المُسِنّ العراقي في طابورَيْ الإهمال والنسيان

79

صفا هشام /

تنمو المجتمعات نمواً صحياً حينما تتوفر لها الظروف الاقتصادية والاجتماعية المناسبة، في بيئة آمنة وجاذبة للمشاريع التنموية تستطيع أن تستوعب الموارد البشرية المتنامية باطراد، لكن الظروف السياسية والأمنية التي مر بها العراق ما زالت تلقي بظلالها على واقعه الاقتصادي والاجتماعي، كما أن للفساد والمحاصصة دوراً في تعميق المشكلات ذات الأبعاد الاجتماعية التي تقف في مقدمتها البطالة، ناهيك عن مشكلات أخرى كعمالة الأطفال وكبار السن الناجمتين عن التوزيع غير العادل للموارد وفرص العمل.
“مجلة الشبكة” فتحت هذا “الملف/الجرح النازف” في محاولة لعرضه أمام الراي العام وصنّاع القرار لوضع تصورات للحلول والمعالجات..
على الرغم من تقدم السن والشيخوخة لشريحة من المجتمع، لكن الضغوطات والأعباء الاقتصادية وتكاليف المعيشة الصعبة دفعت بالكثير من الشيوخ الى العمل في الطرقات او على الأرصفة باحثين عن لقمة العيش، إذ بات مشهد الكادحين في شوارع بغداد ومدن العراق المختلفة مألوفاً، وباتت نسبة العمالة لكبار السن في العراق هي الأكثر بين جميع البلدان العربية.
يرتفع عدد كبار السن في المنطقة العربية بصورة ثابتة، لكنهم بالمقابل يعانون تحديات كبيرة تتعلق بأسلوب حياتهم، خاصة بغياب أنظمة العمل الحديثة، وأنظمة الرعاية الاجتماعية للمسنين، ما جعلهم يمتهنون أعمالاً لا تليق بهم وأخرى تحتاج لمجهود كبير لا يناسب أعمارهم، وبالنتيجة أصبحوا منسيين.
مكلَّف
اقتضت الظروف أن يواجه المواطن العراقي تحديات صعبة منذ إقباله على الدنيا، فتعاقب الحروب والأزمات، صار عائقاً أمام عيشه حياة كريمة ومحترمة، مثل مواطني الدول الأخرى، ولم يكتف الزمن بذلك، فقد شملت هذه المأساة المسنّين منهم.
الحاج خالد أبو بنين (72 عاماً) حدثنا قائلاً: “بعد خدمتي في الجيش العراقي السابق لأكثر من 10 سنوات كمكلف، تخطيت شبابي في الثكنات منتظراً نهاية مدة التكليف الذي لم يفدني بأي شيء بعد ذلك، فلا راتب تقاعدياً ولا فرصة عمل في دوائر الدولة، ما جعلني أعمل في شراء وبيع المواد المستخدمة، حيث أقوم بإصلاح المعطل منها وبيعها بعد ذلك. وبالرغم من أن هذا العمل يتطلب جهداً كبيراً، وخصوصاً التجوال في الشوارع تحت حرارة الصيف اللاهبة، إلا أنني لم اجد بديلاً له بسبب تقدمي في السن، فأغلب أصحاب المحال يفضلون الشاب على المسن لقوة بدنه وتركيزه، وخشيتي من أنني لن استطيع المواصلة في الأيام المقبلة”.
بديل سيئ
يعاني كبار السن من مشكلة عدم التفريق بين بلوغ سن معينة من العمر وبين الشيخوخة, اذ قد يكون الشخص بلغ السن المحددة قانونياً للتقاعد لكنه مايزال باستطاعته العمل والاستفادة من خدماته.
سائق سيارة الأجرة أبو محمد، (62 عاماً)، يتجول في شوارع العاصمة بغداد بعجلته بعد أن كان يملك محلاً لبيع الأثاث المنزلية أكد قائلاً: “منذ 25عاماً وأنا أبيع الأثاث، إلا أن عملي تراجع في الآونة الأخيرة بسبب الحرب على العراق، وزيادة عدد محال بيع الأثاث فضلاً عن توفرها على مواقع الإنترنيت، ما جعلني أخسر محلي، ولم يكن أمامي منفذ آخر لأني مطالب بتوفير احتياجات عائلتي، إذ صار همي أن لا أكون من فئة الأشخاص غير المنتجين. الضرورة تقضي بإنصاف جميع شرائح المجتمع مهما كانت أعمارهم، إلا أن كل شيء في العراق صار بالمقلوب، إذ أصبح المقوَد بديلاً سيئاً لما أحب، وبالرغم من أن هذه الأعمال تحتاج الى طاقة كبيرة، لكني أمتهنها مجبراً لأعيش حياة كريمة، وكي لا أمد يدي لأحد مهما اقتضى الأمر”.
عجز!!
إن استقلال المسنّين، عند وصولهم الى عمر معين في حياتهم، بات من الأمور الصعبة التي تواجههم في حياتهم العلمية والعملية، أولها ضغوطات الحياة، ونظرة المجتمع إليهم كفئة ضعيفة محدودة الحركة، فضلاً عن الكثير من المشاكل النفسية الأخرى التي يكونون فيها اكثر عرضة من باقي الفئات العمرية.
ابو ليث (63 عاماً) يقول:”لم تنتهِ همومنا في البحث عن العمل فقط وانما أصبح المرض وتكاليف علاجه سبباً آخر يحتاج الى مورد خاص به، وعملي كـ (سمّاج) يحتاج الى من يمتلك قدرة وقوة أكثر مني وأنا في هذا العمر، فأنا مجبر على التحمل فوق طاقتي سواء أكان من بردٍ او حرّ، فالارتفاع في الحرارة أثناء شيّ السمك صيفاً يجعل معاناتي مضاعفة، اما في الشتاء فتكون برودة الماء هماً آخر يضاف الى همومي.. دعوتي الى الجهات المعنية أن تلتفت الى حالنا وأن تراعي ظروفنا، فنحن قبل ذلك شيوخ هذا البلد وآباؤه.
دموع
كآبة، ذكريات وحداد على شباب ضائع، هذا ما ردده صباغ الأحذية جبار أبو حيدر (66 عاماً)، يحدثنا بحسرة ثقلها الجبال وقد انهمرت الدموع بلا استئذان من عينيه فيقول: “بعد أن كنت صاحب أسواق صرت أتلقف أحذية المارّة بعينيّ، لعلي أحظى بالشخص الذي يريد صبغ حذائه مقابل مبلغ بسيط لا يكفي حتى لسد حاجتي وحاجة عائلتي المكوّنة من خمسة أفراد، اذ لا يوجد معيل آخر غيري”، موكداً أن “اغلب الحكومات في بقية الدول تراعي كبار السن، وتقوم بفتح ورش عمل لهم بعد سن معينة، وتستفيد من خبراتهم الطويلة التي اكتسبوها خلال سنيّ عملهم، إلا أن مسؤولينا همشوا دورنا وجعلونا عاجزين، نذرف دموع اليأس كل يوم، فهذه الأعمال رغم أنها مهن شريفة إلا أنني لم اعتَد مسح أحذية الآخرين، والأكثر من ذلك هي نظرة المجتمع وعائلتي وأقربائي لي، وأيضا مكانتي أمام كل من يعرفونني.”
حرفة مؤقتة
المعرفة والخبرة المتمثلة في فئة كبار السن في العراق، هي آخر هموم الحكومة، فمن التهميش الواضح الى الإقصاء الوظيفي بدعوى التقاعد، إذ صار المسن في العراق تحت خط الطلب للاستفادة من خبراته التي اكتسبها منذ سنين طويلة، فالمجتمع يتكون من فئات متعددةٍ لكلٍ منها دور فيه، والمسن واحد من هذه الفئات.
(الشغل مو عيب) هذا ما ردده الساعاتي محمد عبد الحسين (55 عاماً ، يقول: “رغم تعلقي بحرفتي لكنها تحتاج الى قوة في النظر التي باتت تتراجع مع مرور الأيام، لكن ليس هناك بديل لها لقلة فرص العمل، وإن أتيحت فرصة وظيفة مناسبة لعمري فإن المقابل مبلغٌ ماليٌ كبيرٌ لا استطيع دفعه او حتى جمعه وأنا أعمل بهذه الحرفة البسيطة التي لا تكفي أحياناً لسد حاجاتي وحاجات عائلتي اليومية”.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.