التهمة الحقيقية!!

129

حسن العاني  /

كثير من قدامى العراقيين الذين أصبحت أعمارهم أكسباير مثلي، يصعب عليهم التأكد من سنة ميلادهم، ناهيك عن الشهر واليوم، ولذلك يعمدون الى التقدير والتخمين، فيضيفون أو ينقصون عاماً او عامين في الحد الأعلى، أما أنا فلا أعرف عمري نهائياً، ولا يمكن أن ألجأ الى تقديره أو تخمينه وذلك لوجود ثلاثة مصادر رئيسة بمقدورها القيام بمهمة تحديد عمري على وجه الدقة واليقين، ولكن مشكلة هذه المصادر أنها مختلفة ومتعارضة فيما بينها، فالقابلة المأذونة تزعم أنني جئت الى الدنيا في اليوم الذي أصبح فيه رجل يدعى النقيب (مسعولاً) عن العراق (هذه السيدة مثل العديد من أهل القرى، تقلب الهمزة عيناً، فالمسؤول يصبح مسعول، وسؤال تنطقه سعال)، أما والدي فيؤكد بأن ولادتي كانت في ليلة برد وحالوب أصاب قريتنا وقتل نعاجنا الأربع وهي كل ما نملك، وكان ذلك في كانون الأول عام 1930، بينما كانت والدتي تصّر، وتردد على مسامع النسوان أن ولادتي كانت في اليوم الثاني الذي أصبح فيه عبد الكريم قاسم رئيساً على العراق، في حين اتخذت الحكومة موقفاً مراوغاً وظريفاً عندما جعلتني من مواليد (1/7) وتركتْ لأسرتي حرية اختيار العام الذي تفضله، وهكذا تركوني أصلح للأعوام كلها!!
ما أذكره جيداً.. ولا أنساه أبداً، بعد أن أهملتُ حكاية عمري وقلبت صفحة عليها، إنه في يوم يمكن أن يكون (أي يوم، من أي شهر، من أي فصل، من أية سنة) وأنا أغطُّ في نوم عميق بعد نهار قاسٍ من الجهد والتعب أمضيته في حراثة الأرض استعداداً لموسم زراعي جديد، كنتُ مع الثور وحيدين منذ طلوع الشمس حتى مغيبها، لو نظر عابر سبيل إلينا، لا يستطيع أن يميز أو يفرق من هو الثور الأسود منا، في تلك الليلة التي تصلح لأي يوم أو شهر أو فصل أو سنة، وقد ذهبت الى فراشي من دون عشاء، سمعت طرقاً عنيفاً على الباب، فاستيقظتُ مرعوباً، وغادرت سريري على عجل، إلا أنهم لم ينتظروا وصولي، حطموا الباب الخارجي واقتحموا الدار وخربوا كل شيء (رخيص) في طريقهم وسرقوا كل شيء (ثمين) صادفوه، ثم أمسكوا بي مع أنني لم أحاول الهرب، ولماذا أهرب وهو بيتي وهم الغرباء، ولم أرتكبْ إثماً ولا جريمة بحقهم أو حقّ غيرهم، و(أشبعوني) رفساً ولكماً وضرباً، ولعلني فقدت الوعي غير مرة، وبعدها اقتادوني معصوب العينين، لم أتبين وجوههم ولا الجهة التي أخذوني اليها، وألقوا بي في جوف زنزانة مظلمة!!
صحيح أنا أجهل اليوم والشهر والسنة التي وقعت فيها الحادثة الصالحة لكل يوم وشهر وسنة، ولكنني أذكر كيف كانت تهاجمني وقت الفجر، كل فجر، مجموعة من الرجال بأجساد متعافية تتحدث بلهجتي العراقية نفسها، مرة بمفردات بغدادية ومرة بمفردات جنوبية أو شمالية أو غربية، وقد أدركت فيما أدركت من أعوام الزنزانة، أن هناك لهجات تتحدث بمفردات لا علم لي بها ولا معرفة هي التي تصدر الأوامر لتبدأ بتعذيبي، الأجساد المتعافية تتلذذ بصراخي.. لا تترك شبراً من أخمصي الى هامتي الا وعليه بقعة زرقاء أو فيه مسرب دماء، لم أحقد على اللهجات صاحبة الأوامر مثل حقدي على اللهجات العراقية والأجساد المتعافية التي تمنع عني الطعام في العادة ثلاثة أيام بلياليها.. كانوا بعد انتهاء حفلة التعذيب التي يقيمونها على شرفي وقت الفجر، يغادرون الزنزانة ويبقى واحد منهم معي، يجلس على كرسي وحذاؤه الأيسر على الأرض، والأيمن فوق رأسي، وهو يتناول الطعام بشهية، وأنا أتعذب من رائحة الخبز الحار واللحم المشوي، وأذكر مرة سقطت من يده أو فمه (كيف لي أن أعرف ورأسي تحت حذائه) قطعة خبز صغيرة فانحنى عليها، وكان عليه ان يضغط بصورة أعنف على رأسي، ثم رفعها بين أصابعه، وسمعته يستغفر لأن (نعمة الله) سقطت على الأرض ولامست قدمه الضاجة بالرائحة الكريهة، فاستجمعت آخر أنفاسي وقلت له [يا أخ لماذا تهتم بكسرة خبز صغيرة ولا تهتم بانسان مثلي؟ أليس ابن آدم هو كذلك نعمة الله التي فضلها على الحيوان والنبات والحجر والخبز والكباب؟] لم يرد على سؤالي، اكتفى بالضغط أقوى على رأسي، ومنذ ذلك اليوم الذي اقتادوني فيه، ويمكن أن يكون أي يوم، وأنا أبحث عن تهمتي.. الرجل صاحب الحذاء الذي كاد يهشم رأسي قال لي همساً (تهمتك أنك عراقي) سألته [وأنت.. ألست عراقياً؟] التزم الصمت واكتفى بوضع حذائهِ فوق رأسي!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.