ثلاثة آلاف هزّة أرضية ضربت العراق منذ عامين!

188

بشير الأعرجي /

منذ الزلزال الذي ضرب مدينة حلبجة وشعر به المواطنون في كل المحافظات العراقية ومنها بغداد في 12 تشرين الثاني 2017، بدأ العراقيون يتداولون أنباء الزلازل باهتمام كبير، فهم لم يشعروا بها سابقاً بهذه الشدّة، بل لنقل لم يتحدث أي شخص مهما كان عمره عن ذكريات جمعته لحظة وقوع الزلازل كما يحدث اليوم وبهذا التكرار.

على الرغم من وقوع هزات أرضية وبأعداد كبيرة خلال العقود الماضية، بل أرّخت رقم طينية سومرية الزلازل التي ضربت بلاد ما بين النهرين، لتؤكد أن الزلازل كانت موجودة في العراق منذ الأزل.

صعوبة التوقع

في غرفة مسؤول المراصد الزلزالية بقسم الرصد الزلزالي التابع للهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي، قال لي مسؤولها (عبد الكريم عبد الله): “صباح اليوم حدث زلزال في بحر العرب”، فسألته “متى يصل تأثيره الى العراق ونشعر به؟” فأجاب: “قد لا تصل سوى هزات خفيفة يسجلها جهاز رصد الزلازل فقط ولا يشعر بها الإنسان، كما يحدث في العديد من الزلازل التي تحدث قرب البلاد، لكن هناك عوامل تمنع حصولها، ومنها نوعية الصخور ومرونتها وعمقها، غير أن مئات، بل آلاف الهزات الارضية والارتدادية ضربت العراق منذ سنوات، ولا نستطيع التنبؤ بموعد حدوثها ووصولها الى أراضينا، كما لا تستطيع دول متقدمة تكنولوجياً مثل الولايات المتحدة واليابان المبتلاة بالزلازل توقع أوقات حدوثها للوقاية منها فتلتجئ الى البناء المقاوم للزلازل.”

أسباب الزلازل

مسؤول المراصد تحدث لـ”الشبكة العراقية” وقال: “تحدث هزات أرضية بأعداد كبيرة دون أن يشعر بها العراقيون، خصوصاً أن هناك حركة ونشاطاً كبيراً للمسببات التي تؤدي الى الزلازل”. وأضاف: “أسباب الزلازل في البلاد هي نتيجة حركة الصفائح الناجمة عن فعالية الأحزمة الزلزالية، ومن ضمنها حزام زاكروس، حيث تشهد الأحزمة الزلزالية في العالم مؤخراً نشاطاً مفرطاً، ومن شواهده: البراكين والزلازل في اليونان وإندونيسيا والمكسيك والقوس الناري حول المحيط الهادي، فالهزة تحدث نتيجة التحرر المفاجئ للطاقة المتجمعة في الصخور وتخرج على شكل أمواج زلزالية، لأن القشرة الأرضية عائمة على (الجبّة) وهي صخور مائعة بدرجات حرارة تتجاوز آلاف الدرجات.”

خطر

خلال هذا الحديث الذي رافقه عرض خرائط ومجسمات فيديوية عن الزلازل وتأثيراتها، سألت مسؤول المراصد: “هل هناك خطر على بغداد من النشاطات الزلزالية التي تضرب المدن الإيرانية المحاذية للبلاد؟”، فأجاب: “اطمئن، لا خطر على بغداد، فما يصلنا عبارة عن موجات سطحية نتيجة الزلازل التي تضرب المناطق الحدودية، وما على المواطنين سوى اتباع التوصيات الاحترازية الوقائية، لكن هناك مدناً غالباً ما تكون الأكثر عرضة للتأثر بالزلازل، ومنها حلبجة ودربندخان وخانقين وعلي الغربي ومندلي وبدرة وجصان والرفاعي، تلك المناطق تتعرض الى الهزات الأرضية القادمة من حدودها مع إيران، وقد تأثّر بعض منها خلال زلزال تشرين الثاني 2017 وأوقع ضحايا وتهدمت بنايات ومنازل، فقد كانت قوته 7.3 درجة على مقياس ريختر وهو الأعنف منذ زلزال شمال عقرة في ثلاثينات القرن الماضي الذي تجاوز السبع درجات.”

الوقاية من الأضرار

الغريب أن العراقيين غير معتادين على كيفية التصرف لحظة وقوع الزلازل، ولمرتين قضّى الكثير منهم ساعات الليل في الشوارع بعد حدوث هزتين أرضيتين في العاصمة وبأوقات متباعدة، لكن بعض وسائل الإعلام ساهمت في إصدار نشرات توعوية تهدف الى كيفية التعامل مع حالات الزلازل، ومع هذا كم شخصاً منّا يتذكر الوصايا في حالات الطوارئ؟

كمبادرة من قسم الرصد الزلزالي، قام فريق منهم بزيارة المدارس التي تقع في المناطق الناشطة زلزالياً، وأجروا ممارسات ميدانية وقائية للطلبة وبشكل دوري، كما تم إعداد مناهج لوزارة التربية من أجل إدراجها في الكتب المدرسية وتوضح كيفية الوقاية من الهزات الارضية.

اهتمام

شخصياً، وكما هو حال أغلبية العراقيين لم نسمع يوماً عن زلازل ضربت البلاد خلال العقود الماضية، على الرغم من تأكيدات الرصد الزلزالي وقوعها ولمرات عديدة، لكن لماذا؟

مسؤول المراصد الزلزالية أجاب: “لم يكن هناك تسليط إعلامي خلال العقود الماضية على موضوع الزلازل ولم تتوفر وسائل إتصال كما موجودة اليوم لنقلها بشكل مباشر، وتاريخياً، تم توثيق حدوث هزات ارضية من قبل السومريين من خلال الرقم الطينية التي اظهرت تعرض العراق الى الزلازل منذ القدم.” واضاف: “أغلب العراقيين لا يشعرون بحدوثها، لأن النسبة الأعظم من تلك الزلازل غير مشعور بها، فخلال عام 2017 تم تسجيل 1302 هزة أرضية، أما العام الماضي فقد تم تسجيل 1734 هزة، فكم من هذه الهزات الثلاثة آلاف شعرنا بها؟”

وتابع بالقول: “لدى قسم الرصد الزلزالي ستة مراصد زلزالية في بغداد وكركوك والموصل وبدرة والرفاعي والرطبة، ونمتلك أحدث الأجهزة التي تعمل على مدار الساعة لرصد أي نشاط زلزالي، ومع هذا نحن نحتاج الى مراصد اخرى كما هو الحال في دول الجوار التي تمتلك المئات منها، كي توزع في مدن العراق.”
الخليج العربي سيزول!

على عمق عدّة أمتار، دخلنا الى غرفة تحتوي على الأجهزة التي تحدّث عنها مسؤول المراصد الزلزالية ووصفها بـ”الأحدث عالميا” ومن مناشئ أميركية رصينة واسعة المدى في التسجيل، ووجدنا آلات صغيرة ومتحسسات مرتبطة بحواسيب تظهر البيانات الدقيقة دون التعرض الى أي تشويش من مؤثرات قد تكون انفجارات تقع هنا وهناك، سألته “ما صحة الأنباء التي تشير الى أن أحد أسباب الزلازل التي ضربت العراق مؤخراً هي نتيجة لتجارب نووية أجرتها إحدى دول الجوار؟”، فأجاب: “لا صحة لهذه الأمر، لأن لدى منظمة الحظر الشامل للأسلحة النووية أجهزة استشعار حديثة جداً بإمكانها رصد أية تجربة نووية في كل بقاع العالم النائية، وما يحدث واقعاً هو بسبب فالق جديد في الأرض وزحف واصطدام بين الصفيحتين الصخريتين العربية والإيرانية، وهو ما يسبب الزلازل.. اليابسة على الأرض تتحرك بصورة مستمرة، ويحصل انفتاح في عرض البحر الأحمر مقابل انحسار في مساحة الخليج العربي بمقدار 2 سنتيمتر سنوياً.. هذه القصة بما فيها ولا توجد عوارض خارجية.”

سألته قبل أن أغادر: “اصطدام الصخور المستمر يؤدي الى الزلازل وتغيّر في شكل اليابسة، ومساحة الخليج تتعرض الى الانحسار، هل سيزول من الخارطة؟”، فأجاب: “نعم الخليج سيزول.. لكن لن نشهد هذا الحدث حتى لو عمّرنا آلاف السنين.”

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.