العراقيون يجملون ساحات التظاهر

120

بغدادــ المحافظات ــ الشبكة العراقية /

الاحتجاجات التي اجتاحت المدن العراقية حملت مطالب عادلة لشعب ضاق ذرعاً بعملية سياسية استندت الى المحاصصة، تلك العملية التي فشلت في بناء مؤسسات قوية قادرة على تلبية أبسط الحقوق وأقل الخدمات، المتظاهرون الذين كسبوا تعاطفاً كبيراً من المرجعية والشعب دفعوا البرلمان والحكومة الى إطلاق حزم من الإصلاحات، تنشرها “الشبكة” في هذا العدد بالتفصيل.
“الشبكة” تجولت بين المتظاهرين ونقل محرروها صوراً رائعة من ساحات التظاهر ضد الفساد والمحاصصة التي قادت البلاد إلى هذا المنعطف الخطير، ونقلت جانباً من يوميات يعيشها متظاهرون يتطلعون إلى وطن تسوده قيم العدل والمساواة.
أسئلة يكتبها إياد عطية الخالدي
لماذا تمتزج مشاعر الألم بالامل في ساحات التظاهر؟ ما الذي يدفع الشاب غازي، صاحب “التكتك”، إلى اقتحام سحب الدخان كي ينقل المصابين إلى المستشفى ومواجهة احتمال خسارة حياته؟
وما الذي يجمع هؤلاء الفتية كي يخاطروا بحياتهم وهم يهتفون “بالروح والدم نفديك يا عراق” و “نريد وطناً”؟
وأية قوة تلك التي تجعلهم يستقبلون القنابل الدخانية بصدور عارية ويحملونها بعيداً عن إخوتهم المتظاهرين؟!
وياله من حافز هذا الذي جعل هذه المرأة الخمسينية تأتي لتشارك أبناءها في التظاهرات وتغسل ملابس الشباب الذين تسلّقوا أربع عشرة طبقة في المطعم التركي ليرسموا لوحة عراقية لامثيل لها، لوحة رسمت بالدم والصبر والصمود وتلك الشجاعة العراقية المدهشة!
وهذه الفتاة المتوثبة التي ترتدي الجينز وتلف رأسها بالعلم العراقي وهي تخبز بيديها أرغفة حارة تذكِّر المتظاهرين بخبز الأمهات الحار المعجون بحنانهن..
وأنتِ هنا يارفل عادل، أيتها الشابة الرقيقة.. ماذا تريدين؟ ترصفين سيارتك البيضاء قريباً من الخط السريع، وترافقين حسين أبو التكتك إلى ساحة التحرير وتتقدمين الصفوف تحت رايات عراقية خفّاقة ثم تعودين مع زميلاتك تصدحين بنشيد “موطني” قبل أن تساهمي مع صديقاتك بتنظيف ساحة التحرير من النفايات..
في ساحة التحرير، كما ساحة الحبوبي وأم البروم والتربية، ثمة صور تدهشك، فهؤلاء الفتية المتظاهرون سحقوا الطائفية في أروع صور التلاحم الوطني.
هؤلاء الأبطال هم أمل هذا الوطن ويستحقون بالفعل وطناً على مقاس أحلامهم وتضحياتهم، ويستحقون قيادات تفهم تطلعاتهم وتترجمها إلى مشاريع عمل على أرض الواقع.
وفي مشهد تقعشرُّ له الأبدان وتهتزُّ له الضمائر، فبينما يرفرف العلم العراقي خفاقاً ويدوّي نشيد “موطني” من حناجر المتظاهرين وهم يجهشون في البكاء، تستمع قريباً منهم إلى نحيب جندي عراقي يشاركهم حلم وطن كبير يستحقه العراقيون، وطن لطالما أعطى العراقيون من أجله قوافلَ من الشباب على مذبح الدفاع عن حياضه.
وعلى الرغم من محاولات ذوي الأجندات المغرضة ركوب الموجة، فإن المتظاهرين الشرفاء لم يسمحوا لجهات أجنبية بأن تملي عليهم ماتريده، لأنهم يدركون أن ما يريدونه هو وطن حر بحجم أحلامهم وبعظمة اسم العراق وتاريخه وتضحيات شهدائه، وطن يهتدي بقيم الرسالة التي حملها الإمام الحسين عليه السلام وأكدتها المرجعية الرشيدة.
حان وقت الشرفاء في العملية السياسية لتطيهرها مما علق بها من فساد واستغلال، من دون أن يسمحوا لأعداء الوطن أن يتسللوا إلى ثورة الشعب ويحاولوا تشويهها وتحريف مسارها لصالح أجندات وأهداف لا ناقة للعراقيين فيها ولاجَمَل .
القصص المدهشة في ساحات التظاهر، وتلك الصور القادمة من مدن الناصرية والبصرة وميسان وواسط وكربلاء المقدسة والديوانية والسماوة وبغداد تسجِّل تاريخاً جديداً لعراق آخر، عراق لن يستسلم لمن نهبوا ثرواته وسرقوا أحلام شبابه.
وهذا الشيخ الطاعن في السن الذي يحصل على قوت يومه من بيع “الكعك”، ما الذي يدفعه الى توزيعه بين الشباب؟ وما الذي يجعل الطبيبة جيهان تأتي إلى الساحة يومياً محمّلة بكميات من الأدوية كي توزعها بين بين المفارز الطبية؟
إنه الحلم بوطن.. وطن يكون خيمة تحمي أبناءها من عوادي الزمن، وطن لافرق بين أبنائه إلا بالعمل والتضحية، وطن لايذل فيه عراقي ولايتحول فيه السياسي إلى تاجر لايشعر بأهله وأبناء وطنه.
في ساحة التظاهرات لوحات تضامن تهزّ العروش، ولدت من ضمير شعب يريد أن يشعر أن لديه وطناً حراً شجاعاً قوياً عزيزاً، فليست الحاجة إلى الخبز الكريم هي التي جمعتهم هنا بل هي الحاجة إلى الكرامة.. إلى الشعور بالعدل.
هذه الصور البانورامية أطَّرها الفنانون والشعراء العراقيون بإبداعتهم، ففي نفق التحرير وساحة الأمة والمطعم التركي والساحات في المدن الأخرى، جسَّد العراقيون ملحمة في الكرم والفداء وحب الوطن، فحيث تسير في الساحة تواجهك مواكب العطاء لنساء ورجال وبنات وأطفال وشيوخ يريدون أن يعبِّروا عن وطنيتهم العالية وعن دعمهم للشباب في رؤية وطنهم عزيزاً، ولوحات أطَّرها الرسامون على جدران الساحات والشوارع والأنفاق برسوم معبِّرة، وفي أعلى عمارة المطعم التركي تبادل الشعراء الأناشيد الحماسية، وحضر الحلاقون والأطباء والمسعفون يعتلون مع الشباب صهوة مجد عراقي وصرخة احتجاج ضد الفساد والفاسدين الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يستمروا في إشغال الناس بشعاراتهم الزائفة.
لأجل وطن بلا فساد، بلا محاصصة، بلا طائفية، وبلا سرّاق ومخادعون، هي ثورة لكل سياسي يريد أن يبدأ المسيرة من جديد بروح تظاهرات تشرين وبصورة عراق تشرين.. تلك الصورة التي قالت عنها المرجعية إن العراق لن يعود إلى ماقبلها مهما تشبَّث الفاسدون بمكاسبهم على حساب الحلم العراقي الكبير.
معرض عفوي.. تكتبه آية منصور
وإذا ما أردنا الحديث عن الفن العظيم الذي غيَّر وجه المظاهرات بقلب سلمي وروح فنية خلّاقة، فلا بد لنا من ذكر المعرض العفوي الذي أقيم فوق جدران نفق السعدون، وعلى طول امتداده، برسومات فائقة الدهشة والعبقرية من فنانين عراقيين، تطوعوا، كغيرهم من المتطوعين، برسم جدران النفق، رسومات وطنية تحث على التعايش السلمي ونبذ العنف، والإصرار على سلمية المتظاهرين، وتدوينٍ لذكرى هذه المظاهرات.
الفنانة التشكيلية (نوار قاسم) ارتأت رسم وجه لفتاة شبيهة لملامحها الحادة، ومغطاة بالعلم العراقي، مشيرة بلوحتها الجميلة إلى دور المرأة العراقية في مظاهرات 25 أكتوبر، حيث مثّلت موقفاً مشرِّفاً وبطولياً من خلال مساندتها لإخوتها: تركت رسمتي على الجدران لتتذكر الأجيال القادمة أن للمرأة العراقية دوراً كبيراً في هذه التظاهرة الكبيرة، ورغم قوتها، إلا أنها لم تلتحف بغير العلم الذي كان مصدر قوتها وقوة جميع المتظاهرين.
أحد الفنانين، رفض حينما سألناه عن اسمه، ذكره، مكتفياً بإجابته:
-إني عراقي وحسب.
هذا الرجل الذي دأب على زيارة ساحة التحرير منذ بدء التظاهرات، على الرغم من ضرر قدميه الكبير واعتماده على العكاز، ما إن وجد فرصة ومساحة في نفق السعدون، حتى باشر برسم لوحة ذاتية له مع عكازه، وبعضاً من أمنيات العراقيين، “تعليم، أمان، استقرار”، فيما يتساءل عما إذا كانت هذه الأمنيات صعبة وعصيَّة على العراقيين، ثم يجيب نفسه: لا أظنها أمنيات أكثر من كونها حقوقاً، حقوق على الحكومة توفيرها أو لن نترك مكاننا.
في غضون أسبوع واحد، تمكنوا من جعل النفق جنَّة صغيرة بألوانهم البهيّة، فكيف لو استطاعوا خدمة بلادهم؟
نأمل أن لا تتحقق مخاوفنا بأن تقوم أمانة بغداد بمحو هذا الجمال بعد نهاية التظاهرات، فقد أصبحت منذ الآن تاريخاً.
مفارقات.. تكتبها ريا عاصي
ما إن تضع قدميك خلف الحاجز الكونكريتي عند ساحة النصر، حتى تكتشف الكم الهائل من الفعاليات والمواكب التي افترشت شارع السعدون المؤدي إلى ساحة التحرير بكافة صنوف الطعام والشراب وكأنك تزور بغداد في موسم كرنفال دائم.
يلاقيك جندي عراقي وهو يلبس الكاكي فيسلّمك كمّامة طبية، ويناديك رجل مسنّ وهو يقف على ظهر سيارة حمل أن اشرب الماء وتذكّر عطش الحسين، وعيناه تدمعان لصوت باسم الكربلائي وهو يردد (آنا وياك واحد والعباس شاهد).
وأنت تخطو للأمام قليلاً، سترى مجموعة من الشباب وهم يعجنون ويخبزون اللحم بالعجين ليوزعوه ثواباً على روح أخيهم الشهيد حسن الذي استشهد في معارك تحرير الموصل من الظلاميين.
بعد قليل سترى مجموعة نسوة يفترشن الأرض وهن يخبزن السيّاح ويوزعنه على المتظاهرين وبقربهن يقف عباس، ابن إحداهن، يوزع الشاي.
عند الساحة ستمر بقربك عجلات التكتك وهي مسرعة لإيصال جريح إلى أقرب سيارة إسعاف.
ستسمع صراخ نسوة ورجال أمن وشباب (لالالا.. إخوتكم ذول لا تشمرون عليهم حجار ودعابل وستسمع، أخرى تنادي لالالا.. ولدكم ذول لا تحطوها براسهم).
ستشهد منظر النسوة بحجاب وعباءات وأخريات سافرات، كبيرات وصغيرات، طالبات ومتعلمات وأميات، ستشهد حقاً أن شعب العراق بجميع شرائحه يقف في ساحة التحرير يحاول دفع الأذى عن الجميع.
ستلحظ وجود المرأة العراقية بكل عنفوانها، فهي لم تغب يوماً ودورها دوماً كان رئيسياً لا مهمشاً، فكما حملت صورها العديدة لوحة فائق حسن ستجدها أيضاً على الأرض. وتحت حمامة السلام التقيت شابة عراقية اسمها هديل، طالبة هندسة معمارية مرحلة ثانية، تحمل فرشاة وتصبغ إطار حوض زهور صنعته أيادي زملائها عند نصب حمامة السلام،
تقول: “كنت أمرُّ يومياً من ساحة الطيران عند عودتي من الجامعة في الجادرية قاصدة منزلي في حي البنوك، كنت أحاول مراراً تأملها وأنا في زحمة الطريق حيث يصطف تحتها الكسَبة والعمال والعديد من عربات الخضر والفاكهه في مشهد بانورامي يجعل قلبي منكسراً مهزوماً من لوعة ما أراه، فالمسنّون مازالوا يحملون معاولهم بحثاً عن خبز كرامة لمواجهة شظف العيش والنساء مسرعات للصعود في سيارات النقل الصغيره التي تقف بشكل عشوائي عند ساحة الطيران، وكنت دوماً أتمنى أن أجلس تحت الجدارية متأملة رموزها التي طالما حدثني عنها والدي (رحمه الله)، أبي كان رساماً تتلمذ على يد الراحل فائق حسن، سرقه الإرهاب منا في تفجير حدث قبل أعوام عند وزارة الخارجية، حين خرج الشباب للاعتصام في ساحة التحرير قررت القدوم وردّ الجميل وتخليد ذكرى أبي وأستاذه وتجميل هذا النصب الذي أهملته امانة العاصمة”.
في إحدى المفارز الطبية حدثتني الدكتورة شهلاء، خمسينية، قائلة: “أقف مرابطة ضمن مفرزة تابعة لوزارة الصحة تشكلت قبل أسبوعين، إذ توجد في التحرير ست مفارز طبية حكومية أقامتها وزارة الصحة لإسعاف المصابين، أغلبهم مصابون بالاختناق نتيجة الغاز مسيِّل الدموع وقنابل الدخان، نقوم بإسعافهم الفوري هنا، ويتم نقل المصابين الحرجين بسيارات إسعاف الدفاع المدني ووزارة الصحة إلى مستشفى الشيخ زايد أو الجملة العصبية.
الحرية أمُّنا.. يكتبها ذو الفقار يوسف
الحكومة العراقية أطلقت حزمة إصلاحات بعد أن أطلق الشعب كلمته في تظاهرات غطّت جميع أنحاء البلد، فقد عانى الشعب من غياب الخدمات وضياع الحقوق واستشراء الفساد في كافة مفاصل الدولة.
أحمد علي (22 عاماً) وقف على ناصية أحد الشوارع القريبة من ساحة التحرير، يقول: “أنا طالب جامعي أصبو دائماً إلى وظيفة تليق بي، وعمل لائق لقاء دراستي بجد طيلة هذه السنوات.
متى نتنفس مجدداً؟ كادت فئة من المتظاهرين أن تنجرف نحو مهاوي الجزع لعدم تحقيق مطالبهم بالسرعة التي تجعلهم ينهون هذا الاحتجاج بالنصر، بعضهم تسلق أحد المباني، أما الكمُّ الأكبر منهم فقد لازم ساحة التحرير ليطلق صوته عسى أن يسمعه العالم.
مسلم محمد (26 عاماً) تلثَّم بعلم العراق وأكد: سأستمر بالاحتجاج إلى أن تتحقق مطالب الشعب، فهي بالنهاية مطالب بديهية وحقوق لأي فرد يرغب بحياة كريمة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.