تجربةٌ عراقيةٌ رائدة في صناعةِ الأجهزةِ المختبريةِ والعلميةِ للمدارس

165

بغداد/ علي غني /

منذ سنوات الحصار في تسعينات القرن الماضي، غابت عن المدرسة العراقية التجارب العلمية في المنهج المدرسي المقرر للمواد العلمية في المرحلة الثانوية (الفيزياء والكيمياء والأحياء)، وهذا الغياب اقترن بغلق أغلب المختبرات في المدارس بحجة عدم توفر الأرصدة المالية، لأن التجارب في المنهج المقرر تحتاج الى مواد لإجرائها، لكن فكرة بسيطة اعتمدتها الورشة الإنتاجية في تربية الكرخ الثانية، أرجعت الروح الى الواقع العملي،

فقد تمكنت هذه الورشة من إنتاج آلاف الأجهزة المختبرية والعلمية الموجودة في المنهج الدراسي من مواد متوفرة في الأسواق المحلية.
الصفُّ مختبرٌ متنقل..
يقول الطالب أحمد علي من إعدادية ذو الفقار العلمية: فوجئت وأنا أشاهد بنفسي الدائرة الكهربائية بمعناها البسيط، فقد اعتدنا في سنوات الدراسة الماضية أن يقوم المدرس برسمها على السبورة فقط ويؤشر على الأجزاء، أما الآن فقد تحول الرسم الى جهاز نراه رأي العين في تجربة لا تُنسى ابداً، وهذا الأمر جعلني أفكر في كيفية صنع هذه الدائرة بنفسي في البيت.
يسانده زميله هشام في المدرسة ذاتها ويضيف: كنا سابقاً لا نطيق درس الفيزياء، وكنا نتمنى أن يغيب المدرس أو يتمتع بإجازة، لكن عندما أضيفت التجارب العملية التي وزعتها المديرية على المدارس ونحن في أشد الشوق لحضور الدرس، لأن هذه الأجهزة المصنّعة جعلتنا ننتبه الى الدروس العلمية.
وأوضحت مدرِّسة الفيزياء حلا سعد من إعدادية المعرفة للبنات: بفضل الأجهزة التي تمت صناعتها في المديرية تحول الدرس الى نقاش علمي دائم وأسئلة فكرية مفيدة ومختبر متنقل، وأجزم أن الوقت أصبح يمضي سريعاً في الدرس بعد أن كان كالسلحفاة، وأن مدرس الفيزياء صار محبوباً بفضل هذه الأجهزة البسيطة التي صنعت بأيدٍ ماهرة من مدرسين مبدعين كرّسوا جلَّ وقتهم لإغناء عقل الطالب، واعترف أن الأمور اذا تطورت في هذه الأجهزة فسيكون هناك تحول جديد في المدرسة العراقية.
في حين عبرت مدرِّسة الأحياء زاهدة خلف في إعدادية الأصيل للبنات عن إعجابها بصناعة مخطط الوراثة وعدّته تطوراً نوعياً في فهم المادة، فالمجسَّم بيَّن كل الخفايا التي يمكن للطلبة أن يعرفوا التوقعات التي ستحدث للأجناس وماذا يمكن أن تكون، إنه عمل رائع أن تلمس الشيء بعد أن كان في عالم الغيب.
وأضافت مدرسة الكيمياء أفراح حسن من متوسطة الجزيرة: إن مجسّم الذرات يبين الإلكترونات التي يمكن أن تشترك بالتفاعل بعد أن كان الطالب يلاقي صعوبات عديدة في معرفة ما الأقرب الى النواة .
براءة اختراع لمدرِّس في ورشة!
وبينت ولاء طه، عضو فريق العمل الذي يضم أيضاً كلاً من المدرسين خلود لفتة والدكتور رعد البيضاني وجمال عبود ومشتاق علاء وفؤاد عبد الله وزينب حمادي وأحلام صادق ووسن طالب والأستاذ تحسين والمتطوع للعمل المجاني في الورشة الشاب خريج قسم الحاسبات رائد صباح، أن العمل بروح الفريق الواحد قادنا الى اكتشافات علمية مذهلة ليس فقط على مستوى المنهج المقرر في الثانوية وإنما تعدى هذا الأمر الى أجهزة أسهمت في تطورات نوعية في العملية التربوية منها جهاز كشف الغش الإلكتروني الذي حاز به أحد أفراد الورشة، وهو المدرس ولاء طه، على براءة اختراع، والجرس الإلكتروني وهناك أمور ستعلن في حينها.
وقال د.رعد البيضاني: لولا الروتين الذي يعرقل بعض الأمور لكان الأمر مختلفاً، لأننا نحتاج الى توسيع الصلاحيات للورشة التي أصبحت محطّ أنظار الجميع في العراق، ولاسيما على صعيد المديريات العامة للتربية في المحافظات، ونالت إعجاب جميع المسؤولين وفي المقدمة وزارة التربية، والمديرين العامين للتربية، وثمة إجماع على أن الورشة تستحق هذا الإعجاب لأنها حوّلت الخيال الى واقع ملموس في الدراسة.
جهود ذاتية في صناعة الأجهزة
وأشارت رئيسة الورشة المشرفة نوال ناجي الى: أننا نحتاج الى الاطلاع على تجارب العالم، وهذا الأمر غير متوفر لنا، فمازلنا نعتمد على جهودنا الذاتية في التفكير والصناعة، نحن نطالب بحق مشروع وهو أن ننقل الى العراق التجارب الناجحة لاختصار الزمن وتطوير المدرسة العراقية بحرص ودقة، ولا نريد أن يتخلف الطالب العراقي عن العلم وهو الذكى بين أقرانه، وتلك حقيقة لا يدركها إلا الذين سافروا إلى الخارج فالكثير من المناصب العلمية يديرها علماء ومبدعون عراقيون.
إنجازات رغم السرطان!
حرصت رئيسة الورشة، وهي تدير غرفة الذكاء (نطلق عليها غرفة العمليات التي لا تتعدى الأمتار)، على أن تبين لنا عمل الورشة الدقيق، وهي تقوم بتسلسل الإنجازات المتحققة وتوثيقها والعمل على تطويرها بالشكل النهائي، ولم يمنعها مرضها الذي يوصف بأنه الأخطر في العالم (السرطان) وهي تعالجه، عند كل خطوة تخطوها الورشة لتقديم الجديد للطلبة، تقول: إننا نؤسس الى أن تكون الورشة هي الأولى في كل شيء، وأهم الاشياء أن تأتي بجديد الى أبناء الوطن، فأنا سعيدة بإنجازات فريق العمل الذي يتفوق على نفسه في أحايين كثيرة، عددهم ثلاثة عشر فرداً لكنهم يعادلون الأضعاف في العمل الإبداعي.
تزويد مدارس العراق بالأجهزة
كشف المدير العام لتربية الكرخ الثانية الدكتور قيس الكلابي أنه يفكر بتزويد مدارس العراق كلها بالأجهزة العلمية المختبرية، فالورشة استطاعت أن تنتج أكثر من ألفي جهاز يمكن أن تستفيد منها مئات المدارس التي كانت مختبراتها خاوية تلعب فيها الجرذان .
وأضاف الكلابي: عندما افتتحت المعرض الدائم للورشة كنت في غاية السعادة لأننا المديرية الوحيدة في العراق التي تمتلك مثل هذه الورشة التي تسهم في توضيح الصعب في المناهج، ولاسيما الفيزياء، بل وجدت أعضاء الورشة يتسابقون في عرض الجديد، ولن تغيب عن ذاكرتي دموع المشرفين في إحدى المحافظات وهم يزورون ورشتنا لما كانوا يفتقدونه في مديريتهم ولأجل هذه الدموع العزيزة أهدينا لهم نماذج من كل الأجهزة التي تم تصنيعها في الورشة.
وأفاد: سأكون الجندي المجهول الذي يسهم في تطوير الورشة حتى لو تطلب الأمر أن أضع كل إمكانيتي الشخصية في خدمة هؤلاء العلماء الذين هم برتبة مدرسين، ولا شك مطلقاً أن الورشة هي بيت من بيوت العلم .
نوفر ملايين الدولارات
خصصت الوزارة مبلغ 15 مليون دينار لإنشاء ورشة علمية لإنتاج الأجهزة العلمية بعد نجاح الورشة الإنتاجية في تربية الكرخ الثانية بتزويد المدارس بما تحتاجه من هذه الأجهزة، وبهذا الإنجاز تكون الورشة هي نواة لورش إنتاجية في كل مديرية عامة للتربية في بغداد والمحافظات، ونأمل أن تعطينا الوزارة صلاحيات في بيع الأجهزة للمدارس الأهلية أو حتى مدارس المحافظات بدلاً من الاستيراد من الخارج أو التعاقد مع شركات أجنبية تصنع مثل هذه الأجهزة التي تكلف الدولة ملايين الدولارات.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.