الأرصفة تفتقد المشاة احالتها المحال والبسطيّات الى التقاعد

178

ذوالفقار يوسف /

لم يكن حجم المأساة التي اجتاحت البلد بعد أحداث 2003 والحروب المتعاقبة التي هدمت بنية العراق وشكله هي الأخيرة، بل اجتاحت ثقافة شعب في الحفاظ على هيئة بلدهم،فمن الركائز المهمة والضروريات هي المحافظة على ممتلكات الدولة التي تخدم أفرادها بطريقة حضارية تعكس صورة البلد وساكنيه، وأن تخريب هذه الممتلكات وعدم الحفاظ عليها هو تخريبٌ لمجتمع كامل.
إن إتلاف الممتلكات الخدمية بقصد ماهو إلا دليل على انحدار السلوك التربوي لدى الأفراد، وعدم احترام الأنظمة والقوانين التي تسنّها الدولة للحفاظ عليها والتي من أهمها خدمة الشعب، ما يؤدي الى تشويه المظهر الحضاري لهذه الدولة، ومن ضمن هذه الممتلكات: الرصيف.
أين المسير؟
في ظلّ الأوضاع الحالية التي باتت ترسم النور لشعب ارتدى ثوب الظلام منذ أيام ولادته حتى اليوم، بدأت الآن مشاريع لبناء دولة حضارية تعكس صورة بلاد الرافدين، إلا أن هناك العديد من العوائق التي تواجه هذه المشاريع المهمة. وكبلد مثقف وواعٍ لابد من الإقرار بأن المواطنين هم من ضمن هذه العوائق، فتصرفات البعض منا ولا مبالاتهم بالبلد وأملاكه، واستغلال ضعف السلطة، جعل البلد على رأس قائمة التصنيفات العالمية كبلدٍ فوضوي.
الحاج جبار القريشي، (76 عاماً)، كان أحد ضحايا المتجاوزين على أرصفة شوارع مدينته، فقد اعتاد الحاج جبار أن يتجول كل يوم على أرصفة المدينة، بسبب وضعه الصحي الذي يتطلب منه التجوال لمدة نصف ساعة كل يوم، إلا أنه فوجئ عندما رأى خط مسيره قد سدّ بحاجز، يقول الحاج جبار: “أتمتع كل يوم بالمسير في ساعات العصر، ولأن الطبيب قد نصحني بالمسير، فقد صار عندي كروتين يومي، إلا أن إحدى الأسواق التي افتتحت موخراً، كانت العائق في متعتي وعلاجي اليومي، فقد قام صاحب المحل بوضع صناديق المشروبات الغازية على طول الرصيف، غالقاً بها الطريق المخصصة للمسير، ولأنني رجل كبير في السنّ وأخاف النزول الى الشارع، فقد حكم عليّ بالعودة الى المنزل.”
وأضاف: “أن غياب دور البلدية وأمانة بغداد داخل شوارع المدينة، جعل الباعة من أصحاب المحال التجارية يتفنون باستغلال الأرصفة لصالحهم، فمنهم من يقتطعها بواسطة صناديق، وآخرون قد زادوا من مساحات محالهم بالبناء فوق الرصيف، لا نريد من الجهات المعنية بالأمر غير الالتفات لهذا الأمر، ولأنني كنت قد سافرت الى عدة دول، لكني لم أرَ أحداً يتجاوز على الرصيف لكونه الجزء الآمن في الشوارع. لهذا فإن البلدية كطرف مؤتمن من الحكومة لابد أن تحارب هذه السلوكيات الخاطئة من قبل البعض، وتضع العقوبات الصارمة بحق المتجاوزين، وتنتج برامج التوعية بهذا الجانب المهم، الذي يتيح لأفراده التعامل مع أملاك الدولة بشكل حضاري، وبالتالي الظهور بشكل لائق أمام من يزور البلد.”
غرامات ولكن؟
يوضح لنا مدير العلاقات والإعلام في الأمانة، الأستاذ حكيم عبد الزهرة، “بأن المسؤولية التي تقع على عاتق الأمانة، هي الحفاظ على شكل وهيئة العاصمة بغداد، حيث تقوم بتوجيه الإنذارات للمتجاوزين على الأرصفة من أصحاب المحال التجارية والبيوت السكنية، إذ تقوم البلدية بفرض الغرامات باعتبار أن الأرصفة قد وجدت لحركة المواطنين، وأن استغلالهم للرصيف بهذا الشكل يضايق المواطن.”
وأضاف “بأن هناك أجوراً تفرض على من يستغل مساحة من الرصيف، وهو ملزم بدفع هذه المستحقات للدولة، ولكن بشرط أن لايكون استغلالها بشكل خاطئ، يؤذي فيه المارة من المواطنين، إذ أن بعض الأرصفة تكون ضيقة جداً، وبهذا نقوم بحمايتها من المتجاوزين بفرض مثل هكذا غرامات، بسبب أن برامج التوعية معدومة، وثقافة الحفاظ على أملاك الدولة قد غابت من بعض المواطنين الذين بات همّهم فقط تخريب شكل وهيئة العاصمة بأبشع الصور، ومن مسؤوليتنا أن نردع هؤلاء بفرض قيود وغرامات كهذه.”
سمك سمك!
تستمر الدولة بصرف ملايين الدنانير لإنشاء المرافق العامة والخدمات وأماكن التنزه والترفيه فضلاً عن تبليط الشوارع والأرصفة، إلا أن ما يؤسف له ليس المبالغ المصروفة، إنما عدم تمتع الشعب بهذه الخدمات، والأسوأ من ذلك هو تخريبها بواسطة المواطن نفسه، فمن الاستهتار والجهل والتخريب وإهمال ورمي المخلّفات على الأرصفة وتشويه جدران المباني بالكتابات العشوائية لهذه المرافق، إذ أن عدم تفعيل الأنظمة التي تجرّم تصرفات كهذه تجعلها غير موجودة بالأساس.
الأستاذ منجد محمد، (43 عاماً)، أحد مدرسي مادة الكيمياء، يحدثنا بحسرة عن ما يعانيه كل يوم حيث يقول: “يمتزج شرحي لمادة الكيمياء كل يوم مع صياح أحد باعة السمك، من الذين استغلوا الرصيف المقابل للمدرسة التي أعمل فيها، إذ تنتشر رائحة السمك الى داخل المدرسة، ما جعلني أخرج في أحد الأيام لأخبره بأن هناك سوقاً مخصصة للباعة يستطيع أن يمارس عمله فيها، وأن الرصيف ملك للشعب لا لأحد أفراده، وأن استغلاله له بهذه الطريقة غير الحضارية كمكان لمسير الطلبة هو مخالف للقانون، إلا أنه أجابني باستهزاء: “على يادولة تحجي”، وقد انسكب الماء الممزوج برائحة السمك على طول الرصيف، محولاً إياه الى بركة من المياة الآسنة المملوءة بالأمراض والأوبئة، التي قد تصيب الطلبة.”
يوضح لنا الأستاذ منجد بأن غياب المراقبة المستمرة او متابعة هذه الأماكن جعل هذه الفئة المريضة من المخربين يمتهنون تخريب المرافق العامة، ويجب على الدولة محاسبتهم، والضرب على أيديهم ليكونوا عبرة لغيرهم، لأن هذه الأماكن هي ملك للجميع، إذ أن هناك العديد من الحلول التي تستطيع الدولة من خلالها التخلص من هذه الآفة، كنصب كاميرات مراقبة، او تكليف مراقبين ميدانيين لمراقبة هذه الأماكن المهمة.
“كراج”.. أم رصيف؟!
هذا ماردده محمد ناصر(45عاماً) صاحب أحد محال بيع أجهزة النقال إذ يقول: “لقد حاولت أكثر من مرة منع أحد الأشخاص، أن لا يوقف السيارات على الرصيف المقابل للمحل الذي أعمل فيه، لكونه رصيف مشاة، ومن ثم فإنه يجعل الزبائن غير قادرين على رؤية ما أبيع، إلا أنه هدّدني بانتمائه لأحد الأحزاب، وهو يستوفي مبالغ مالية من جعله الرصيف ساحة لوقف ومبيت السيارات، وقد أغلقه تماماً بوجه المارّة، ما جعلهم بنزلون الى الشارع.”
لقد نصت الشرائع والقوانين على وجوب احترام ملكية الدولة والمحافظة عليها وعدم استغلالها بالتجاوز عليها بأية طريقة كانت، دون سند من القانون يثبت أحقية المتملك لتلك المرافق العامة، فقد أجازت بعض الجهات غير المرتبطة بالحكومة العديد من الأرصفة، وقامت بتوزيعها وبيعها بسندات مزيفة، ما يوجب الالتفات الى هذا الموضوع بشكل جدي من قبل الدولة التي هي المعني الأول بإنهاء نهب ملكية الدولة والشعب، كما يجب عليها توجيه المواطن الى عدم أحقية هذه الجهات وعدم التعامل معها تحت أية ظروف، لأن هذه السلوكيات تدخل ضمن وصف (الغصب) لأملاك الدولة، وأن الاحتيال بهذه الطريقة يجعل الغاصب والمتعاون معه متهمين تحت أنظار الدولة.
شوارع بلا أرصفة!
بعد أن أعلنت أمانة بغداد أن العديد من المواطنين لم يلتزموا بالضوابط التي من أهمها إنهاء التجاوزات، الأمر الذي دعا المرجعية الدينية المتمثلة بسماحة السيد علي السيستاني، الى عدم التجاوز على الأرصفة والشوارع العامة، فقد طالبت المواطنين وأصحاب المحال التجارية بعدم استغلال الأرصفة لعرض بضائعهم، ومنع أصحاب البسطيات والجنابر من استغلالها، حيث أوضحت المرجعية عبر دعوتها بأن هذه التجاوزات وعدم الترخيص لها تعد مخالفة للقانون وضوابطه.
وعلى الرغم من الدعوات المتكررة للمواطنين بعدم تخريب واستغلال هذه الممتلكات، إلا أن هناك من استغلها بشكل آخر. ضياء الكاظم(55 عاماً) يحدثنا بألم مواطن قد خربت شوارع مدينته وأضحت بلا رصيف ويقول: “لقد كانت الأزمات وغياب الأمن من أوائل أسباب وجود ظاهرة التجاوز على الأرصفة من قبل المواطنين، إذ أن هناك من دمج مساحة بيته مع الرصيف، جاعلاً منه كراجاً لسيارته، او حتى لبناء حديقة او مرافق صحية خارجية، محولاً إياها الى عوائق لحركة السابلة ومن ثم اضطرارهم للنزول الى الشارع وتعرضهم لحوادث الدهس، حتى أنني خصصت لأحفادي سيارات تقلّهم من البيت الى المدرسة لخوفي عليهم بسبب عدم وجود الأرصفة.”
مضيفاً: “أن تشويه منظر وجمالية الشوارع والأرصفة هو جزء من مخلفات هذه التجاوزات التي باتت تخرب كل ماهو جميل في البلد، وأن الرصيف الذي لا تتجاوز مساحته الـ15 متراً اختفى تماماً، فمنهم من أقام سياجاً من الألمنيوم ليضمه الى داره، ومنهم من جعله حديقة جميلة متناسياً بأنها أرض مغتصبة ولايجوز استغلالها بأية طريقة.”

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.