الكتل الكونكريتية.. وداعاً

253

بشير الاعرجي /

بضعة أشهر، هي الفارق الزمني بين وجه بغداد الحالي والسابق، إذ كانت الكتل الكونكريتية الرمادية تخفي وراءها الوجه الجميل لبغداد، ببناياتها وشوارعها التي إختبأت حفاظاً على وجودها من فوضى الارهاب ودماره لسنوات مضت. كتل كونكريتية بلغ عددها نحو مليونين ونصف المليون قطعة، اثقلت ظهر العاصمة، لكنها اليوم بدأت تتناقص شيئا فشيئا لتشرق الشمس على قامات بنايات بغداد، ويعكس ضوؤها عهداً جديداً بنكهة الاستقرار الامني وهزيمة الارهاب، ليقول البغداديون لتلك الكتل: وداعاً لا نريد عودتك.

عودة الجمال

من يتجوّل في بغداد اليوم، يرى البنايات الرسمية لمؤسسات الدولة قد عادت الى المشهد اليومي بجمال منظرها، وكانت قبل سنوات تحتمي خلف القطع الكونكريتية العالية، حتى باتت الشوارع المحيطة بتلك البنايات اشبه ما تكون بممرات مختنقة توحي بوجود الخطر في كل مكان، على الرغم من ان الكثير من تلك الجدران قد غطتها الالوان والصور التي حاول البعض تزيينها، لكنها بقيت كما هي.. قطع كونكريتية صمّاء ملأت المكان بتلوث بصري قاتم، مثّل حالة استثنائية مرّت بها العاصمة منذ أن بدأ الارهاب يضرب بانتحارييه ومركباته المفخخة كل ما له صلة بحياة العراقيين. نقطة مهمة في كل يوم، تطالعنا الاخبار بفتح شارع مغلق منذ عشر سنوات، واخبار اخرى تشير الى رفع الكتل الكونكريتية من امام وزارة او مؤسسة حكومية، وتمر تلك الاخبار مرور الكرام على اسماع العراقيين، غير انها في الحقيقة، نقطة مهمة يجب التوقف عندها، لانها تمثل وضعاً ايجابياً مهماً ينعكس على الحالة النفسية لسكان العاصمة من ناحية التأكيد على الاستقرار الامني من جهة، وتحديا للارهاب من جهة اخرى، فما كان يخشى منه العراقيون قد ولّى، واصبحت عاصمتهم آمنة تبتسم جدران بناياتها للمارة دون الحاجة الى حاجب للرؤية، حتى آخر قطعة.. امانة بغداد اكدت لـ”الشبكة العراقية” اتخاذ الحكومة قرارها برفع الكتل الكونكريتية من امام مؤسسات الدولة وفتح الشوارع كافة. وقال المتحدث باسم الامانة حكيم عبد الزهرة ان “الرفع سيكون تدريجيا وبالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد، ورفع الكتل مستمر حتى آخر قطعة كونكريتية في العاصمة”. واضاف عبد الزهرة “لم تكن هناك مصاعب في رفع الصبات، بل على العكس نرى ارتياحا من قبل البغداديين مع مغادرة كل قطعة كونكريتية من امام الاسواق والبنايات والشوارع، نعم هي ساهمت في تدعيم الامن لكنها اغلقت الشوارع وتسببت بازعاج للمواطنين، وهذا الحال سيتغير تدريجياً”.

عمل بصمت

ويبدو ان الخطة بالرفع التدريجي للكتل الكونكريتية أتت ثمارها، فلم تشهد العاصمة اغلاقا للشوارع بسبب اعمال الرفع، ولم تتسبب الاليات الضخمة التي تنقل تلك القطع بمزاحمة المركبات او المارة، بل جرى العمل بصمت تحدى صمت قطع الكونكريت التي تعايشت مع البغداديين دون حراك لنحو عقد ونصف حتى اصبحت بعض الجدران الخرسانية نقاطاً يستدّل بها التائهون وجزءاً من تاريخ صعب لا يحب العراقيون استذكار ايامه، فقد كانت العديد من مناطق العاصمة تقبع خلف جدران كونكريتية احاطتها من اتجاهاتها الاربعة، ووصف رفعها رئيس اركان قيادة عمليات بغداد اللواء الركن حامد جار الله خلال اعلانه فتح 1000 شارع خلال سنتين “كأنما نرفعها عن صدر المواطن، حيث ستخفف عليه وستفتح الشوارع”. لكن اين ستذهب كل هذه القطع الكونكريتة بعد رفعها بالكامل ومن سيستفيد منها؟

2.5 مليون قطعة كونكريت

الخبير في الشؤون العسكرية والامنية اللواء الركن عبد الكريم خلف تحدث لـ”الشبكة العراقية” عن وجهة تلك الكتل الكونكريتية وبهذه الاعداد الضخمة، وقال “كانت هناك 85 الف صبة، وازداد عددها 30 ضعفا ليصل الى نحو مليونين ونصف المليون كتلة كونكريتية بعرض متر وارتفاعات تصل الى ثلاثة امتار، وستتوجه نحو إكمال طوق بغداد الامني الذي بدأ العمل به منذ مدة ليست بالقصيرة”.

واضاف “هذه الكتل ستتم الاستفادة منها بشكل دائم، لانها تعمل على تحسين الوضع الامني وخصوصا على اطراف العاصمة التي سيكون لها 18 منفذاً مؤمناً من باقي المحافظات لتساهم باستتباب الامن في العاصمة”.

الرحلة من المهد..

بدأ اهالي العاصمة يشاهدون عمليات نصب القطع الكونكريتية على الطرقات العامة وحتى الفرعية وامام مؤسسات الدولة بعد نحو سنتين من تغيير النظام المباد، وتحديدا مع بدء العمليات الارهابية وما تلاها من عنف في بعض مناطق بغداد، وكانت تلك الكتل غريبة عن انظار العراقيين لكنها بدأت بالتناسل شيئا فشيئا حتى اصبحت جزءا من الروتين اليومي للمواطنين وضيقت عليهم الخناق. اللواء الركن عبد الكريم خلف تحدث بأن “عدد القوات الامنية في ذلك الوقت قليل جدا، وتمت الاستعاضة عن ذلك النقص بقرار امني وحسابات هندسية بوضع الكتل الكونكريتية لمنع تبادل اطلاق النار والتماس بين بعض المناطق الساخنة”، واضاف مستذكرا الدور المهم لتلك الصبات” لقد نجحت في ذلك”. وتابع بالقول “لا توجد الآن مناطق يتخللها النزاع او اطلاق النار المتبادل، اضافة الى ان عدد القوات الامنية كبير جدا وتم تفعيل الجهد الاستخباري، ناهيك عن ان وجود تلك الكتل الكونكريتية ستعمل على مضايقة المواطنين في حياتهم اليومية، لذا جاء قرار رفع الكتل عن الشوارع ومن امام البنايات الرسمية”.

واشار الخبير الامني الى ان “عصابات داعش لم تنتهِ بشكل كامل، لكن ما يمنع العمليات الارهابية ليس الصبات فحسب، انما الاستخبارات والمعلومات الامنية الاستباقية، وهو ما نلمسه اليوم على ارض الواقع”.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.