يومٌ في باريس

75

مناضل داود /

لم تكن زيارتي لباريس هي الأولى ولكنها من الأهمية التي جعلتني أكتب عنها، فرؤية الأصدقاء من بلدي الذين يجيدون الفرنسية بطلاقة وينتجون بها في هذا البلد الذي عرفه العالم بأنه منتج للفكر والجمال منذ كنا طلاباً في معهد الفنون الجميلة ونحن نشحذ قراءة رامبو وبول اليوار وسارتر وجان جينه بعد دراستنا لراسين وموليير، المشاهدات الكثيرة مع القراءة تكوّن لك خيالاً أخاذاً عن المدينة الساحرة مدينة دانتون وروبسبير وتدعك ترى كومونة باريس تتجسد أمام عينيك وأنت تحلم بوطن حر تسوده العدالة الاجتماعية.

فرقة مسرح الشمس

باتت حلماً لنا من خلال اخبارها التي ملأت الدنيا بعروضها المسرحية بتوقيع مخرجتها الكبيرة (إريان منوشكين)، هكذا يحق لي أن أفتخر بأن ممثلاً عراقياً دخل الى هذه الفرقة وجسد فيها ومعها أهم العروض المسرحية وهو الفنان القدير سمير عبد الجبار الذي دعاني لزيارة باريس من أجل مشاهدة أحد عروض هذه الفرقة العالمية العريقة.

فيسبوك

عشرون عاماً بين دمشق وبيروت وعمان والقاهرة وتونس واستوكهولم وروسيا ولندن وباريس لم التق بالشاعر العراقي عدنان محسن، ولكن حسن الشعر في الفيسبوك جعلني اطلب صداقته فكان صديقي. آتى الى المقهى مثل طفل يهرول نحو لعبته متأخراً فاحتضنني كما لو كنا نعرف بعضنا منذ قرون هو يسمع عني وأنا كذلك، انتهت الجلسة الحميمة بدعوتي لنا وسمير: غداً تعال أريك اللوفر فأنا أعمل رئيساً لأحد أقسامه.
في الظهيرة كان عدنان بانتظارنا وكان دليلاً لنا في هذا المتحف العريق يعرفنا بأقسامه ويشرح لنا تاريخ الفن بكل دقة وعناية وهو يشير بإصبعه الخجول كأي شاعر عذب لتلك اللوحة أو غيرها من فنون العالم التي تتوسط القاعات الضخمة.

مسرح الشمس : مصنع الرصاص

قادني سمير بعد اللوفر الى إحدى غابات باريس حيث استولت (إريان منوشكين) على أحد مصانع الأسلحة وأسست فرقتها، هذه الفرقة العريقة (فرقة مسرح الشمس) لأرى كواليسها، مطبخها، عمالها، حراسها، بوابيها، منظفيها، لقد أدخلني هذا الممثل الكربلائي الى فرقته التي يعشقها وهو ويغني (الأبوذية) و(المحمداوي) وكان الجميع يستقبلنا بابتسامة عريضة وقبلات كأنك تدخل الى بيتك بعد غياب .

العالم كله في مسرح الشمس

إريان منوشكين، مخرجة هذا المسرح كما حدثني سمير عبد الجبار الممثل العراقي الذي يعمل في هذه الفرقة منذ سنوات: إنها أم للجميع، نتمرن نأكل ننام ننظف المكان، نمزح، نرتشف الشاي ونتمرن، التمرين ثم التمرين ثم التمرين، إنها تعاليم المعلم الأول ستانسلافسكي. شاهدت وتكلمت مع الكثير من الممثلين والعاملين في هذا المسرح فوجدت أن إريان منشوكين جاءت بالعالم كله الى مسرحها، كل الأجناس من القوميات التي تتحدث بلغات مختلفة تجمع بين الأديان والأعراق والمذاهب، هكذا هي أوروبا استطاعت أن تنتصر بتعدد الثقافات التي تنتج الإبداع، وتلك هي أميركا التي تتسيد العالم كله والتي تكمن قوتها بتعدد ثقافاتها، إنها اختصار للفكر البشري وعصارته هي قصيدة عالمية تجمع الشرق بالغرب والشمال بالجنوب بقانون كتبه العقل البشري فأضحت متسعاً للجميع بغض النظر عن سياساتها التي نختلف بشأنها، إنها أميركا، اريان منوشكين فهمت اللعبة وأسست فرقة عالمية تقودها بحنان الأم ولكن بثقافة وبدراية وتجربة أن تضع العالم كله مختبراً للتجريب، فكان تجريباً ومازال ينحاز الى الجمال وترجمة الجمال يتعدد في اللغة العربية وشرحه يطول ولكنه في النهاية يعني الشمس أي البحث عن الحقيقة سواء أكانت مرة أو طيبة كما علمنا وأشار اليها غوركي .

العرض المسرحي والممثل والمخرج العالمي سيمون ابكريان

انتهى هذا اليوم الباريسي بمشاهدة عرض مسرحي وكان بتوقيع الممثل والنجم العالمي سيمون ابكريان أحد أبناء هذه الفرقة والذي عمل مع إريان منوشكين أكثر من عشرين عاماً فوجدته يقف في باب المسرح يستقبل جمهوره بابتسامة حلوة، حدثته باللغة الانكليزية فقال لي تكلم عربي يازلمة. إنه الممثل الذي هاجرت عائلته الأرمنية من لبنان بسبب الحروب، الحروب التي أكلت إخوتنا وطردتنا الى المنافي البعيدة .

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.