من الذي يتاجر بالأزمات؟

181

أحمد سميسم /

لا يخفى على أحد أن اضطراب المشهد السياسي والأحداث السياسية الطارئة في أي بلد من البلدان تؤثر بنحو مباشر في سير الحياة الاجتماعية والمعيشية للمواطنين، فالتظاهرات الأخيرة السلمية التي سادت أغلب محافظات العراق للمطالبة بتحسين الخدمات سبّبت، بطريقة أو بأخرى، ارتفاعاً ملحوظاً وسريعاً في أسعار المنتجات الغذائية التي تمس قوت المواطنين، ما جعل الأسر العراقية تعاني من تلك القفزات”غير المبرّرة” والمفاجئة في الأسعار، على حد قولهم، وإن أحوالهم لا تحتمل المفاجآت ولاسيما أن الدخل الشهري لأغلب المواطنين يكاد لا يكفيهم أياماً معدودات.

وللوقوف على أسباب هذه الأزمة، تجولت “مجلة الشبكة العراقية” في عدد من الأسواق التجارية في مناطق متفرقة من بغداد ومع المواطنين وخرجت بهذه الحصيلة من الآراء والتطلعات:
محطتنا الأولى كانت في منطقة الحرية ببغداد في سوق (الثانية) المعروف بكثافة معروضاته من البضائع، سألنا (أبو محمد)، صاحب محل تجاري، عن أسباب ارتفاع اسعار المواد الغذائية في وقت قياسي تزامناً مع حدوث التظاهرات فأجاب بحدّة: نحن لم نرفع أسعار المنتجات الغذائية بصورة اعتباطية، بل أن ما دفعنا الى ذلك هو ارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية من (العلوة) الرئيسة التي نتسوق منها، ما جعلنا نزيد الأسعار الثابتة بمقدار ألفين او ثلاثة آلاف دينار حسب تكلفة هذه السلعة او تلك، لذا نحن أصحاب المحال لا حول لنا ولا قوة بالزيادة الحاصلة في المنتجات الغذائية.
بينما يقول الحاج (أبو خضر) من البقالين المعروفين في السوق: ليس من المستغرب أن ترتفع أسعار المحاصيل الغذائية في الأزمات السياسية، فمثلاً حدوث التظاهرات في العراق وتحديداً في بغداد أدى الى إغلاق أغلب الطرق الحيوية الموصلة بين منطقة وأخرى ما جعلنا في حالة شلل لمدة أسبوعين متتاليين، وأن أغلب المحال التجارية قد نفدت منها البضائع جراء إقبال المواطنين الكثيف على التبضع خشية من أمور سيئة قد تحدث، إذ توقعوا أن يكون الوصول الى السوق مرة أخرى صعباً للغاية.
المواطن سمير حاكم يُدلي بدلوه قائلاً: أعتقد أن من الغريب أن ترتفع أسعار البضائع والمنتجات الغذائية وتشتعل الأسواق بين ليلة وضحاها بحجة قطع الطرق جراء قيام التظاهرات، لأن من غير المعقول والمنصف أن يرفع البقال أسعار بضاعته الموجودة مسبقاً في محلّه متذرعاً بسوء الأوضاع في الشارع!! فكيف إذا اشترى البقال بضائع جديدة، وكم سيصبح مثلاً سعر كيلوغرام واحد من الطماطم؟ ربما يصل إلى خمسة آلاف دينار!؟
يشاطره الرأي عماد جاسم (موظف، 55 سنة) إذ يقول: عشيّة اليوم الثالث من التظاهرات ذهبت لشراء اسطوانة غاز على بعد أمتار من منزلي وإذا بسعر (قنينة) الغاز قد أصبح 15 ألف دينار!! وعند سؤالي عن سبب غلاء الغاز اكتفى صاحب المحطة بكلمتين وهز رأسه قائلا: (الوضع تعبان)!!
في منطقة زيونة ببغداد لم يختلف الحال كثيراً، فعند تجوالنا في أسواقها لمسنا امتعاض المواطنين من غلاء الأسعار، استوقفنا أحد المارّة المتبضعين على عجالة فتحدث قائلاً: إن ما يحدث اليوم من غلاء المعيشة، ولا سيما المنتجات التي يحتاجها الفرد على نحو يومي، ما هو إلا لعبة من ألاعيب بعض التجار الكبار الذين لا يخافون الله مستغلين الأحداث الطارئة التي تجري في البلاد ليرفعوا أسعار المنتجات تحت مبررات مخجلة وغير معقولة، فمثلاً المعروف أن ستة أرغفة من الخبز ثمنها ألف دينار إلا أن بعض الخبّازين، وبقدرة قادر رفعوا سعره، وبدلاً من ستة أرغفة أصبح الألف دينار يعادل خمسة أرغفة فقط، ولربما تصل الى أربعة، من يدري! الحمد لله على كل حال.
في إحدى زوايا السوق يجلس رجل كبير يبيع الخضراوات بأنواعها، سألناه عن أسباب زيادة الأسعار فأجاب: أنا لا أجد المبرر المنصف في زيادة الأسعار هذه الأيام، لأن ما جرى من أمور يراها البعض من أصحاب المحال التجارية أدت الى ارتفاع الأسعار، فهذا سبب غير مقنع إذ أن انقطاع الطرق وحظر التجوال في بغداد لم يمضِ عليهما سوى يوم واحد أي 24 ساعة فقط فهل يُعقل أن يكون سعر اسطوانة الغاز في بعض المناطق (25) ألف دينار وسعر كيلو الطماطم ثلاثة آلاف دينار وقِسْ على ذلك باقي المنتجات الأخرى، هذا أمر لا يصدق فأنا لم أزد فلساً واحداً على أي صنف من بضاعتي والسوق يشهد لي بذلك.
جولتنا الأخيرة كانت في منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد، ففي تجوالنا بأسواقها شكا سكانها من ارتفاع بعض المنتجات كالسمك واللحم مثلاً، فضلاً عن أزمة الحصول على البنزين بسبب إغلاق أغلب محطات تعبئة الوقود ما أدى الى تجمع طوابير من المركبات أمام المحطات بعد افتتاحها، وكذلك الحال مع (الكاز) لأصحاب المولدات الأهلية.
يحدثنا عمار المطلبي صاحب أسواق (البركة): إن ما يحدث من ارتباك الوضع السائد للأسواق العراقية هو أمر متوقع مسبقاً، فكل أزمة سياسية تنجم عنها ردة فعل اقتصادية عنيفة وهذا ما حصل أيضاً في أحداث عام 2003، لذا علينا أن نتأقلم مع تلك الأزمات بالرغم من الجشع الفاحش لبعض التجار الذين يعتاشون على خراب الأوطان مع الأسف، فنسمع هنا وهناك عن ارتفاع ملحوظ في أسعار السلع نتيجة الطمع وعدم القناعة بما هو موجود.
شريحة المتقاعدين هي الأخرى تضررت بسبب الأزمة، فقد شكا لنا بعض المتقاعدين من تأخر صرف رواتبهم بسبب انقطاع خدمة شبكة الإنترنت في عموم العراق إذ يتطلب توفر الإنترنت ليتم صرف رواتبهم عبر منافذ الدفع الذكية الإلكترونية (الكي كارد).

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.