ضريح المرقد الحسيني.. فيضُ قداسةٍ وشعاعُ نورٍ يتسلل إلى قلوب زائريه

45

خضير الزيدي – تصوير: صفاء علوان /

ما أن يطأ المرء قدميه في كل مكان مقدس إلا وثمة سحر يرافقه، وما أن يدخل بوابة الأضرحة حتى يتسلل إلى نفسه شجن خفيف وفيض من الروحانيات، تأخذه العبرة حيناً وتعلو محيّاه الدمعة أحياناً، ويبقى الحديث مع النفس متواصلاً وتطرح الأسئلة التي يتمنى لو يجد الإجابة الكافية لها،أسئلة من مثل من شيد القبّة؟ من نصب الشباك ومن أقام الضريح؟ لماذا المنارة عالية؟ ولِمَ القبّة مزججة تعلوها النقوش الإسلامية الجميلة وتحيط بالرواق آيات قرآنية كُتبت بشتى أنواع الخطوط؟ وتمضي الأسئلة فيكتشف ذلك المرء أن أدق التفاصيل هنا في هذه الفسحة المباركة تحتاج لمهارة في التصميم ودقة في العمل ومتابعة لا تنتهي طالما التواصل ما يزال قائماً مع كل جديد، وبما أن المتغير تحت قبّة الإمام الحسين عليه السلام في الفترة الأخيرة يكمن في إنجاز الشباك الذي نصب حديثاً، فلا بد من معرفة تاريخ القديم منه والجديد فيه.
ما يسرده التاريخ

وتبصره العين

مرّ ضريح الإمام الحسين عليه السلام بتحولات بنائية كثيرة كان سبباها اثنين، إما الهدم المتعمد أو التعمير لتجديده وإعادة بنائه، وكلا الأمرين قاد محبي أهل البيت إلى إعمار الضريح بشتى الأشكال واختلاف المواد، فقد دوّن لنا التاريخ الإسلامي أن عضد الدولة البويهي شيّد الضريح عام 369 هجرية بالعاج وتم تزيينه بالديباج، وفي سنة 620 وضع الوزير مؤيد الدين بن محمد ضريحاً جديداً من الصاج وفيه من الفضة وجمال التصميم ما يجعله مهماً عند عامة الناس. وبقى ذلك الضريح قائماً حتى لحظة دخول علي بن محمد بن فلاح حاكم المشعشعيين إلى داخل الحرم الشريف ليهدّ من بناء الضريح بعد أن عمد هذا الحاكم إلى الدخول بفرسه نحو باحة المرقد، ولكن شاءت الظروف أن تتجه ثانية لتعزيزه فتغيرت الأوضاع، وهذ ما حدا بالشاه إسماعيل الصفوي في السادس والعشرين من جمادى الآخرة لسنة 914 أن يذهب إلى مدينة كربلاء فأمر من هناك بتذهيب حواشي الضريح ليحمل معه اثني عشر قنديلاً من الذهب مجللاً الضريح بالحرير والإستبرق والبسط الجميلة الفاخرة. وتشير مصادر التاريخ الإسلامي حول تطوير الضريح والشباك المقدس إلى أن أول من وضع على الضريح شباكاً من النحاس كان الشاه عباس الصفوي سنة 1032 ملحقاً به التنوع ومشدداً على تطوير الضريح بأحلى ما يضيف له من جمال وإيحاء روحي. ولا تنسى مفكرة التاريخ الإسلامي أن تذكر لنا ما قامت به زوجة نادر شاه حيث عملت على تعمير المكان في شكل موسع مما استدعى تطوير الحائر الحسيني. ومن الشخصيات التي عززت الشباك بالفضة يشار إلى السلطان طاهر سيف الدين إذ أوصى أن تكون صناعته في الهند وتم نصبه سنة 1360 للهجرة.

الشباك الأخير

طرأ الكثير من المتغيرات في الأسس الخاصة بنمط الضريح، فمن يدخل قبة الإمام الحسين ستنهال عليه الأضواء البراقة التي تعكس جمال القبة من نقوش وزخارف ورسوم لآيات قرآنية، بينما تسقط العين على آخر ما تم نصبه من الشبابيك التي تم تشييدها وإنجازها مؤخراً ليرى كيف اشتغلت عليه هندسة الضريح من فن الأساليب الحديثة والنظم المعمارية، وكان ذلك بفضل جهود مهندسين أكفاء، من بينهم عبد الحميد توكلي، الذي اشرف عليه بينما تولى مهمة تصميم ذلك الشباك الفنان المهندس محمود فرشجيان. لهذا نرى توسعاً ضمن مواصفات الضريح الطاهر إذ بلغت مساحة التصميم 33،86 متر مربع بأبعاد 7،34 ×5،04 وبارتفاع يصل إلى 4،49 تعزز كل ذلك بما يحيط الضريح من الخشب الصاج المستورد من غابات (بورما ). ويقال أن مجموع وزن الخشب وصل إلى 5350 كيلو غراماً، أما النقوش والصياغات البنائية التي عمل عليها المهندسون والفنانون فكانت بإشراف مصطفى خدادا دزاده وهو من أكفأ أساتذة الخط في مدينة أصفهان. واللافت في هذه المتغيرات البنائية للشباك الأخير أن سُمك الورقة الذهبية والفضية في الضريح بلغت من 3.إلى4 مليمترات وبلغ الوزن الإجمالي للذهب لوحده 118،650 كيلوغرام مع التأكيد على التنوع بأن يضم الضريح المقدس نقوشاً نحاسية مع عنصري الذهب والفضة، وأضيفت مع كل هذه القطع الثمينة مبتكرات لإضاءة عاكسة آخذين بنظر الاعتبار حساسية شدة الضوء ومتغيرات الألوان. وكانت لشركة (اندود) المهارة المعلنة أمام الجميع في تنفيذ هذا المشروع لتعمل على تذهيب كل تلك الصفحات النحاسية والبرونزية والفضية التي نقف عندها ونحن مشدودين لجمال تلك التزيينات الملونة والبراقة.

 

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.