سيتا هاكوبيان: شعرتُ باليتم وأنا أغادر العراق

378
 حيدر النعيمي/

هذا هو الحوار الأول لها منذ أكثـر من عشرين عاماً، إنه حوار مبلّل بدموع الألم والحنين والاشتياق والغياب لربع قرن عن الإعلام، فماذا أقول في حق صوت نسائي عراقي معتّق بطيبة أهل البصرة وأنيق مثل فتيات بغداد كصور الزمن الجميل.إنها سيتا هاكوبيان التي سارت بـ “دروب السفر” لتأتي إلى البصرة بعد غياب ربع قرن وهي غارقة بدموع اللهفة، جئتها من بغداد لأحاورها “بهيده بهيده”.

كانت شاهدة مهمة في تأريخ الفن العراقي واستطاعت أن تجازف وتغامر وتربح المواجهة. وفي هذا الحوار الكثير من البوح الذي صمتت عنه سنيناً. سألتها أولاً منذ كم أنتِ بعيدة عنّا مكاناً؟ فأجابت: عن البصرة منذ 25 عاماً، وعن العراق 21 عاماً، فلقد غادرته عام 1997.
ارتحال

* يوم المغادرة من العراق هل تتذكرينه؟

– يوم خروجي من العراق مازال في ذاكرتي وكأنه البارحة، لم يكن من عائلتي سوى أخي المتزوج والساكن ببغداد وأختي متزوجة وتسكن البصرة ووالداي كانا خارج العراق، كنا وقتها أنا وزوجي المخرج عماد بهجت متقاعدين وجاءنا عقد عمل آنذاك للعمل في قطر ولم نكن ننوي أصلاً الخروج بدون عودة، فودعت جميع أصدقائي وسلمتهم بعض الأشياء.

كنت وقتها أسكن في منطقة زيونة بما يسمى شقق زيونة، وأنا أغلق باب بيتي فور خروجي من الدار أحسست أنني يتيمة، ولأول مرة أشعر باليتم، واستمررت بالبكاء طوال الطريق……هنا انتابتها “نوبة بكاء شديدة كأنها تعيش الحدث من جديد.”

* من كندا إلى العراق كيف تصفين مشاعر العودة؟

– لا أعرف….إنها مشاعر مختلطة.

* هل احتجتِ للشجاعة لاتخاذ مثل هذا القرار؟

– لا، كان جوابي سريعاً فور عرض الأمر عليّ ووافقت بدون تفكير كنت مشتاقة للبصرة جداً.

* بصراحة هل كانت هذه الزيارة لأجل عيون ابنتك نايري حيث تشارك في مهرجان سينمائي في البصرة؟

– لا. أبداً. كلمتني مخرجة هنا في البصرة وقالت لدينا شباب يحاولون القيام بشيء، وهذا الذي أتى بي، لا علاقه لي بابتني. جئت أقف مع الشباب وأقول لهم أنتم بيدكم المستقبل وأنتم من تصنعونه.

البصرة حزينة

* كيف رأيت البصرة؟

– حزينة. تصور إنني مع دخولي أجواء البصرة كنت أتطلع من شباك الطائرة فتخنقني العبرة وفور نزولي لأرض المطار وبعد ترحاب مديره انهرت بالبكاء.

* هل انحزتِ للبصرة على حساب بغداد؟

– بالطبع لا. لكنْ لم يدعني أحد لبغداد.

* متابعتك المستمرة لأخبار العراق عبر التلفاز هل أثرت عليك سلباً؟

– حطمتني وأصبح لدي خفقان في القلب بسببها.

* من كنت تتمنين أن تلتقي به في البصرة؟

– الملحن والصديق طارق الشبلي “الله يرحمه”، رفيق دربي…. طارق بالنسبة لي شخص عزيز جداً عليّ والروحية التي يمتلكها غريبة، اتصلت به قبل رحيله قلت له أطلب منك لحناً فقال لمن؟ لكِ؟ قلت له: كلا بل لنوفا ابنتي. وبالفعل حصل وأعطاها لحن أغنية “خايف عليه”. طارق لم يكن يأخذ مني أي مبلغ كأجور تلحين مع أني أتذكر أن أحد الملحنين عندما طلبت منه لحناً قال لي أطلب 50 ديناراً أي راتبي لثلاثة أشهر، فقلت له عمري ما أعطيت لأحد لأني لست مطربة حفلات.

ابنتي نوفا أسمت ألبومها “خايف عليه” على اسم أغنية الملحن طارق الشبلي، وطوال سماعي لها وأنا أبكي، الله يرحمك يا طارق لو كنت سامع الأغنية……”هنا انهارت بالبكاء مرة أخرى على رحيل رفيق دربها.”

البدايات

* أول من اكتشفك هل هو الدكتور حميد البصري؟

– نعم، كنت في المدرسة وصديقتي هي شقيقته ساجدة، فنقلت له إنني أغني في المهرجانات أغاني فيروز، وكانت وقتها قد جاءت فرقة المسرح الفني فطلب مني الدكتور حميد البصري أن أحضر أغنية “زهرة المدائن”، و”أعطني الناي وغنّ” وتم تسجيلها وعرضها فتم الانتباه لي كمطربة.

وأشار عليّ البصري كذلك بالاشتراك ببرنامج المواهب وجاءني لبيت خالتي في بغداد وحفظني أغنية “الوهم”، وهي قصيدة للشاعرة نازك الملائكة، وبعد فترة جاء البصري كذلك وقال لي هنالك أوبريت اسمه “بيادر خير” ستكونين فيه، وفور بث بيادر خير عمل ضجة كبيرة في جميع أنحاء العراق، فانطلقت منها لعالم الفن من الباب الواسع.

دروب السفر

*ما السبب الذي جعل أغنيتك “دروب السفر” تعلق بذاكرة الجمهور من بين أغانيك؟

– كانت هذه الأغنية قد كتب كلماتها المخرج عادل طاهر وكنت معترضة على الترديدة في هذه الأغنية حيث لم يكن فيها “بين النجمة والكمر”، فذهبت إلى شاعر وزوجته صحفية بدون ذكر أسمائهم وعدّلا في النص كما ظهر للناس حالياً فسجلت الأغنية عام 1978 وصورتها عام 1979 بثت مرتين تقريباً وتم ركنها.

عام 2006 اتصلت بي ابنتي نوفا وقالت لي أن هنالك شاباً يدعى بشار القيسي غنى الأغنية في برنامج للمواهب الشابة يدعى “ستار أكاديمي”، وسمعت له لقاء يقول فيه المطربة صاحبة الأغنية لا أعرفها بل أشار عليّ أحد أصدقائي بغنائها فغنيتها.

الناس بدأت تقول أنها أغنية بشار، فأشرت على العائلة أن تنشر الأغنية عبر اليوتيوب واتضح للناس أن نموذج الأغنية التي قدمتها في السبعينات أرقى بكثير من الذي قدمه هو. للأسف بعدها قال “بواسطتي جعلت الأغنية تشتهر” فقلت لبناتي طيب لنرَ ماذا سيقدم بعدها؟ ومنذ 12 عاماً لم يترك شيئاً إلا وفعله. فأين هو الآن؟ السؤال هو هل هو من شهرني أم أغنيتي تسببت بشهرته؟ لكل أغنية حياة ولا تتقتح هذه الحياة إلا في الوقت المناسب.

حقوق ضائعة

* قبل فترة صورتِ فيديو وقلت فيه أن جميع الأغاني الخاصة بك سيكون فيها حقوق ويجب وقف سرقتها من قبل الفنانين. ألا تجدين أن هذا التوضيح الفيديوي متأخر؟

ـ كلا, لأنهم صاروا يكتبون من التراث وبدون حتى الرجوع لمن كتبها ولحنها وغناها كما إن البعض صار يكتبها على أنها من التراث فقط بدون ذكر العراق، بالتالي سجلت أعمالي جميعها بالحقوق الملكية الكندية وللأسف أقولها حظرت قنوات يوتيوب كثيرة لفنانين وكان شرط فك الحظر عن قنواتهم رفع الأغاني الخاصة بي التي تم غناؤها بدون إذني أو ترخيص مني.

* آخر نتاج غنائي لك؟

– شريط كاسيت لشركة بابل لا أتذكر بالضبط في أي سنة، أما 1985 أو 1986 ولكوني كنت منشغله بالإخراج، ذهبت إلى رئيس قسم التنسيق محمد ضياء وقلت له رجاء أوقف بث جميع أعمالي، وكلما وددت وضع أغنية لي ضع أغنية للمطرب الشاب “……….” الذي أتحفظ عن ذكر اسمه.

* ما السبب الذي يجعلك تعلنين وقف أعمالك من البث وإنهاء مسيرتك الغنائية؟

– اعذرني. أحتفظ بالسبب لنفسي، لا أستطيع البوح به.

أغانٍ للأطفال

ـ هل تعتبرين نفسكِ محظوظة أنك غنيتِ لإلياس رحباني؟

– كان مدير الإذاعة والتلفزيون الشاعر حميد سعيد قال لي ذات يوم: عندي مشروع أغانٍ للأطفال ستغنيها أنتِ. قلت له: أنا موافقه ولكن هل تريد مني البحث عن كلمات وألحان؟ ومن يعطيني روحية الأطفال؟ قال: إذا أحببتِ يمكن أن نبعثها لإلياس رحباني، ولكن يجب أن تجدي كلاماً ملائماً.

شاهدتُ الشاعر كريم العراقي وكنا قد سبق وأن تعاونّا معاً وأنتجنا أغاني جميلة جداً، فأبلغت كريم بالمشروع وقلت له هل تفعلها؟ قال أنا كتبت أصلاً مجموعة لا بأس بها تعالي لتريها فاخترنا نصوصاً وبعثتها الإذاعة إلى إلياس رحباني، فسجل الأغاني وبعثها لي وسجلت صوتي عليها وهنا أعلن أنني محظوظة جداً رغم كل شيء رغم كل الآلام التي مررت بها.

نوفا

* كيف ترين مسيرة نوفا؟

– صعبة جداً وأنا أخبرتها بذلك.

*ولكن أنت جازفتِ؟

– صحيح ولكن كان معي الكثير من الناس وتم التزامي، وكونّا الفرقة البصرية، ونوفا حالياً وحدها وليس لديها أحد فالكثير لا يعرفها.

* مالذي يدفّئ غربتك الكندية؟

– عائلتي، فمعها أشعر بدفء شديد، وعندي أناس في العراق عندما أتكلم معهم فأشعر أنني في العراق.
لمن تطرب المطربة؟

* أي صوت تسمعينه كأنكِ تسمعين العراق؟

– الأغاني العراقية القديمة جداً، ومن بعدها أغاني السبعينات وخصوصاً ياس خضر وحسين نعمة.

* وما هي الأصوات النسائية التي تطربين لها؟

– بالنسبة لي أقدَر صوت نسائي عراقي صوت مائدة نزهت وأحيي هنا كذلك العزيزة الغالية أمل خضير فهي الوحيدة التي ظلت مقاومة في ظل جميع الظروف.

الربّ معي

* من ظلم سيتا هاكوبيان في مشوارها؟

– لن أجيب على هذا السؤال…… ” الرب كان معي دائماً”.

* لمن تقولين شكراً؟

– أول شيء لربي، ومن بعده لأهلي العراقيين وكل من وقف معي بأي شيء وأقول لهم أنا مدينه لكم.

* ما سبب هذه الدموع المدرارة؟

– أنا مغادرة العراق ولكنه يسكنني… هذا الحنين لا ينضب.

* ومتى العودة لبغداد مرة أخرى؟

– الله أعلم.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.