«بشير»المحررة تنهض من الخراب

185

نرمين المفتي/

بيت كان هنا لغاية منتصف حزيران 2014 ،بيت ضم أحلاما، حبا، ضحكات وذكريات وثوبا أسود ارتدته عروس شابة منذ حزيران 1981 بعد أن يئست من انتظار حبيبها الذي اعتقله النظام السابق مع عشرات غيره من شباب ورجال قرية بشير التركمانية، و لم يعرف مصيرهم.. بثوب أسود تكفلت بتربية ابن لم ير أباه..

الجريمة لمرتين

بيت كان هنا وأصبح ركاما لمرتين مرة حين هدم النظام السابق القصبة تماما بعد تهجير أهلها وترحيلهم في 1984 ومرة ثانية حين احتلتها داعش في 2014 وكان الركام الذي صورته يشير الى ستارة غرفة نوم تحتفظ بأول همسة.. غرفة كبيرة تركتها صاحبة الثوب الأسود لوحيدها العريس وقدر تعب من ثقل الهواء والطباخ مقلوب بفعل الانفجارات قربه شماعة لم تعد تجد الملابس، انما أصبحت منذ حزيران 2014 شماعة للغبار.. وسجادة صلاة حاولت أن تخبئ آخر سجدة وآخر دعاء.

بيت كان هنا سيعود ذلك الذي اختفى قسرا في 1981 سيبحث، ولن يجد غير دمار، ويعود معتقدا أنه أخطأ في العنوان قصة هذا البيت في قصبة بشير التركمانية – كركوك التي تحررت في 1 ايار 2016

 بشير- الجنة

تغنى بقصبة بشير العديد من الشعراء التركمان ومطربيهم، خاصة بعد أن أصبحت أثرا بعد عين. اذ تعرضت الى ترحيل قسري ممنهج منذ منصف 1981 لغاية هدمها تماما في 1986. الشاعر صادق بشيرلي الذي لجأ الى خارج العراق في 1984بعد اعتقال والده  ( 70 سنة ) والذي قيل أنه توفي في السجن ولم يجدوا له جثمانا أبدا، قال فيها وهو في الغربة:

Beşir’in çölleri  cennet tek oldu  /  Ne fayda ama ben elsiz- yuvasız

(حتى اليباب في بشير جنة / ما الفائدة وأنا بلا مدينة – بيت)

واستمر بشيرلي يحلم بمدينته وبقصص جدته عن البطل التركماني ( اي تولدو ) في اسطورة (ده ده قو قورت) والتي تعد واحدة من أقدم أساطير العرق التركي القديمة التي تناقلت شفاهيا ودونت في القرن الخامس عشر والتي احتفلت بها اليونسكو وتأكيدها بأنهم أحفاد ذلك البطل. وكي يبقى قريبا من بشيره، بحث بشيرلي عن تأريخ تركمان بشير ووجده في كتاب ( تاريخ و لهجة هاي ترك) للباحث التركولوجي المعروف (د. جواد هيئت- من تبريز- تركمان ايران ) و الذي أكد فيه أنهم وتركمان القرى الواقعة حول كركوك و في ضواحيها قدموا من قديم الزمان من زنجار و تبريز ويتمثل دليله بوجود عشائر اسمائها حسب مناطق آذرية مثل عشيرتي (المراغيين) و (حسين اغائي ).

بشير- التأريخ

لخصوبة أراضيها وموقعها الجغرافي، تؤكد الوثائق التأريخية  أن بشير كانت تجمعا سكانيا خاصة في الفترة العباسية بدليل مزار (امام علي- كما ينطقها التركمان ) ويعود لـ ( علي الاشقر )، أحد أبناء جعفر شقيق الامام الهادي ( ع ).  وورد اسمها  قديما  في الكشوف التي ترجع إلى القرن السادس عشر،  ففي سجل العقار المنظم عام 1548م كانت في بشير 89 منزلا و كما يمكن العثور على اسم بشير في رحلات ياقوت الحموي وفي الأحداث التي وقعت في عهد نادر شاه عندما هاجم الشاه كركوك و اتجه بعدها بجيوشه وهاجم قرية بشير.
و في  بشير مزار (إمام صوفي) ويعود ليحيى الصوفي الذي كان من الزهاد المتصوفين و( إمام رضا ) الذي فجره الارهابيون قبل احتلال القصبة بسنوات وهو قبر الشاعر الصوفي (رضوي) ويعود تأريخها الى الفترة الصفوية.

بشير- القضية

كان التركمان مستهدفين ابّان النظام السابق، وأن يكون التركماني شيعيا، فكان مستهدفا لمرتين، مرة بسبب انتمائه القومي وأخرى لانتمائه العقائدي. وبذرائع مختلفة، دمرت بشير تماما مع 1986 وانتهت قصبة كانت تحتفظ بطراز معماري متميز وبيوت برغم ضمها لأحدث الأجهزة الكهربائية إلا أنها بنيت من اللبن وتم توزيع اراضيها الخكسن الف دونم تقريبا واستنادا الى الشاعر صادق بشير الى عشائر لا تنتمي الى بشير وليست تركمانية بذريعة الحزام الأمني حول كركوك. وكانت بشير تضم حينها 550 بيتا.
و حمل د. حسن ايدينلي، ابن بشير والعالم الجيولوجي المعروف والمغترب في بلجيكا قضيتها في حقيبة لا تفارق يديه اينما حل، خاصة في البرلمان الأوروبي و لكن لضعف الاعلام التركماني بعد نيسان 2003 و تهميش قضايا التركمان لم تصبح قضية انسانية وأن كانت تستحق أن تكون.

بشير- الاعمار

يقول مدير ناحية تازة التي ترتبط بها بشير إداريا حسين علي أن 800 بيت من ضمن 1000 كانت موجودة في القصبة في حزيران 2014 دمرت تماما وكذلك دمرت جميع بناها التحتية ومدارسها وجوامعها وحسينياتها ومستشفاها. ووصل إليها ثاني يوم تحريرها د. طورهان المفتي ممثلا للسيد رئيس الوزراء واجتمع بمسؤولي كركوك والناحية للبدء بتنظيفها من العبوات الناسفة والبيوت المفخخة واعادة الخدمات الأساسية إليها.
بشير – الوحدة
في تحرير بشير شاركت قوة التركمان- اللواء 16 و فوج الحق التركماني والحشد الشعبي ولواء العباس وقوات البيشمركة. واختلطت دماء الشهداء العرب والكرد والتركمان معا، في خطوة تؤكد مدى ضرورة توحيد جهود الفصائل العراقية المسلحة في الدفاع عن العراق واعادة استقراره.

بشير- العودة

يقول صادق بشيرلي، « كما عدنا سواء من المدن التي رحلنا إليها النظام السابق او من منافينا بعد نيسان 2003 و بنينا بشير ثانية، سنعود هذه المرة أيضا و نبنيها. و بشيرلي الذي وجد بيته مدمرا تماما إلا أن عثوره على مكتبته تحت جدار منهار وديوان بخط يده مهيأ للطبع اسعده ومنحته الجوريات او بالتركماني (قونجا جول) التي ازهرت في حديقته المهملة أملا بعودة سريعة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.