أنواع الحقائب!

46

حسن العاني /

لا أزعم أنني قرأت تاريخ العراق الحديث على مدى ثمانين سنة منذ قيام دولته الأولى لغاية (2003)، ولكنني لست بعيداً عن الكثير من احداثه وحوادثه، واطلعتُ على تفاصيل بالغة الأهمية من سيرته. وقد لفت نظري أن (النخبة المثقفة) في تلك المرحلة –أعني الثمانين سنة- لم تتداول الا القليل من المفردات التي (لا يزيد) عددها على (118) مفردة تؤلف قاموسها السياسي بالكامل على غرار (سقطت الوزارة، تشكلت الوزارة، إضراب، إرادة ملكية، انقلاب، مرسوم جمهوري، ثورة، تأمين.. الخ) في حين (زاد) عدد المفردات السياسية على (811) مفردة في (16) سنة فقط ما بين (2003-2019)، بواقع (50) مفردة أو مصطلحاً كل عام. ومن هنا ظهرت واحدة من أكثر متاعبنا العصرية إزعاجاً، فنحن لا نكاد نهضم المفردة الواحدة بطلعان الروح، وإذا بنا أمام عشرة غيرها، والأدهى أنها صارت على لسان الجميع من الحكومة إلى المعارضة إلى وسائل الإعلام (الوطنية منها والمأجورة)، وبات الجاهل وبائع الفرارات وسليمة الحفافة والبروليتاري الرث وابن السبيل، يرطن بها ويتباهى بها نكاية بدول الجوار وشعوب العالم المحرومة من الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي والتداول السلمي للسلطة!!
طبعاً من الصعب أن آتي على تلك المئات من المفردات الحديثة، ولكن من باب الإشارة أو المثل سأذكر بعضاً منها “الكوتا، الفوضى الخلاقة، المثلث السني، الاجتثاث، الشيعة العرب، الأصابع البنفسجية، المقاومة بفرعيها (الشريفة) و(غير الشريفة)، المادة 4، أجندات إقليمية، المناطق المتنازع عليها، الحكومتان المركزية والمحلية، رجال الصحوة، المنطقة الخضراء، المقابر الجماعية، الأقلية والأكثرية، 1+5=6، المادة 140، الكتلة والتيار والحزب والائتلاف، اللعبة السياسية، اللعبة الديمقراطية، اللعبة الانتخابية، لعبة الضحك على الذقون، تحت خطر الفقر، الطبقة السياسية، وغير ذلك حمل بعير!!”
أعترف من دون تردد ولا حياء، أن معظم تلك الكلمات والمصطلخات الغريبة على ثقافتي وذاكرتي وقاموسي اللغوي، ظلّتْ عصية الاستيعاب على فهمي، وفي أحيان كثيرة فهمتها بصورة مشوشة أو سطحية، إذْ من أين لي أن أعرف المقصود بلغظة (الشعبوية) مثلاً، أو (الدستور) الذي نترحم يوم الجمعة عليه وعلى والديه وأجداده، وفي الجمعة الثانية نلعنه ونلعن والديه وأجداده، كل ذلك على وفق انسجامه مع مصالحنا أو تعارضه معها، وبرغم محنتي الصعبة مع أطنان المفردات الجديدة، ورطين السياسيين، ولكن أكثر ما أربكني وأقلق نومي ورأسي هو مصطلح (الوزارات السيادية)، لكوني أجهل حقاً أصل هذه التسمية وفصلها واشتقاقها وما المقصود بالسيادية.. وهل الوزارات العراقية مقسمة الى نوعين، وإذا كان الأمر كذلك، كيف ننظر الى هذا التقسيم ومن أية زاوية.. على أساس طبقي أو وظيفي أم على أساس الجنس الذكوري والأنثوي، أم على فصيلة الدم أو اللون أو البشرة أو تسريحة الشعر؟ وتتواصل أسئلتي وتتوالد وتتناسخ: هل النوعان يقومان استناداً الى الانتماء العشائري أم الدرجة الحزبية.. وإذا وافقنا، بالإكراه أو على مضض، أن هناك وزارات سيادية فماهو الاسم المناسب للوزارات الأخرى، من غير سيادة مثلاً أو نقول عنها ناقصة الأهلية أو لم تبلغ سن الرشد أو أنّ سيادتها مخترقة؟!
خبرتي الحياتية الطويلة تسمح لي بالتصريح التالي عن قناعة: المواطنون ينظرون بعين الاهتمام والمحبة الى الوزارات التي توفر لهم لقمة العيش والعمل والماء والكهرباء، وتعبّدُ الشوارع والطرقات وترفع الأنقاض وتوفر المؤسسات التربوية والصحية والمساكن والمتنزهات و.. وبحكم خبرتي الصحافية أعرف ان وزارة الثقافة في أي بلد، هي الوزارة الأهم، لأنها المسؤول الأول عن بناء القاعدة الفكرية والثقافية والفنية والذوقية والنفسية للشعب، ومع ذلك فان هذه الوزارة في العراق حالها حال الوزارات الخدمية منقوصة السيادة ولا أحد يريدها و.. ومازلتُ أجهل لماذا يتسابق السياسيون على الحقائب السيادية، ويتعالون على حقائب الخبز والحقول والمسارح والجسور.. هل لأنها حقائب الناس وتعاني من فقر الدم أم لكون الحقائب السيادية تمثل السلطة والقوة والدولار وتعاني من النقرس وتخمة الشبع والامتيازات والمخصصات؟!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.