الشاعرة سارة سامي: أنا كجدّتي شبعاد متفرِّدة ومستبدّة

285

محسن ابراهيم /

من شبّاك منزلها المطرز بالشناشيل تستنشق الفتاة الصغيرة عبير البصرة وقصائدها الحالمة على ضفاف شط العرب، تفتح نافذة للشمس وتتماوج مع أريج الحلم، تحت ظلال السياب ومحمود البريكان وكاظم الحجاج، تنتقل في روضة الشعر في جو يفوح منه عبق الحرف، تكتب بعفوية وتلقائية دون اكتراث لقوانين الشعر الصارمة.
إنها الشاعرة سارة سامي، الشخصية المتمردة التي شقّت طريقها كما تهوى، ومن مهجرها عادت محلّقة في فضاء المربد الشعري، لتطرق فيما بعد باب السياب في منتداه الثقافي، وليكرّمها مصطفى جمال الدين في رابطته، ويحتفي بها مشغل بغداد الثقافي في بغداد.
ومن أجل تسليط الضوء على تجربتها الإبداعية، أجرت مجلة “الشبكة العراقية” معها هذا الحوار:
* المكان كان هاجساً للشعراء، والكتّاب، ماذا يعني لكِ المكان واختلافه؟
– المكان واختلافه يعني لي التجزُّؤ. أن أكون في علاقةٍ ثلاثيةٍ مع وطنين وحياتَين، علاقةٌ أكون أنا الوتر في مثلثها، أن أترك نصفاً متجذراً مع نخيلِ الأرض ونصفاً آخر متلاشياً مع خطوط المنفى، فحياتي أقسمها مناصفة بين وطنٍ لفظني ووطنٍ احتضنني.
* ما معنى أن يعيش المرء في عالم ليس له فيه مكان، لا في بلاده ولا في المنفى، في أية قصيدة ولد لديكِ هذا التساؤل؟
– معناه أن تعيش كغيمةٍ تبعثرها الرياح فتتشتتُ تارةً وتتشكلُ تارةً أخرى، لكنها تبقى محمَّلةً بالغيث لكلِّ ما تمر به في طريقها.
لقد وُلد لدي هذا السؤال في نصيّ “يوم رمادي” الذي أقول فيه:
ماذا أفعلُ يا سيدي
حين يكونُ اليومُ رمادياً
فلا شمسُ العراقِ تشرق
و لا غيومُ الغُربة تمضي؟
ماذا أفعلُ حين تموتُ
نكهةُ الهالِ في الشاي المعطَّر
فلا أرتشفُ قصبَ الأهوار
و لا شناشيلَ البصرة؟
* الأمكنة غالباً ما تكون غذاء القصيدة وهي تؤسس عبورها نحو الحلم بهدوء، هل بمقدور الشاعر ترويض المكان باللغة؟
– الشاعر كصائغ الحِليّ والمجوهرات يصوغُ من ذهب اللغة أجمل القلائد والأساور، ليُزيِّن بها جيدَ ملهمته ومعاصمها، فيتوجها شبعاد القصيدة. إنه يروّضُ المكان والزمان ويصهرهما أنهاراً من زلال الخيال فتتغذى القصيدة وتنمو.
بكتاباتي عمدتُ إلى أنسنة المكان فبثثتُ الروح فيه ليصبح شخصاً أحاوره، ففي قصيدة “كوبنهاكن” مثلاً أخاطب المدينة كأنها امرأة، بينما في قصيدة “بغداد” جعلتُ من المدينة حكايةً لرحلةٍ عبر الزمكان.
* ما السبيل إلى اتقاء شراسة المصافحة الأولى مع النص؟
– بأن لا يُصافَح النص عنوةً. النصُّ الجيِّد هو من يبادر بالسلام دوماً، ولا ينتظر التحية من أحد.
* كثيرة هي الأبواب التي تفتحها القصيدة للشاعر، أي باب يُفتح عند لقائكِ بها؟
– القصيدة تفتحُ باب النبوءات، فأنا أرى القصيدة شجرةً لا ظلاً، لأن الشعر الذي يؤسس حقاً، لا يمكن أن يكون ظلاً، هو شعرٌ مختلفٌ عمَّا سبقه، وليس مؤتلفاً معه، وهذا هو الفرق بين الشعر الثوري والشعر غير الثوري، فهذا الأخير يدور في الظلّ، بينما الأول يعارض ثقافة الاستلاب والتبعية للآخر. فحين يكون الشِّعرُ الشجرة لا ظلَّ الشجرة، يصبحُ ناطقاً لا مُردداً.
* دائماً ما يحتمي المرء من عواصف الحزن والاغتراب والشجن في قلعة خاصة به، هل القصيدة هي قلعة الشاعر الخاصة أم أنها نافذة يطل منها على أشيائه السريّة والحميمة؟
– القصيدة هي قلعةُ الشاعر، التي يتحصَّن فيها من تبعثره وضياعه أمام أعاصير النسيان، قلعتُهُ التي يؤثثها من رفوف ذاكرته ألماً وحزناً، فيترك كلَّ سواده على الورق لتمتصَّه السطور فيزداد هو بياضاً وتخفُّ روحه المثقلة بالندوب، لكنها قلعةٌ ذاتُ نوافذ، ومن هذه النوافذ تطلُّ محبرة الشاعر على سويداء قلبه، وهناك حيثُ الذاكرة طوقُ النجاة من الغرق في المحو. هناك حيثُ تلك الذاتُ الحائرة التي لا تملك إجابةً سوى السؤال، ذاتٌ تلوذُ بتلك النافذة التي لا تمنحك فقط قمراً يخصُّك وحدك، أو حبيبةً في النافذة المقابلة ترى فيها وجهك، بل تمنحك قبل كلِّ شيءٍ شخصاً لم تكن تعرفه، شخصاً جديداً هو أنت.
* هل تشعرين بعدم الرغبة في شرح قصائدك، شيء مشابه للحلم الذي يفقد قوته عندما يحلّل؟
-إنَّ القصيدة لغةٌ لا تقول ما تظهره فحسب، لكنها تخفي بين طياتها بعداً آخر أعظم و أعمق، وهذه هي السِّمة الأساسية لكلِّ قصيدةٍ عظيمة منذ زمن جلجامش وهوميروس، إن ألف باء اللغة الشعرية هي الدلالة الإيحائية والرمزية وعلى القارئ أن يمتلك ذائقةً فنية كي يستطيع أن يفكَّ طلاسم القصيدة، إذ إنَّ مهمة تأويل المعنى تعود أولاً وأخيراً إلى المتلقي وليس إلى الشاعر.
أنا الشاعرةَ أحب أن تنحو قصائدي منحى الرؤى التي تتباين في تأويلها كتب مفسريّ الأحلام، فالغموض في الشعر دليلُ عُمقٍ وغنى وهذا ما تنبَّه إليه ناقدٌ عربيٌّ قديم حين قال “أفخرُ الشِّعر ما غَمُض”.
* السكون والمشاغبة من سمات الطفل في داخل كل شاعر، هل طفلك الساكن في أعماقك مدللٌ أم مشاغب؟
– إنَّ الطِّفل الَّذي يقبعُ في أعماقي هو طفلٌ مُشاغب، فالشاعر الجيِّد جريء، عابث ومستفزّ كما الطفل المشاغب، فهو لا يكترث بما يقوله عنه الآخرون طالما يجدُ منبراً للتبشير بنبوءاته.
في الوقتِ ذاته أرى أنَّ أجمل ما في المرأة طفولتها وعفويتها، والمرأة التي تحافظ على تلك الطفلة في أعماقها لا تشيخُ أبداً، فما بالك إن كانت شاعرة؟
* كيف تنظرين، بعد هذا المشوار، إلى ذكرياتكِ القديمة الأولى مع أول قصيدة كتبتِها؟
– أنظر إلى ذكرياتي بعينٍ حانية، فقد كنت أكتبُ بعفويةٍ وتلقائية دون أدنى اكتراثٍ لقوانينِ الفراهيدي الصارمة، لربما هو جزءٌ من شخصيتي المتمردة أن أشقَّ طريقي كما أهوى وأن أصنع عطوري وحتى أوانيها بنفسي، وأن أصمم أزيائي وأرتديها بطريقتي، دون أن أراعي خطوط الموضة، فأنا كجدّتي شبعاد متفرّدة ومستبدة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.