العيش جوار البحر

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2017 - 9:20 صباحًا
2017 02 16
2017 02 16
العيش جوار البحر

طالب عبد العزيز/

كلما ضاقت المدينة بي اخذت طريقي إلى البحر، كلما وجدت المركبة سالكة بأحدهم حملت أوصالي معه إلى هناك، إلى حيث لا تتشابهة السفن ولا تتمزق الأشرعة، عند مرسى سفن الصيد في الفاو، جنوبي البصرة، أجد ضالتي، وهي كفاف روحي: سماءً صافية وموجاً مالحاً وسمكاً مختلف الأشكال والطعوم.

لأن الحرب لم تترك لهم نخلاً هناك، لم تترك عنبا أو حناء، ولأن الماء المالح بلغ بأسياخه بلعوم المدينة، فقد هجر السكان الزراعة، وتوجهوا نحو البحر، آخر بغية للعيش، دخلوه بسفن هي بقايا خردة الحرب، أشتغلها حدادون في صناعية حمدان، وحمل الميكانيكيون لها محركات الدبابات المحترقة وسيروها على الموج الدافئ القريب، وهكذا صار بحكم اليقين، أن هؤلاء البحارة هم عماد سلة السمك في المدينة بملايينها الذين قاربوا الثلاثة، ولولاهم لفتك فقر الدم الوراثي والبحري بأبنائها، لولا هؤلاء لما كنا عرفنا فضل أهل الماء على أهل اليابسة.

يقول صاحبي، الصياد الذي صحبني على ظهر مركبه بأن الفاو مدينة لا يعيش فيها العاطلون عن العمل، وأن نسبة البطالة تكاد تكون صفرا في الفاو، لأن البحر قادر على استيعاب الكثير من العمال، وحين خرجنا من الطريق الوعرة التي تبنى على أنهارها الآن مجموعة من الجسور الحديدية كنت أرى السباخ قد تمكنت من الأرض، لذا فهي تمسك بقوة في شواطئ الأنهار، هذه المنطقة التي يستغرب زائرها من إهمال الحكومة لها مع أنها كانت الأغنى في زراعة النخيل والحناء والورود. ولأن الأرض لم تعد كما كانت عليه قبل ثلاثين سنة فقد فقدت الكثير من أسمائها، وما حوز أبو عكاب وحوز النصار وحوز عبد العزيز وحوز الراشد والصافي وبيت مريعي وعبد علي المظفر ووو… إلا المساحات الزراعية التي كانت تحاصرها الأنهار والنخيل وتتبطحها مياه المد مرتين في اليوم والليلة. ثم أنه راح يعدد لي أماكن وبساتين وأشجار وأنهار لم تعد على الخريطة اليوم، أو تكاد تختفي وراء القصب والحلفاء والبردي والجولان التي راحت تجف تباعا. لكن مشهد معمل الحبال استوقفني كثيرا، ترى من هذا المغامر الذي يبني مصنعا في الأرض الجرداء المالحة هذه، لكن رجلاً من أهل الطارمية ببغداد، جاء بمعمله الى هنا، بعد أحداث الطائفية هناك، أقامه على أرضه، وهو يؤمن حاجـــــة أصحاب مراكب الصيد من الحبال.

حين تنازل السنة عن مسجدين للشيعة

قبل ربيع 2003 لم يكن للشيعة مسجد في الفاو، كان لأهل السنة فيها أربعة مساجد، وكتعبير عن التوادد والتحابب تنازل أهل السنة عن مسجدين لأشقائهم الشيعة، في بادرة لم تسجل لأحد قبلهم.

معلوم أن الفاو مدينة لم يحدث أن اخترقهم إرهابي واحد، ولم تسجل في ضواحيها حادثة قتل طائفي واحدة، هو البحر يأخذهم للصيد معا، حيث يعمل هناك أكثر من 75% من سكانها البالغين 50 ألفا، ليس بينهم من يسأل عن دين ومذهب، لا وقت لديهم لمثل هذه، فالبحر رزق وطهارة لقلوبهم، وجمعية النصر المتخصصة بصيد الأسماك تستوفي 3% فقط من الصيادين، بدلا من النسبة المقررة 5%، يقول أحد الصيادين: الأمن والاستقرار في الفاو يعودان في الأساس الى طبيعة سكان المدينة المسالمين، والفضل لهم في ذلك. ولا فضل للحكومة سوى أنها اوصلت لنا الماء الحلو عبر القناة الإروائية. أما محطة التحلية التي أمرت الحكومة ببنائها بعد صعود اللسان الملحي عام 2009 وكلفت الدولة ملايين الدولارات، فلم تعمل سوى ساعتين من النهار وسكتت فلاترها.

السمك قبل الشمس

في مرسى الصيادين (النكعة) وقبل أن تشرق الشمس بساعات يبدأ عمل بورصة السمك، بالمزاد العلني، ومع خيوط الفجر الأولى يكون الصيادون قد باعوا سمكهم وبلغت حركة المرسى أشدها، فقد أفرغت سفن الصيد حمولتها من أسماك مختلفة الاسماء والأشكال والحجوم، وترادف المشترون من البصرة وبغداد ومدن الجنوب الأخرى، وسارت سيارات الحمل الصغيرة ببضاعتها، محملة بأطنان من السمك الطري. الجمعية التي تأسست عام 1975تعمل على تنظيم شؤون الصيد والصيادين، حيث تستأجر المبنى من دائرة الموانئ بموجب مزايدة علنية تقام كل 3 سنوات، وهناك أكثر من 800 زورق صيد يعمل عليها أكثر من 10 آلاف عامل بين نوخذة وبحار وفني، فضلا عن عدد كبير من العاملين في التحميل والتفريغ والسائقين وباعة الثلج وسواهم.”

صيّاد: لم تنصفنا الحكومة

يقول أحد الصيادين:”لا يوجد أحد من سكان الفاو ضمن تشكيلة البرلمان العراقي، و ليس هناك ممثل في مجلس المحافظة، لذا فهم منسيون في العراق، والذي لا يسكن الفاو لا يعرف حجم معاناة العيش فيها، وإذا لم تقم الحكومة المحلية بدعمنا والوقوف إلى جانبنا سنهلك، ليأت أحدهم ويرى بعينه حجم ما نعاني منه، نحن نطالب بحقوق الصيادين، الصياد يعمل منذ أول شبابه بالصيد، يشقى ويعرق ويهلك، وبعد أن يبلغ من العمر أرذله، يُترك تحت رحمة الناس، نحن في دولة غنية جدا، وقد خدم هؤلاء العراق أكثر من أي سياسي، شريف وغير شريف، ترى أليس من حق الصياد العناية به قبل موته”

يكاد الصياد أن يكون الرجل الوحيد الذي يرفع علم العراق في البحر، مع أعلام الدول الأخرى، هناك من لا يريد لهذا العلم أن يرفع، وهناك دول تريد تهميش دور العراق في البحر.

ليس في المرسى مكان لتصليح السفن الـ 800 ومن يريد تصليح سفينته عليه أن ينزل الطين، والوقوف لساعات في البرد او الشمس، مع أنها قديمة وبحاجة مستمرة للتصليح. الأعراف الدولية تلزم السفينة، أي سفينة بالمرور البطيء أمام المراسي حيث تتوقف السفن، وهذه أخلاق بحرية معمول بها في دول العالم أجمع، لكن الذي يحدث أن الطرّاد الايراني يسير بأسرع ما يمكن عند نقطة مرسى السفن، وكذلك تفعل دوريات الشرطة وخفر السواحل والموانئ العراقية، كلها تسير “فول سبيد” فتتقطع الحبال وتخرب أبدان السفن، وهي قديمة في معظمها، هناك لنجات من الخشب تحطمها السرعة هذه بما تخلفه من أمواج عالية.

أصلحوا زورقه وأعطوه 4 أطنان كاز

يقول أحد النواخذة بأن سفينته جنحت قبالة السواحل البحرينية، وتسرب الماء الى جوف البدن بما هددهم بالغرق، وأنه استنجد بخفر السواحل البحريني، الذين هبوا فورا لنجدته وفي غضون ساعات قليلة اصلحوا له قاربه، ثم أنهم زودوه بـ4 طن من الكاز وسألوه إن كان بحاجة لخدمة أخرى وكل ذلك مجانا، ويقول لا يمكن أن يحدث مثل هذا مع السلطات العراقية، ولو اردت تصليح الزورق لكلفني المبالغ والزمن بما يزيد عن 15 يوما. كان القلاف الذي أصلح الزورق يجلس على كرسي وبجانبه (ترمس) شاي وآخر حليب، والمكان(المسفن) نظيف جدا والمعاملة بأحسن ما يكون.

على خلاف الحكاية هذه، وقريبا من السواحل السعودية كانت سفينة النوخذخ عبد الحسين بدران قد جنحت، فانجده زورق تابع لخفر السواحل هناك، لكن البحر كان مضطربا والموج كان عاليا، فغرق الزورق ومات أحد بحارته، وهو رجل كبير في السن، لم يستطع العوم، كما فعل بقية البحارة. لكن المسؤولين في خفر السواحل السعودي حمّلوا قائد الربان السعودي المسؤولية قائلين له: “كان الأجدر بك أن تركب البحارة العراقيين معك في سفينتك الكبيرة، لا أن تدعهم في سفينتهم الصغيرة، القضية التي تسببت بها في موت الرجل الكبير فأودعوه السجن، ولم تفلح كل مناشداتنا بالإفراج عنه، وهو الذي انقذ حياتنا من موت أكيد كنا أكثر من 10 بحارة.

بسبب أن سفن الصيد قديمة وصغيرة لذا فالبحارة العراقيون غير قادرين على الابحار عاليا لجلب الأنواع الممتازة من الأسماك، لكن موسم الصبور وهو الأهم للجميع، والذي تبدأ فترته من بداية آذار حتى نهاية نيسان أو منتصف مايس سيكون هو غاية ومنية الجميع، ولن يقتصر على الصبور وحده فهناك الزبيدي والشانك والهامور والداكوك والشعم والمزلق. أن تعيش على البحر ذلك لأنك السعيد جدا.