ظواهر انتخابية

202

حسن العاني /

منذ فتح العراقيون عيونهم بعد 2003 على شجار اسمه الانتخابات، وما يرافقها وما يتبعها من تصديق المحكمة الاتحادية وتشكيل الحكومة.. الخ، والبلد يشهد قبل أية دورة انتخابية جديدة لاختيار أعضاء البرلمان، جملة من المظاهر او الظواهر المتكررة، وكأنها ثوابت، ربما كان في مقدمتها انشطار الكتل انشطاراً حقيقياً، او مسرحياً، لكي تخوض الانتخابات بمسميات متعددة وشعارات جديدة، وهذا النوع المسرحي يعدّ من اللعب التي تجيزها قوانين الديمقراطية في عموم البلدان النامية، والمتخلفة على وجه الخصوص.. وربما كان في مقدمتها كذلك، وهي الأخطر والأكثر بشاعة في الوقت نفسه، ارتفاع مناسيب التهم المتبادلة بين المرشحين، بطريقة مبتذلة، أو تفتقر الى الذوق في الحد الأدنى..

في البلدان التي تمتلك أعرافاً ديمقراطية راسخة وأصيلة وليست مستوردة، تتركز التهم المتبادلة على عدم كفاءة الخصم، واظهار القصور في رؤيته، أو عدم واقعية برنامجه الانتخابي، أو إغفاله لقضايا جوهرية.. وإذا كان المرشح المنافس من “السلطة”، فيتم التركيز على مواطن الخلل أو الفشل في ميدان السياسة الخارجية مثلاً، أو الميدان الاقتصادي أو الخدمي.. الخ، بينما تنتمي التهم في العراق الى الوزن الثقيل، على غرار اتهام المنافس بالتآمر على العملية السياسية أو العمالة، أو التعامل مع الإرهاب، أو سرقة المال العام، وغير ذلك من التهم التي تندرج تحت باب الخيانة العظمى، وبعضها يوجب المؤبد، وأغلبها يقتضي الإعدام… ولكن الغريب حقاً أن أحداً لم يقدّم الأدلة الثبوتية، ولا يمتلك المستمسكات المطلوبة، والأغرب أنّ مَنْ يطلقون هذه العيارات النارية الثقيلة، وهذه التهم التي تمس الشرف الشخصي والوطني للمنافس، ولا يقدرون على إثباتها، ولا يردعهم القانون، ولا ينال منهم القضاء، ولا يتعرضون لحساب، ولهذا تتضخم الشتائم دورة بعد دورة!!

على أن هذه الظواهر التي تسبق العملية الانتخابية، لها امتداد وصور لا تقل خطراً بعد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج، لعل في مقدمتها الطعون المدعمة بالأدلة على حصول خروقات كثيرة، وعمليات تزوير واسعة تؤثر تأثيراً لا يُستهان به على النتائج، ومثل هذه الطعونات تستدعي بالضرورة، وضع مفوضية الانتخابات في دائرة الاتهام وعدم النزاهة، ما يوجب تدخل القضاء لقول الكلمة الفصل، وتبرئة ساحة المفوضية، أو محاسبتها بشدة، لو تمّ التأكد من تقصير متعمد.. ولكن في كل مرة لا يلتفت أحد الى الطعون، ولا يقول للمفوضية على عينك حاجب، وعلى المعترضين أصحاب الأدلة أن يمسحوا أيديهم في الحائط، وهكذا يبقى كل شيء على حاله.. غير أن أبرز إشكاليات ما بعد مرحلة الانتخابات، وأكثرها شيوعاً، يتمثل باللغط الذي يتعب الرأس حول تشكيلة الحكومة ونوعها وما يرافقها من مزايدات وجدل فارغ.. وفي النتيجة، ومثل كل مرة لابد أن يمضي الشهر على الشهر –والشارع أسير التكهنات والشائعات- حتى يتم الانتهاء من اختيار الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة!

تأخير مزمن بعد كل دورة انتخابية، وهذا التأخير له بالطبع مبرراته التي يجهلها أغلبنا، فأطراف العملية السياسية المتنفذة، لا تجد سبباً واحداً يجعلها على عجلة من أمرها لتشكيل الحكومة، لأن رواتبها ومخصصاتها وامتيازاتها جارية على أفضل ما يكون.. هل سمعتم أن رئيساً أو وزيراً أو وكيلاً أو نائباً أو مسؤولاً تأخر راتبه يوماً واحداً طوال مرحلة الإعداد لتشكيل الحكومة؟! أبداً والله.. أما الناس فلا يعنيها الأمر من قريب أو بعيد وهي عادة ما تقول (خوجه علي، ملا علي)، وهكذا لا يشغل أحد باله ولا يحرق أعصابه من السياسيين أم من الشعب، لأن هذه القضية تشغل بال آخرين، وخاصة دول الجوار، وكأنها حكومتهم وليست حكومتنا الوطنية!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.