصيلهم, لأنها متعبة ولا يتقبلون مني اي حديث بهذا الشأن، ويؤكد لي بأنني مستمرة في التعليم الجامعي تنفيذاً للشرط الذي اشترطهُ والدك مع والدي !!

قلقت من حديثه هذا, وبدأت أفكر فيما لو فرضوا عليّ كلمتهم بترك دراستي، هدأتُ وفكرت بوالدي وشرطه معهم.

 مضت الأيام سريعة وحققت نجاحاً باهراَ في دراستي, واصبحت في المرحلة الرابعة… يعني سنة التخرج, وفي هذه الأثناء احسستُ بألم في بطني، استغثتُ بمن في البيت فنقلوني الى المستشفى لأعرف أن سبب ألمي هو الحمل, وصدمتُ لأنني اتفقتُ معه أن نؤجل انجاب الأطفال لحين اكمال دراستي، فرح أهله كثيراً, وزفوا البشرى لأهلي ومعارفهم.

في اليوم التالي حدثني عمي (والد زوجي) بأن عليّ أن اهتم بصحتي لأنني حامل بحفيدهم …و…و , واخيراً طلب مني ترك الدراسة حفاظاً على الجنين.

أجبته بأن دراستي لا تؤثر على الحمل, بالعكس تعطيني طاقة ايجابية لإكمالها كي اتفرغ لطفلي, صرخ بي أن أسكت وأن اعتبر أن هذا القرار نهائي, لا نقاش فيه, بل سيناقشهُ مع ابنه (زوجي) ووالدي الذي اتصلت به فوراً, والغريب أنه اتفق معهم, وعارضني فخسرتُ اول مساند لي, لجأتُ الى زوجي الذي لم يعطني جواباً شافياً …

ومنها بدأت مشاكلي مع اهل زوجي, هم اتخذوا الحمل حجة لترك دراستي, وأنا صممتُ على أتمامها, وفي الوقت نفسه احتفظ بالجنين …

مرت الأيام ثقيلة, كنت أرى واسمع تعليقاتهم عليّ وعلى اللواتي يدرسن في الجامعات… هن كذا… وكذا وأصمت خشية منهم، وادعو الله سراً أن ينقذني من واقعي المرير هذا ريثما أكمل دراستي ….

كنتُ أتألم جرّاء الوحام, ولكني لم أبده لهم, وإذا ما تحدثت مع والدتي بالأمر تنصحني بالتحمل, فقد اقترب التخرج.

في احدى الأمسيات كان جميع من في البيت يحتفلون بخطوبة ابنهم الصغير, ومن شدة الجهد الذي بذلته معهم, لا اعرف متى وكيف نقلوني الى المستشفى، ومن يومها لم اذهب الى الجامعة, فقد اتفقوا جميعاً عليّ، حتى أمي السند الوحيد لي!! وتركتها.

وهكذا اصبحت أماً لطفلة وبعدها بسنتين لطفل جميل, وبين آونة واخرى اتفحص كتبي واوراقي, اتصل بزميلاتي اللواتي تخرجن وعملن في دوائر شتى، اما زوجي فمنذ ولادتي الأولى بدأ يتهرب من البيت ومن مسؤوليتنا, واذا ما ناقشتهُ يسكتني بصرخة ويخرج لتتطور الخلافات بيننا وبدأ يضربني وامام طفليّ, شكوتهُ لوالده(عمي) دون فائدة, تعود على اهانتي وضربي حتى أمام أهله, ذهبت الى اهلي وحدثتهم بما أنا فيه، ذهل والدي من تصرفاته وذهب اليهم فوراً, وهناك أثيرت نقاشات لا أول لها ولا آخر, النتيجة أنني المهملة بحق زوجي والبيت, بل وحتى اطفالي، فطلبت من والدي ان يواجهني معهم ولكنني فوجئت به حينما قال: انهم يريدون الطفلين، وصرختُ: وأنا يا والدي!! ما مصيري؟ مستقبلي الذي ضاع بسبب تخلفهم وجهلهم، ماذا فعلتُ لهم ليأخذوا مني فلذتي كبدي ويرموني، الخلافات تحدث بين الأهل  وتحّلُ بالحكمة والصبر. أنا أتحمل من أجل أولادي … خذني اليهم يا والدي لا أريد الابتعاد عن طفلي.

اخذني الى هناك, ولأول مرة أرى الذل والمسكنة على ملامح والدي, دخلنا البيت كغرباء, وحينما رأوني تطاير كل واحد منهم في اتجاه, وعرفتُ ما خبأه والدي عني من احاديث سيئة بحقي، وتحملتُ.

وبدأت قسوتهم معي بل وحتى مع الأطفال, اصبحنا غير مرحب بنا لا في حديث ولا في طعام  ولا حتى أمام منْ يزوهم. أما زوجي فكان يغيب اياماً واذا ما سألته او سألت احدا منهم عنه لا أسمع الا بما يخجلني من نفسي !

في يوم خرجت من غرفتي على إثر مناقشة حادة بين عمي وزوجته (والدي زوجي), طرق سمعي أنها تهددهُ بقول الحقيقة لي اذا لم يشترِ لها شيئاً ما، اندفعت نحوهما ورجوتهما ان يقولا لي الحقيقة عن زوجي! الذي هو أب لاثنين لم يشبعا منه بعد.

صمتا وكأن سقف البيت سقط فوقهما، وتحول رجائي الى صراخ واشترك بالمعركة جميع منْ في البيت, كلهم ضدي، اتصلت بوالدي الذي حضر مع إخوتي وأمي, تحولت المشاجرة الى ضرب واشتباكات بالأيدي، تدخل الجيران واهل الخير وفضوا النزاع قبل أن تستخدم الأسلحة من قبلهم.

عدتُ الى بيت اهلي, وفي الطريق عرفت ان زوجي قد تزوج بابنة عمته الأرملة التي ورثت زوجها وهي أم لثلاثة اطفال، اذن هو يرعى ويلبي احتياجات غير اولاده، أما اولاده الحقيقيون فهو لا يراهم ألا كل مدة، وأتساءل هنا: كيف وافقت على حرمان أب من اولاده؟ وكيف دمرت العلاقة بين زوجين !هل لتشبع الفراغ الذي تركه زوجها أم هو الجشع والطمع والتخلف! ام جميعها اجتمعت فيهما: وكيف اخفوا عني هذه القصة.

من اجل كل هذا أنا هنا ياحضرة القاضي, أحكم لي بالطلاق, وأتنازل له عن كل شيء مقابل الأحتفاظ بطفليّ.

 … أجل القاضي قضيتها الى يوم آخر

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.