لعبة PUBG.. ارض معركة افتراضية تحرق الواقع

148

إيفان حكمت /

إدمان لا يقل خطورة عن أي إدمان آخر، هذا أقل ما يمكن أن يقال عن إدمان لعبة الـ”PUBG” التي انتشرت كالنار في هشيم الهواتف المحمولة والحواسيب الشخصية، وخلفت مشاكل اجتماعية كبيرة بين طلاق أزواج وترك العمل والإهمال الدراسي وغيرها الكثير. ومصطلح الـ”PUBG ” هو اختصار لاسم اللعبة الكامل Player Unknown’s Battlegrounds وترجمته العربية هي أرض معركة للاعبين مجهولين.

تسريح عمال بالجملة

لا يبدو (رافد جبار) نادماً على فقده عمله في معمل البسكويت، غير أن زميليه الشقيقين أحمد ومحمد عادل حملا لعبة البوب جي مسؤولية عودتهما القسرية الى طابور العاطلين.

يقول رافد انهم “الثلاثة إضافة الى زميل رابع يعملون في معمل البسكويت ويشكلون كذلك فريقاً مقاتلاً في اللعبة.” ويضيف في حديثه لـ”الشبكة”: “اننا أحيانا نجتمع لخوض معركة في اللعبة على حساب العمل، وقد نبهنا صاحب العمل أكثر من مرة، غير انه في المرة الأخيرة وحين وجدنا جالسين منغمسين مع أجهزتنا النقالة رغم وجود طلبية مستعجلة فاض غيظه وطردنا نحن الأربعة مرة واحدة.” ويؤكد رافد أنه غير نادم على ما حصل وأنه سيواصل القتال في اللعبة والبحث في ذات الوقت عن عمل لا يتعارض مع متعته التي يقضيها مع لعبته. غير أن زميله أحمد عادل يقول لـ”الشبكة” انهم”أخطأوا حين سرقتهم اللعبة من مصدر رزقهم”، وأضاف انه يفكر جدياً بمسح اللعبة من نقّاله، لكنه غير قادر على التخلص من حالة الإدمان، على حد تعبيره، لكنه يستدرك انه إذا وجد عملاً جديداً فإنه سيوازن بين وقت العمل ووقت اللعبة.

العودة الى مقاهي الألعاب

يتماهى الواقع مع اللعبة التي يجري فيها قتال افتراضي عند البعض فيبحث عن شاشة حاسوب كبيرة وسرعة فائقة في خدمة النت ليقاتل بشكل أفضل. يقول (أيمن فاضل)، صاحب مقهى انترنت في بغداد، في حديث لـ”الشبكة”، إن “إنتشار لعبة البوب جي أعاد الروح الى مقاهينا، حيث يبدأ زبائننا من ممارسي اللعبة في التوافد منذ ساعات الصباح الأولى، وخصوصاً العاطلين عن العمل وطلبة جامعات ومدارس متوسطة وإعدادية، ويستمرون في اللعبة الى المساء” ، وفي هذا الوقت، يؤكد أيمن، “تتوافد فئات أخرى من المقاتلين جلّهم من الموظفين الذي يبدأون ممارسة هوايتهم فور تناول وجبة الغداء في البيت وتغيير ملابس العمل، وان بعض هؤلاء يستمر في اللعب حتى ساعات الفجر.”

مرض وإدمان ومتعة بديلة

يصف أحد رجال الدين في صفحته على الفيسبوك لعبة البوب جي بأنها “أسوأ مرض وأقوى أنواع الإدمان الجنوني للكبار والصغار، وللأسف الشباب والبنات.” فيما يجمع علماء النفس على أن اللعبة منتشرة في مختلف بلدان العالم، غير انها تصبح إدماناً حقيقياً في البلدان التي يفتقد مواطنوها المتعة في حياتهم اليومية، لأن لعبة البوب جي توفر لهؤلاء متعة إفتراضية تعوضهم عن اليباس الذي يسود حياتهم، ويحذر هؤلاء العلماء من أن تكون هذه اللعبة والألعاب التي ستولد من رحم انتشارها هي حياة راسخة لممارسيها لا تسمح بعودة حيواتهم الحقيقية ما يفقد بلدانهم العديد من القدرات والكفاءات في مختلف مناحي التطور الصناعي والزراعي وغيرهما.

معارك

استحوذت “بوبجي” على اهتمامات شباب العراق، وهي عبارة عن معارك متعددة يشارك فيها لاعبون من مختلف أنحاء العالم عبر الإنترنت، حيث يهبط اللاعبون الذين يكون عددهم 100 لاعب من خلال طائرة إلى مدن مملوءة بالأدوات والأسلحة المختلفة، ومن ثم يقاتلون بعضهم البعض حتى يبقى الفريق الأقوى المتكون من أربعة أشخاص، او ينجو شخص واحد من الفريق، حيث يجب التركيز كلياً في اللعب لأن نظام الفرصة الثانية غير موجودة في اللعبة، لهذا يكون مرتادوها في انقطاع تام عن واقعهم، ما جعل هذا الامر هو اول سيئات هذه اللعبة وليس آخرها، فالجميع خسران في هذه الحالة، فمن أهمل ولم يبالِ بالذي حوله، وانقطع عن واقعه يكون الفائز في اللعبة.

انتقام “براندن”

Brendan Greene”” هو مصمم ألعاب آيرلندي الجنسية، لم يخطر بباله أنه سيجد في تصميمه للعبة “بوبجي” انتقامه من الأزواج، ولأنه كان يفتقد العلاقات والمعارف اللازمة، ولأنه مر بالعديد من الصعوبات قبل تصميمه للعبة، فقد خسر حب حياته وزوجته بعد أن بحث عنها في أنحاء أوروبا، حيث انتهت هذه العلاقة بالطلاق، الأمر الذي دفعه الى الاعتكاف في حلزونة تصميم الألعاب.

الدكتورة والباحثة الاجتماعية كوثر العزاوي تحدثنا من هذا الإطار وتقول إن “اغلب المشاكل الأسرية في الآونة الاخيرة هي بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة، التي تؤدي الى الخيانات الزوجية ومن ثم الطلاق او تهديد الزواج بالانتهاء، إلا أن هذه اللعبة جاءت إضافة الى هذه المواقع، فأغلب مرتاديها يكون اتصالهم بواقعهم شبه معدوم، ولأن العلاقة الزوجية تتطلب الاهتمام من كلا الطرفين، صارت هذه اللعبة هي القاتل للأسر العراقية.”

قِّسَم مدمن

أحمد سالم (38 عاماً) تعرف على هذه اللعبة بعد انتشارها، يعمل كعنصر امني في أحد المولات، إلا أن العقوبات التي لاحته لم تنتهِ بسبب مزاولته لهذه اللعبة، ولأن أحمد أدمن اللعبة فقد عزم صاحب المول على تهديده بالطرد، يقول أحمد “كانت اللعبة تشدني اليها رغم مقاومتي إياها، ولقد اقتطعت من مرتبي البسيط مبلغ 30 ألف دينار حتى استطيع أن أستخدم الإنترنت أثناء تواجدي خارج البيت، ولأن اللعبة تتطلب اتصالاً قوياً بالإنترنت، فقد صارت شغلي الشاغل، حتى أني تعودت أن أسهر بسببها، لهذا صار وصولي لعملي متاخراً لعدة مرات، فهمّي الوحيد هو أن ألعب اللعبة وأنافس باقي الفرق بتحصيلي النجوم والنقط، إلا أنني لاحظت بعد ذلك بأني قد قمت بالتقصير في عملي وأهلي وحتى على مرتبي إرضاء لهذه اللعبة وإدماني عليها، ما جعلني أقسم بالمقدسات بأن أقوم بمسحها من جهاز الموبايل الخاص بي، وأن لا ألعبها بعد الآن.

صداقات

لم تخلُ هذه اللعبة من بعض الإيجابيات، فقد ترى هناك الكثير من التقارب بين غريبين، والتعرف على العديد من الجنسيات من خلالها.
“حمودي” و “بوبجي”

يحدثنا من هذا الإطار الدكتور بسام يوحنا المختص في برمجة الألعاب وتصميمها حيث يقول”إن الفكرة الأولى من هذه الألعاب هي احتكار الشباب وعزوفهم عن المطالعة، والاهتمام بتنمية حياتهم لمستقبل أفضل، وقد اهتم صانعو هذه الألعاب بهذه الفكرة لشراء ألعابهم، فأغلب مزاوليها هم من الشرق الأوسط، حيث البطالة والفراغ والكسل هي من صفات مرتادي هذه اللعبة.”

يضيف يوحنا “إن أساس اللعبة هو الحروب الميدانية المتمثلة بحرب الفرق، فلعبة (بوبجي) هي لعبة أكشن وإثارة تتيح لمرتاديها التنفيس عن همومهم، فعسكرة الشباب جاءت بسبب تعاقب الحروب التي عاشها العراق، وإن السر في انجذاب العديد من الشباب اليها هو اللعب المشترك والاستماع الى الآخر عن طريق الشبكة العنكبوتية، حتى وإن كان في دولة او مدينة اخرى.”

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.