النّدافة في العراق.. حرفة باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة

135

ذوالفقار يوسف /

بالرغم من وجود مكائن حديثة لنفش القطن وتنعيمه، إلا أن أبا يوسف (70 عاماً) اختار ان يقتل الوقت وقلة الطلب على عمله، وان يسترجع ايام الحرفة لأصالتها، وان يقوم القوس والوتر بعملهما، كما كان الندافون الأوائل يزاولون هذه الحرفة الكلاسيكية التي يخشى عليها من الاندثار.

بدايات الحرفة

لاتوجد مصادر موثوقة عن بداية الندافة في العراق، فالبعض من مزاوليها اكتسبوا هذا الحرفة، إما عن طريق آبائهم وأجدادهم، او بتعلمها من مزاوليها آنذاك، إلا أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالموروث العراقي وحضارته، حسب قول ابي يوسف النداف الذي يزاول هذه المهنة منذ اكثر من اربعين عاماً، والذي يقع محله في بداية شارع حيفا، ومازال متأملاً أن تستمر هذه الحرفة، وان لا تمحوها المنافسات القوية من قبل المنتجات القطنية المستوردة في الأسواق العراقية حالياً، كما انمحت أقرانها من الحرف التقليدية في البلد.

مضيفاً بأن عدم ايجاد البديل هو ماجعله يستمر في هذه الحرفة بسبب الظروف التي تواجهها عاماً بعد عام، والأمل في عدم اندثارها هو مايحث بعض الندافين على مزاولتها.

جورجينا

لكل آلة طقوسها ومزاياها في بعث الأصوات الخارجة منها، وحسب متلقي هذه الأصوات المميزة يتكون الإبداع، فالفراهيدي استخرج قصيدته العظيمة “صوت صفير البلبل” عندما مرّ في سوق الصفارين، الذي تمتلئ اجواؤه بأصوات الطرق على الأواني النحاسية، لهذا فإن لحرفة للندافة نصيبها من هذا الإبداع، فعندما يقوم النداف بضرب القطن يستخرج ايقاعا منها، سمي بعد ذلك بايقاع الـ”جورجينا” ليكون نسقاً جميلاً من الأصوات المتعاقبة، وبهذا نعرف ان لكل حِرفة إبداعاً، وأن الندافة كسائر الحرف اعطت للحياة حقها في الإبداع.

الماكنة مقابل “الكوس”

الندف هو عملية شاقة جداً، فقد يصل الوقت لندف وترتيب وخياطة قطعة واحدة من المفروشات القطنية من ( 5-8) ساعات، اذا كان الأمر متقناً وبصورة محترفة، فآلية صنع المفروشات تبدأ من تقطيع القطن باليد وفصله عن بعضه. وبالرغم من صعوبة الأمر، إلا أنها في الستينات كانت اصعب، فقد كان على النداف ان يقوم بفصل القطن عن بذوره او كما يقال “حلجه”، والاستفادة من بذور القطن كعلف للحيوانات، ومن ثم تبدا عملية الندف. وبعد ان يتم فصل القطن تبدأ هنا عملية نفشه وتنعيمه بالضرب المستمر بواسطة اداة تسمى “الكوس” اي القوس، وهي عبارة عن عصا منحنية من خشب شجر الرمان او التكي، يبلغ طولها متراً ونصف المتر يتصل بها من الأعلى وتر يصنع من أحشاء الماعز واحياناً من أحشاء الخروف، يلتصق بها القطن اثناء الضرب، حيث تأتي بعد ذلك اداة مهمتها تمليس القطن وفصله عن الوتر تمسى “جك”، يضرب بها القوس، بعد ذلك يقوم النداف بمهمه تعبئة القطن الناعم داخل قماش كتان اسمر، ثم يقوم بخياطته من كلا طرفية، بعدها يكسو هذا القماش بقماش آخر حريري وناعم الملمس ملون ذي نقوش وكتابات حسب طلب المواطن يسمى “الوجه” مهمته تغطية قماش الكتان الاسمر، وهناك مهمه اخيرة وهي ترتيب الغرز، التي تبعد الواحدة عن الاخرى (20 سم) بحيث تتساوى جميع اطراف المفروشات وحتى لايتراكم القطن في جهه واحدة، ومن ثم وضع قطعة من الحديد لتثبيت القطن لتسويته من كل الجهات.

إلا أن التطور والحداثة قد استحوذا، بالإجبار، على هذه الحرفة، فكبديل للقوس اتت الماكنة المستوردة، التي مهمتها ندف القطن بأسرع طريقة وبأقل وقت ومجهود، ما جعل الندافين يستقبلون المستورد رغماً عن كرههم لما كان السبب في تعطيل عملهم، كاستيراد الاسفنج وغيره من المنتجات القطنية.

استدعاء الثقة

وعلى الرغم من وجود محال واماكن لعمل الندافين، إلا أن سياق العمل آنذاك كان عن طريق استدعائهم الى المنازل، لعمل وادامة المفروشات القديمة التي يجب إعادة تأهيلها، او عند وجود مناسبة كالزواج او الأعياد والمناسبات، حتى انه في بعض الأحيان قد يستمر النداف في منزل عملائه ليوم او يومين لإكمال العمل اذا كان مقيداً بوقت او مناسبة كالزواج، خصوصاً عند بدء موسم الشتاء.

أبويوسف النداف من أقدم الندافين في بغداد يحدثنا: إن موسم الشتاء هو موسم الندافين الذي يزدهر فيه عملنا، كعمل الأغطية”اللحف” والمفروشات والوسائد القطنية المتنوعة الشكل والحجم، إلا أن موسم الصيف والمناسبات الحزينة كشهر محرم الحرام الذي تنعدم فيه الأعراس، هو شهر ركود هذه الحرفة، وبالنسبة للأسعار فهي قد تختلف باختلاف الحجم والوزن والنوع وايضاً اضافة النقوش والكتابات هو عمل اضافي نقوم به، فنحن وإن كنا ندافين إلا أننا ايضاً نقاشون وخطاطون، وبالنسبة الى الاسعار فقد تصل الى (300 دولار) للفراش او (اللحاف) الواحد، وكل حسب عمله واتقانه، ففي بعض الاحيان قد يكون هناك نداف “طك عطية” يصنع المفروشات بمواد رديئة وعدم اتقان وامانه، ما يجعل سعر المفروشات ارخص من غيره من الندافين المحترفين، واذا اردت ان احدد الأسماء المتميزة في هذا الحرفة، وان لم تخنّي ذاكرتي فهم: سلمان سميجة في قضاء بلد و جبار ناصرية وحميد النجفي وايضاً النداف حجي حافظ في مدينة الكاظمية المقدسة، واعتذر اني لا اتذكر البعض منهم.

قاتل الحرف

تختلف اسعار المواد التي تصنع منها المفروشات حسب نوعها وكفاءتها، فقد يصل سعر القطن العراقي”اللوكة” الى (6) آلاف دينار عراقي واحيانا يصل الى (10) آلاف، وهذا سبب كاف يجعل مثل هذه الحرفة تندثر مع الأيام، هذا ما أوضحه لنا النداف ابو يوسف حيث قال بحسرة “ان الخام الأسمر، الذي لا نجده الا في محافظة واسط، قد يصل سعر اللفة الواحدة منه الى(25) ألف دينار، اما اذا التجأنا الى الخام المستورد من الدول المجاورة كايران وسوريا، فقد ترى بأن سعر المتر الواحد منه يباع بسعر(1000)دينار، إلا أن رداءته هي ماتجعلنا نبتغي الأفضل والأصلح للمواطن، فالصناعة المحلية ومنتوجاتها هي الأقوى والأجود نوعية، وايضاً الأفضل من ناحية نظافتها، وايضاً لاننسى ان العراق يخلو من مادة الكتان على الإطلاق، فاغلب الكتان الموجود في الاسواق هو كتان سوري رديء، وحتى الإبر والخيوط التي نستخدمها لم تصنع في هذا البلد، انما صنعت في الهند واندونيسيا، لهذا فإن جميع الأدوات ومستلزمات هذه الحرفة مستوردة من خارج البلد، وفي نهاية الأمر اصبح المستورد هو القاتل الاول للحرف اليدوية، وذلك ماجعلنا شعباً مستهلكاً يخلو من موارده الطبيعية وصناعاته المحلية.

السلّ او الذهب

يرافق الخوض في هذه الحرفة العديد من المشاكل والأزمات، فمن ازمة الأسعار الى ازمة المستورد، وصولاً الى موسم الصيف الطويل في البلد، إلا أن هناك أموراً أخرى قد تشغل النداف عن مواصلة عمله بحرية وراحة تامة. من هذا المنطلق يحدثنا ابو يوسف حيث يقول: لابد لك وان ترى احد الندافين وهو يرتدي الكمامات او قماشاً رطباً يغطي به انفه وفمه، فما كان سبب ذلك إلا لأنه يخاف من مرض”السل” -التدرن الرئوي-، الذي اصاب الكثير من الندافين قبل ذلك، واودى بهم الى الهلاك. وايضا لا ننسى الأمراض الجلدية التي تنقلها المفروشات القديمة الواجب تأهيلها واعادة صناعتها. وبالرغم من اهوال هذه الحرفة إلا أنها لاتخلو احياناً من المواقف الطريفة، فعندما يأتينا احدهم بفراش قديم او وسائد بغية اعادة صناعتها، إلا أني افاجأ عند فتحها واخراج محتواها بمصوغات ذهبية أوفضية، واحيانا اجد بعض الأموال، او بعض الأدعية، ما يدعوني للضحك حيث اتذكر ان هذا المكان هو مكان جدتي المفضل لإخفاء اموالها، إلا أن مايخيفني في بعض الأحيان هو وجود طلاسم وكتابات غايتها السحر، وحتى اؤدي الأمانه التي اعمل بها، اقوم بعد اكمالي العمل باعادة كل شيء الى مكانه، مهما كان ثميناً وغالياً.

في الختام مالنا إلا ان نقول ان هذه الحرف هي موروثنا العراقي ويجب المحافظة عليه، وان الصناعات اليدوية المحلية لابديل لها، وكلي امل بأن لا تكون لها نهاية في هذا البلد.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.