كتابٌ مزوّر.. يتسبب بسرقة مئات الملايين وحبس موظف ثلاث سنوات

283

إنعام العامري /

هامش من موظف بسيط على كتاب رسمي، تبيّن فيما بعد أنه مزوّر، أدى الى أربع كوارث طالت جميع أطراف القضية التي تنقلت أوراقها بين اللجان التحقيقية والمحاكم. ”
ورد بالبريد الرسمي”،
هذا ما كتبه الموظف (ع.ر.ج) قبل سنوات ولم يكن يعلم أنه سيتسبب بحبسه ثلاث سنوات وملاحقات مالية وضرر لعدة جهات بمبالغ تجاوزت مئات الملايين من الدنانير.
القصة بدأت مع رهن إحدى المواطنات عقاراً لها مقابل حصول زوجها على قرض من المصرف الزراعي في كربلاء بقيمة 200 مليون دينار، وقد حصل الزوج على القرض ووضعت إشارة الحجز، أي عدم التصرف، على العقار لحين إتمام تسديد كامل دفعات القرض، لكن الطمع أدى الى كوارث عدّة، تسبب بها الزوج وزوجته، فقررا تنفيذ خديعة رباعية، بدأت بالمصرف الزراعي، ومديرية التسجيل العقاري في كربلاء التي تضم أوليات العقار المحجوز، وسارت الخديعة على الطرف الثالث وهو الموظف المختص بتسلم البريد في تلك الدائرة، وأخيراً مواطن تورط مع هذه العائلة بشرائه العقار دون أن يعلم بأنه محجوز وفق الكفالة العقارية، فنال كل طرف في القضية سهام الأذى.
مخوّل بالتزوير
أولى مراحل عملية التزوير هي كيفية إيهام جميع الأطراف بأن العقار لم يعد محجوزاً للمصرف، فجاءت فكرة تزوير كتاب رفع الحجز الصادر عن المصرف الزراعي وتسليمه الى مديرية التسجيل العقاري الثانية في كربلاء ليأخذ مجراه، فحضر الزوج مستصحباً معه كتاب رفع الحجز المزور وسلّمه الى الموظف المختص الذي ثبّت عليه هامش “ورد بالبريد الرسمي” وسار الكتاب وتنقّل بين غرف الدائرة ليُرفع الحجز عن العقار اعتماداً على هامش الموظف، وهو إجراء رسمي معتمد في جميع دوائر الدولة. انتهت مهمة المزوّر، ليأتي الدور على بيع العقار الذي من المفترض أن يكون محجوزاً لحين تسديد القرض، فجرت عملية البيع لمواطن وقع في شباك الخديعة وتسلّم هذا الرجل وزوجته المال من المشتري وتواريا عن الأنظار. البريد الرسمي!
ما كشف عملية التزوير، هو قيام المشتري بعد عامين بمراجعة مديرية التسجيل العقاري لإجراء تصرف على عقاره، لكنه فوجئ بأن ما اشتراه معروض للبيع بالمزايدة العلنية، لأن المقترض المزور لم يقم بدفع أقساط القرض، ومن هنا بدأت الإجراءات الرسمية لمعرفة المتسببين الحقيقيين بتمرير عملية التزوير وكيفية رفع الحجز. بدأت إجراءات مكتب المفتش العام لوزارة العدل بالتحقيق الإداري مع الموظف الذي تسلّم الكتاب المزوّر إضافة الى عدد من الموظفين الذين مرّ عليهم الكتاب، واتضحت الصورة أمام اللجنة المكلفة بالتحقيق.. الأمر ببساطة أن الموظف المختص تسلّم الكتاب من الزوج المزوّر وهمّشه بعبارة “ورد بالبريد الرسمي” واعترف أمام اللجنة التحقيقية والمحكمة المختصة بذلك، وبرّر فعله بـ “تسهيل مهمة وكيل المقترضة”، لكن هذا التبرير لم يشفع فعله الذي نتجت عنه الكوارث.
العقوبة المناسبة
المفتش العام لوزارة العدل كريم الغزّي تحدث لـ”الشبكة العراقية” وقال: “لا نعترض أبداً على مسألة المساعدة الإنسانية للمراجعين، لكن أن تكون مفردة (تسهيل المهمة) لأغراض شخصية تؤدي الى مخالفات كالتي حدثت مع تسلم الكتاب المزور فهذا ما لا نرضاه باعتبار أن له تبعات قانونية سلبية”. أضاف الغزّي: “أوصت اللجنة المختصة في مكتبنا بتوجيه عقوبة التوبيخ للموظف وفقاً للقانون، وإحالته الى القضاء لتسلمه كتاباً مزوراً من شخص غير مخوّل بتسليم الكتب الرسمية دون التحقق من صحة صدوره، ورُفع على إثره الحجز عن عقار مرهون للمصرف الزراعي مقابل قرض قيمته 200 مليون دينار، وتم أيضاّ بيع العقار الى مواطن، فتضررت عدة جهات نتيجة هذا الهامش”.
صحة صدور
وبغضّ النظر عن استفادة الموظف من عدمها بتمرير كتاب خطير مزوّر، وعدم اكتشافه من بقية زملائه في الدائرة التي قامت برفع الحجز عن العقار، تبقى قضية طلب صحة صدور الكتب محط خلاف، لأن مؤيديها ومعارضيها لديهم أسبابهم المقنعة، فأغلب المراجعين يعترضون على تسبّب صحة صدور الكتب في تأخّر إتمام معاملاتهم، وقد يمتدّ الوقت الى سنوات عدّة، لكن على النقيض من ذلك، ربما يكون التأكد من صحة صدور الكتب ضماناً لعدم التزوير. ويبيّن المفتش العام لوزارة العدل أمثلة عديدة عن فوائد صحة الصدور المشروط بسرعة الإجابة من الدوائر المعنية، وقال: “عندما نقوم بالتحقيق في القضايا التي تردنا مثل تزوير العقارات أو الوكالات وغيرها ونطلب صحة صدور بعض الكتب بالرقم والتاريخ، يتضح لنا أنها مزورة ومررت على الكثير من الموظفين، فتكون حجة دامغة على المزورين، وهذا الإجراء وفق سياقات العمل الحالية يمنع التزوير بنسب كبيرة”. وأضاف: “نعم هناك تأخير في الإجابة على صحة صدور الكتب لأسباب متعددة، ومنها زخم العمل وكثرة معاملات بيع وشراء العقارات، فأغلب العقارات تم تقسيمها الى عدة منازل ما ضاعف العمل، كما استحدثت مناطق جديدة في مدن كثيرة، وكل هذا يكوّن زخماً على الدوائر التي تتم خلالها عمليات نقل الملكية والتي لا تزال تعمل وفق آليات قديمة، ناهيك عن وجود بعض الموظفين المفسدين الذين يتحايلون على القانون لأغراض المنفعة الشخصية”.
الربط الإلكتروني
المفتش العام كريم الغزّي أكد أن “وقف أغلب عمليات التزوير وتسريع مسألة صحة الصدور تتمثل بربط مؤسسات الدولة كافة بنظام إلكتروني موحد يتم من خلاله تبادل المخاطبات بأسرع وقت ممكن ودون مرورها على موظفين يتعاملون بشكل مباشر مع مواطنين قد يكون بينهم من ذوي النفوس الضعيفة”. وأضاف: “يتم اتباع أنظمة الحوكمة والأرشفة الإلكترونية عن طريق التعامل مع الإجراءات العقارية إلكترونياً بعد تخزين جميع البيانات والوثائق لمالكي العقارات وتجاوز الأعمال الورقية والمراجعات الروتينية المباشرة، وهذا ما يسعى اليه مكتب المفتش العام من خلال اعتماد برنامج إلكتروني رصين يسهّل سير الإجراءات بانسيابية والتخفيف عن كاهل المواطنين ويمنع ظاهرة التزوير والتلاعب بالملكية العامة والقضاء على الفساد”.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.