عراقيون يرفضون استخدام الإنترنت!

98

ذوالفقار يوسف /

على الرغم من فوائد الشبكة العنكبوتية التي لا حصر لها، إلا أنها باتت أحد أسباب تحطيم العلاقات الأسرية التقليدية.

ومع أن اغلب العراقيين لايستغنون عن خدمات الإنترنت والاشتراك في مواقع التواصل المختلفة، لكن هناك من فضل الابتعاد عن التكنلوجيا والعودة الى الحياة التقليدية والتواصل المباشر مع محيطه من الأهل والجيران، لكنهم يمثلون في النهاية الاستثناء في القاعدة.

جارٌ غير متصل

إن من التقاليد التي اعتدنا أن نراها، في الأيام السالفة عند الأسر العراقية، هي الجلوس أمام منازلهم وقت العصر، وتبادل اطراف الحديث بينهم وبين جيرانهم، وهذا مافعلته في أحد الأيام، لكنني فوجئت بأن بيت جيراني يخلو من أي اتصال بالشبكة العنكبوتية، وأن هذا الأمر ساري المفعول منذ دخول الإنترنت الى العراق.

سنان جبر(46 عاماً)، الذي يعيش مع عائلته المكوّنة من سبعة افراد، قال لي بعد أن وجدني مندهشاً من كيفية مقاومتهم عدم وجود هذه الأداة المهمة في منزلهم: “لقد كان قراري في بادئ الأمر بسبب خوفي على أطفالي من استخدام الإنترنت بشكل خاطئ، لأني صاحب عمل يومي يستغرق ثماني ساعات، فقد حُصرت الرقابة على والدتهم التي هي أيضاً لديها عملها كربّة منزل. مضيفاً أن حرمان الأطفال من حياة طبيعية هو أحد أسباب امتناعي عن امتلاك منظومة إنترنت في المنزل، كما كنا نلعب بشكل طبيعي ايام الطفولة، ومن ثم علاقتهم بذويهم، وحتى استيعابهم للأمور وعدم انطوائهم في بحر المواقع والألعاب الإلكترونية التي لا فائدة منها غير اختزال اهتمامهم، وتعليمهم ما لايساعدهم في تعلم الأشياء المفيدة كقراءة كتاب، او تعلم هواية، وآخر القول إنني لا أريد لأحد من أولادي أن يشرح لي كيفية قتل شخص من خلال إحدى ألعاب الإنترنت، او إنشاده لإحدى الأغاني التي لانفع لها غير انها تبعده عن إنشاد قصيدة لشاعر قد تعلمها من خلال قراءته لأحد الكتب، وأن تكون حياته طبيعية مع ذويه وأصدقائه الحقيقيين، وأن لايكون هناك شرخ بينه وبين والديه ،وإبعاده كلياً عن العالم الافتراضي.

زوجتي أَم الإنترنت؟

هذا ماردده على مسامعي الصديق حميد جبار(28 عاماً) بعد ان عاتبته في عدم تواصله معي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، عازياً ذلك: “لقد كانت حياتي الزوجية عبارة عن مأساة صامتة، ولأنني حديث الزواج فقد خُيرت إما أن أترك استخدامي للإنترنت او أخسر زواجي، لهذا قمت بإغلاقه تماماً، مضيفاً: أن كثرة انغماسي في استخدام الإنترنت، والشكوك التي اعترت زوجتي بأنني أخونها من خلال استخدامي المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي، وغرف الدردشة، واقتصار علاقتي الزوجية على وقت قليل من اليوم هو ماجعل زواجي معرضاً لخطر الانفصال، حتى صرت لا انتبه لما تقول وماتريد. مضيفاً أنه اليوم قد شعر بالحرية والراحة النفسية التي افتقدهما بعد تواجد هذه الأداة التي ما انفكت إلا أن تعطل الحياة الاجتماعية الصحيحة بين الزوجين، ولمعرفتي بأن علاقة العائلة الصحيحة أهم شيء في الوجود، وأنه لايجب استبدالها بأي شيء آخر مهما كان مغرياً.

الإدمان على الألعاب

وفيما كانت مواقع التواصل الاجتماعي همّاً عند أغلب الأسر العراقية، أضيفت الى هذا الهمّ الألعاب الإلكترونية المتصلة بشكل مباشر مع الشبكة العنكبوتية، والتي من خلالها يكون هناك تواصل بين الأفراد داخل هذه اللعبة، وكمثال لهذه الميزة احتكرت البيوت العراقية لعبة “كلاش اوف كلانس” التي تتكون من قبائل يحاولون من خلالها الوصول الى نقطة معينة بقتالهم مع باقي القبائل الأخرى، وبوقت ليس بالقصير، ما جعل التواصل بين افراد العائلة أمراً شبه مستحيل. من هذا الإطار يحدثنا العم ابو حسام (58 عاماً) والذي عانى من هذه اللعبة مع أولاده، ما جعله يقسم على عدم استخدام الإنترنت بين أفراد عائلته، حيث يقول: “ماجعلني اتخذ هذا القرار هو انعدام كل مظاهر العلاقات الاجتماعية داخل المنزل، ونهاية حس المسؤولية عند أولادي، من عدم الرد او الاهتمام بإمورهم الدراسية، ولم تكن هذه آخر سيئاته، فالسهر هو من أساسيات هذه اللعبة، حتى أنهم في أحد الأيام لم يكونوا قد خلدوا الى النوم إلا ساعة واحدة من شدة التعب. مضيفاً بأنهم ادمنوا هذه اللعبة التي لافائدة منها، وأن الأسرة هي من تعاني التفكك والخراب نتيجة استخدام أفرادها للإنترنت، حيث أن أفرادها لا يجلسون معاً ولا يناقشون أمور حياتهم معاً، بل يعيش كل فرد فيها حياته بشكل افتراضي على الإنترنت، وهذا ما لا أريده لأسرتي.

قيود إيجابية

الخبيرة الاجتماعية كوثر العزاوي تختصر معاناة الأسر العراقية من خلال مداخلتها فتقول:”إن الإنترنت سلاح ذو حدين، وإن استعمالاته هي ماتحدد ايجابياته وسلبياته، ومع هذا لايجب إهمال الحياة الاجتماعية والأسرية، لكي لا ننجرف الى عالم أقرب مايكون الى الخيال، وأن لايكون أساساً في حياتنا، من خلال إهمال روابطنا الاجتماعية كبشر، وعدم المبالاة بالروابط الأسرية، كما أن نسب الطلاق قد حققت اعلى مستوياتها بأكثر من (675 ألف) حالة طلاق منذ دخول الإنترنت للعراق في عام 2003 الى يومنا هذا، ما جعل كل مظاهر الحياة الأسرية مهددة من قبل هذه الشبكة العنكبوتية التي يساء استعمالها من قبل البعض، والتي قد تصل حد الإدمان. فيما أبدى الكثير من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي رأيهم الإيجابي، حين قامت الحكومة بقطع بث الشبكة العنكبوتية في البلد لعدة ايام، فمنهم من قال: لقد عادت جمعتنا في البيت كما كنا قبل وجود الإنترنت، ويضيف آخر “لقد قرأت كتابين أثناء فترة الانقطاع”، آخرون اعتكفوا لدراسة كتبهم المدرسية، وبالتالي تحسن مستواهم التعليمي.

لا للفضيحة!!

يعتبر الإنترنت منذ دخوله العراق هو الوسيلة التي قربت المسافات وقللت الحدود بين الأشخاص، وجعلتها من خلال الأجهزة المتنوعة في متناول اليد، إلا أن هناك العديد من الأسر العراقية التي اتخذت قراراً في هذا الأمر خوفاً من عواقبه الوخيمة. ولأننا في بلد ذي تقاليد ودين يرفض كل الممارسات المشبوهة، صارت العوائل حذرة في التعامل مع الإنترنت في البيوت.

الحاجة رسمية خالد (54 عاماً) تقول: “عندي بنات (حديثات) وخوفي عليهن من الإنترنت جعلني أرفض دخوله لمنزلي، لأن هناك العديد من الأمور التي قد نواجهها من خلال استخدام الإنترنت، كإرسال الصور والمعاكسات والابتزاز الإلكتروني.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.