القرد والجمل والخروف!

55

حسن العاني  /

لم تكن نظرية القرد، التي نادى بها عالم الطبيعة داروين، ذات أهمية حياتية تذكر مقارنة بالاكتشافات والاختراعات الأخرى التي شهدها التاريخ الحديث كالإنترنت والهاتف المحمول وصالونات التجميل النسائية. ومع ذلك لم تنشغل البشرية مثل انشغالها بحكاية الشمبانزي منذ السماع بها الى يومنا المبارك هذا، والعلّة في الأمر أن نظرية القرد هزّت العروشَ الجمالية من جينا لولو بريجيدا الى آلاء حسين، ودمرت الأنوثة من هند رستم الى مارلين مونرو، ولم تبق فاتنة على وجه الكرة الأرضية إلا مسّها شيء من الكآبة وكثير من الحزن.. وقد تعدّت الانشغالات حدود النسوان الى اعتراضات ساخنة سواء على الصعيد العلمي بصورة عامة أم على الصعيد الديني بصورة خاصة، بل وانسحب تأثيرها حتى على السياسة. فمن طريف مسموعاتي أن أحد الرفاق في حزب البعث سأل مسؤوله الحزبي عن رأي الحزب في هذه النظرية.. وواضح أن السؤال في غاية الحرج لولا أن المسؤول كان على قدر من النباهة والفطنة والذكاء، حيث ردّ عليه “إذا قبلنا بهذه النظرية، ووافقنا على أن يكون الشاذي هو جدُّك الأعلى وجدّي وجدّ العراقيين، فكيف يمكن أن يكون جدُّ صدام حسين قرداً؟!” وكاد يغمى على الرفيق السائل فسكت على مضض ولم ينم ليلته تلك!
قبل ثلاث سنوات أو أربع أثبتتْ مجموعة من العلماء بطلان نظرية دارون وعدم صحتها، غير أن هذا أدى الى فراغ دستوري، لأنه من غير المعقول أن نعرف من أين انحدرت النملة الفارسية مثلاً، وما هو أصل الجراد النجدي، ولا نعرف أصل الانسان وانحداره وهو سيد الحيوانات على الأرض!! وهكذا بدأ الاهتمام وبُذلت الجهود المضنية لسد الفراغ وملء الفجوة العلمية، ولم يتوقف الأمر على البلدان المتقدمة، فقد شارك الجميع بما في ذلك (المنطقة العربية) المصنفة عالمياً بأنها من أكثر البلدان فساداً وتخلفاً وتعرضاً لأمراض الدكتاتورية، ومن هنا قالت المنطقة قولتها في نسب ابن آدم وأصله، وطبيعي جداً أن ترفض ابتداءً نظرية القرد لكونها تتعارض مع موقف الجامعة العربية ومنظمة البلدان الإسلامية، ومع مفاهيمنا القومية والتراثية والغزلية، أما العناصر المتسامحة منّا والشفافة والمغلوبة على أمرها فقالت: إن كان ولابد من وجود أصل حيواني للإنسان، فالأجدر أن يكون مُنحدراً من (البعير)، فكلاهما تكيّف مع الجوع والعطش، وكلاهما يحمل الذهب ويأكل العاقول، وكلاهما يتّسم بالصبر. غير أن هذا الرأي لم يصمد طويلاً أمام رأي عالم عراقي مفاده: إن أصل الانسان في السابق مجهول، وكل ما يقال ويطرح مجرد تكهنات، أما أصله الحقيقي فيبدأ بعد عام 1958 صعوداً، وحقيقته (إن أصل الانسان خروف)، والأدلة كثيرة، فكلاهما يتمتع بقابلية نادرة غريبة على الطاعة، وكلاهما يباع ويشترى بسهولة، وكلاهما يُذبح بمناسبةٍ في بعض الأحيان، ومن دون مناسبة في معظم الأحيان، وكلاهما يسير في القطيع وراء راعيه، لا يسأل من هو الراعي ولا يعترض وإلى أين يذهب به، وكلاهما يتقلبُ ما بين اليمين واليسار وكأنه في نزهة، وكلاهما وديع مسالم، فإذا نبتتْ له قرون صار عدوانياً شرساً نرجسياً متنكراً لأصله وتاريخه وماضيه وانحداره.. ومع شيوع هذا التوجه شيوعاً طغى على كل ما سبقه من نظريات ومقولات وآراء، وفي مقدمتها نظرية القرد الدارونية، إلا أن المباحث المتأخرة جداً، مسنودةً بمعطيات علم النفس وعلم الاجتماع معاً، توصلتْ الى رؤية حديثة آخذة بالانتشار العمودي والأفقي، لكونها متوازنة وحيادية ومعقولة، وملخصها أنّ أصل البشرية ليس واحداً، بمعنى أن لكل قارة من قارات العالم أصلاً ينحدر منه الإنسان، وبذلك فالأصول البشرية متعددة بتعدد القارات وطبيعة أجوائها ومناخها وتضاريسها.. الخ، أما ما يتعلق بقارتنا الآسيوية، فالوقائع كما يؤكد العلماء أن (إنسان آسيا) أو بشرها بنسبة 98% ينحدرون من شجرة عملاقة، تحولت بفعل ملايين السنين من التطور الى الإنسان الذي نراه اليوم، والدليل هو: إن الانسان الآسيوي بعد موته يرفض الذهاب الى مثواه الأخير إلا وهو في تابوت (خشبي)، وكأنه لا يريد الابتعاد عن شجرته وأصله، وفي حياته لا يقاتل عن شرفه ولا يدافع عن وطنه بالحماسة التي يدافع بها ويقاتل عن كرسيه المصنوع من الخشب..!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.