ماتزرعونه اليوم تحصدونه غداً

28

رجاء خضير /

حينما تتمسك أوراق الشجر بالأغصان وقت الخريف يعني أنها ستغادرالحياة عاجلاً أم آجلاً, والأسباب مختلفة, فقد ينتهي عمرها أو أن هناك من يدفعها الى المصير المجهول، وهذا ما ينطبق علينا نحن البشر, قد تتغير مسارات حياتنا في خطوط متعاكسة, أو ضبابية معتمة، وهذا هو التية الحقيقي.

في إحدى ساحات المراقد الدينية سمعت صراخ امرأة عجوز, هرول اليها الكثير من الناس، وكنت وصديقتي من بينهم، ظناً منّا بأنها في مشكلة أو قد أصيبت بمكروه ما، سألها الجميع عما ألمّ بها، كانت تشير الى سيارة بيضاء تبتعد عنها بسرعة جنونية، صرخ أحدهم: لقد دهسها صاحب هذه السيارة! وتعالت الأصوات باللحاق به او تسجيل رقم السيارة، ولكنها طلبت منهم الا يخبروا الشرطة فهذا كان ابنها.. قرة عينها.

بصوت واحد سألها المتجمهرون: إذن ماذا بك؟ قالت: “ابني وزوجته تركاني هنا وهربا ليتخلصا مني، فهما لايرغبان في أن أعيش معهما بقية عمري.” وهنا كانت الصدمة للكثير منا, شربت جرعة ماء وارتاحت وانفضّ البعض, وبقي القسم الآخر معها ومنهم أنا وصديقتي لنفهم قصتها وهل هي صادقة في ما تدعيه ….

بعد أن ارتاحت واطمأنت لنظرات الموجودين قالت: حكايتي هي أنني أم لابنتين وولد واحد, هذا الذي تركني هنا, أفنيت عمري من اجل رعايتهم وتوصيلهم الى مستوى علمي جيد, وكانوا محط إعجاب الأقرباء والأصدقاء، أوفر لهم أنا ووالدهم ما يحتاجونه, لاسيما ما تتطلبه مستلزمات الدراسة, وبدون سابق إنذار أخبرني زوجي بأنه سيسافر الى (!) لعمل مهم, ودّعنا وذهب ولم نعرف عنه شيئاً منذ ذلك اليوم. أخبرت أهله وأصدقاءه بالأمر، جميعهم أكدوا أنه بخير وسيعود, وتكررت هذه العبارة كثيراً. بعدها عرفت أنه كان على علاقة بموظفة في مكتبه فتزوجها وسافرا دون أن يواجه احداً، حزنت كثيرا على أولادي قبل الحزن على نفسي وتساءلت لماذا فعل ذلك، ولم أجد إجابة شافية …

فكرت ملياً بحياتنا وكيف ستستمر بدونه, فاعتمدت على الله وعلى نفسي وعدت الى وظيفتي بمساعدة الأخيار, وايضا ما يقدمه أهله لنا من مساعدات. وهكذا سارت الحياة وتخرجت ابنتاي وبعدهما ولدي الوحيد, وعمت الفرحة البيت وتناسينا بعض الجراح . تقدم لابنتيّ أولاد عمهما وتزوجتا واصطحباهما الى الخارج. بقيت أنا وابني, الذي جاءني يوما يخبرني بأنه على علاقة بزميلة له في الكلية وقد وعدها بالزواج حين التخرج, شردت قليلا ثم قلت له: وابنة عمك التي تحبك منذ الطفولة وتنتظرك؟ أجابني بقسوة وبلهجة لم اسمعها منه من قبل: لن اتزوج ابنة عمي، أريد زميلتي وعليك أن توضحي الأمر لبيت عمي. وبدأت المشاكل تتعقد بيننا وبينهم حتى أنهم هددوا بتطليق ابنتيّ, ولكن الله ساعدني في إقناعهم بأن ابنتيّ لاذنب لهما. ساعدني في ذلك (الجد) الذي كانت كلمته مسموعة وسارية على الجميع, تزوج ابني بمن اختارها زوجة له, لم يشارك أهل والده معنا في تحضيرات الزواج و … و … ومعهم الحق كله .
منذ اليوم الأول للزواج، لمست رائحة المكر والخبث منها معتقدة بأنني لا أحبها ولا أرغب بها زوجة لابني بل أحب ابنة عمه. مراراً حاولت أن اوضح لها الموقف دون فائدة, كانت تتركني أتحدث وتوصد باب غرفتها, شكوتها لابني وطلبت منه ان يتحدث معها كي تعاملني بالحسنى كما تتعامل مع والدتها, ضحك وقال: لايمكن ذلك يا أمي، اتركي الموضوع.

صار البيت جحيماً من شدة المشاكل والإزعاجات, حدثت ابنتي الكبيرة عبر الهاتف بمعاناتي مع زوجة أخيهم, فطلبت مني التريث والهدوء في التعامل معها, ويبدو أنها سمعت الحديث فقلبت البيت رأساً على عقب، وحينما عاد ابني ابلغته بأمر المهاتفة مع ابنتي, فاتصل بها فوراً وبدأ يسبّها ويشتمها ويتوعدها إن هي تدخلت بيننا مرة ثانية, حاولت توضيح الأمر له، وبأن أخته نصحتني فقط، بل ودافعت عنكما، لم يسمعني, بل تلفظ بالفاظ قاسية بحقي, حاولت الخروج من البيت, ولكن الى أين اذهب, فالعلاقة بيني وبين أهل زوجي قد انقطعت بسببه، أما أهلي فبعد وفاة والدي لم يبق الحال كما هو. صممت على الصمت لتسير الحياة دون مشاكل لاسيما وأنها اصبحت حاملاً بطفلها الأول الذي ملأ حياتي بمجيئه, ولشدة حبي له وتعلقي به بدأت تبعده عني بحجة أنه مريض او لأي سبب، بعدها أفهمتني بصراحة أنها لا تريده أن يتعلق بي .

فقدت اعصابي وبدأت معركة شديدة بيننا, فزع الطفل لصوتنا وبدأ يبكي، وهنا دخل ابني ليرى المشهد الذي انقلب ضدي بعد أن بكت وافهمته انني السبب في صراخ ابنهما الصغير, واتهمتني بأنني إنسانة مسنّة لا تفيد بشيء, وبأنها تخشى على الطفل مني لئلا أتسبب بإيذائه !

أمسكني ابني من يدي وأمرني أن أجمع حاجياتي وأجبرني على صعود السيارة لتركب هي بجانبه, وسألته الى أين تأخذاني يا بني؟ لم يجب وصمت, وهنا انحرفت شاحنة كبيرة على سيارته فما كان مني إلا أن رميت نفسي عليه لأحميه خشية عليه, تخلص من الشاحنه بأعجوبة ودفعني بقوة الى مقعدي …..

وهنا أحسست بأن الوتر الذي يربطني به قد انقطع، بكيت وتوسلت اليه ان يرجعني الى البيت وأقسمت بأن لا أخرج من غرفتي أبداً، أدارت وجهها نحوي وضحكت ضحكة الانتصار وقالت: لا فائدة منك بعد الآن: تدبري أمرك بمفردك! وقبّلته من خلف رأسه أن يسمعني ويتفهمني, ولكنه لم يلتفت اليّ أبداً, وعرفت ما هما مصممين عليه، هنا انزلني بقوة مع حاجياتي هذه وهربا مني !!! هذه هي قصتي !

بكى الكثير من الواقفين بينما وصلت الشرطة الى المكان وتوضحت الأمر، طلبت منها عنوان بيتها لنتحدث مع ابنها, قالت لا أعرفه فقد تحولنا من جديد الى هذا البيت, وسألوها كثيراً، ولكن يظهر أنها من شدة التعب والإرهاق لم تعرف بماذا تجيب فطلبوا منها مرافقتهم الى مركز الشرطة وهناك بدأت الإجراءات الروتينية. ذهبت أنا وصديقتي التي وقّعت من أجل إيواء هذه المسنّة الى حين ادخالها دار المسنّين ودخلته، وهكذا اصبحت هذه المرأة تنتظر بفارغ الصبر ذبول ورقتها بعد ان سقطت فروعها الثلاثة …

تذكرت قصة كنت شاهدة عليها في منتصف تسعينات القرن الماضي، تمنيت لو أعرف عنوان ابنها لأحذره، كنت في واجب صحفي في دار المسنين، خلال جولتي بالدار صادفت كهلاً تبدو عليه آثار العز والهيبة, يذرع الممر ذهاباً وإياباً وكأنه يفكر في شيء ما، أدهشني منظره هذا فسألت مديرة الدار عنه وما قصته، نصحتني أن أسمعها منه مباشرة, مؤكدة بأنه لا يتحرج من روايتها لأي سائل. قال: “كنت طبيباً معروفاً متزوجاً, ولم يرزقني سبحانه إلا بابن وحيد، تفوق في دراسته بتشجيع مني, وايضا دخل كلية الطب.” واستناداً الى قصته، أنه كان تزوج من زميلته، رغم اعتراض والده و لكن كان “والداي رحمها الله يحباني بشكل جنوني خاصة وانا ابنهما الوحيد”, فوافقا على زواجي وسكنت معهما. كان بيتهم كبيراً جداً ويقع على ضفاف نهر دجلة، وكان شرط زوجته للسكن في بيت أهله أن يسجل البيت باسمه، وبعد وفاة والدته، اشترطت أن يحوّل تسجيل البيت باسمها, توسل بوالده ان يوافق لأجله، فقد كنت اعشقها وكان له ما أراد. ورزقهما سبحانه بابن واحد فقط (و هو المتحدث) وأصبح الوالد تحت رحمة الزوجة القاسية والعشق جعله يسكت عن كل ما ترتكبه الزوجة التي قررت ان يتم طرد الوالد .

” وهكذا سمعت نداء عواطفي وأحاسيسي تجاهها ونسيت من ربّاني وجعلني في هذا المركز المرموق, وفي إحدى أمسيات الشتاء الماطرة أخذته بعيداً وأفهمته بأن لا يعود والده ثانية الى البيت وإلا سيرى مني ما لا تحمد عقباه، وانهمرت دموعه وهو يودعني وأنا ملتفت الى الجهة الآخرى, ومن يومها لم اعرف عنه شيئاً و لم أكلف نفسي بالسؤال عنه.” و أضاف:

” ومرت السنوات سريعة، وكبر ابني وتخرج في كلية الطب. أهديت له عيادتي لأنني لم أعد اتحمل التعب بعد, أما أمه فقد اصابها مرض عضال صارعته لسنوات، تعذبت كثيراً، وفي ايامها الأخيرة اعترفت بأن ما أصابها من مرض هو نتيجة قسوتها وعقوقنا تجاه والدينا, لاسيما والدي الذي لانعرف مصيره. وبكت كثيرا يوم لا ينفع ندم وهي على فراش الموت, وصرخت: لماذا لم أكن رجلاً حينها وأطردها من البيت واحتفظ بوالدي … لماذا “؟

توفيت زوجته القاسية, وبقي وحيدا مع ابنه وزوجته التي تشابهت الأدوار بينها وبين زوجته, في القسوة, وانكار الجميل، وطلباتها التي لا تنتهي … الى ان جاء اليوم الذي طلبت من ابنه (زوجها) إما أن تجهض الجنين او يطرده من البيت بلا عودة, وشرب من الكأس الذي شربه والده, وتدريجيا استجاب لها ونفذ لها ما تريد. قال “كان ابني رحيماً بي حينما ألبسني أحلى الملابس وجمع حاجياتي في حقيبة صغيرة, واعطاني مبلغاً من المال وتركني في احدى الساحات العامة, أستاجرت سيارة لتوصلني الى هذا المكان، وطول الطريق يلاحقني شبح والدي وما فعلته به : أنا كنت أقسى من ولدي بكثير على والدي، هل يسامحني، هل يغفر لي الله ذنوبي؟ وتذكرت ان كل الذنوب والكبائر يحاسب عليها المرء يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين فإن عقابه في الحياة “.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.