14 ألف مصنع عراقي معطل لعيون دول الجوار

196

فرات إبراهيم /

ماصرح به مسؤول في اتحاد الصناعات العراقية، بأن هناك (14) ألف مصنع عراقي متوقف عن العمل بسبب الكهرباء والظروف الأمنية، رقم كبير ومخيف مقارنة بأعداد العمال التي تستوعبها تلك المصانع المتوقفة وكم من العوائل التي سوف تعتاش على أجورها، وأغلبها تم تسريحها لعيون (جوار العراق)!
كيف لا وكل الدلائل والمعطيات ترشدنا إلى أن بقاء الوضع على ماهو عليه من تدهور وفساد مالي وإدراي في مشاريع الكهرباء، بفعل فاعل وتجاهل حكومي، في سبيل أن لا تتمكن تلك المصانع من إدارة عجلة إنتاجها وينتهي استيراد (اللبن المخبوط) واللبن بالخيار(الجاجيك) والمياة المعدنية المستخرجة من أعماق أرض الكويت!! والسمك (الزوري) الإيراني والمقرنص (التركي) الذي دمر شوارع بغداد. كل هذا سيتوقف إذا ما دارت عجلة الإنتاج، وسيحتفظ العراق بمئات المليارات من العملة الصعبة التي تذهب إلى دول الجوار والصين البعيدة التي بدأت هي الأخرى تصنع لنا ساعات تذكرنا بالأذان والصلاة بجهازين منفصلين، واحد للأذان بتوقيت الوقف السنّي واخر بتوقيت الوقف الشيعي!
أسماء وماركات في الذاكرة
ثلاجة عشتار وطباخها، وتلفزيون القيثارة ومروحة بابل وإيركندشن الهلال وغيرها من الصناعات النسيجية والغذائية المحلية، جميعها أسماء لامعة في سماء الصناعة العراقية، مازالت لامعة حتى يومنا هذا في أسواق العائلة العراقية وحتى هذا الوقت، البعض حينما يجد القديم من هذه الأسماء التي مضى على صناعتها أكثر من عشرين عاماً فإنه يفضل اقتناءها على البضاعة الجديدة.
سلام محمد، مصلح ثلاجات في أحد الأسواق الشعبية، يؤكد أن أغلب الطلبات تكون على الماركات القديمة، ونادراً مايترك رب العائلة تلك السلع، فهو وباستمرار يبحث لها عن أدوات احتياطية لأنها متينه وصناعتها قوية، على العكس من الموجود في الأسواق حالياً من بضاعة لاتدوم لأكثر من موسم واحد. حديثنا هذا لايعني أننا لانواكب التطور التكنولوجي الحاصل ونظرية السوق الحالية التي اختلفت كثيراً عن النظريات السابقة التي كانت تعتمد المتانة في الصناعة لعمر أطول، لكننا نؤكد من خلال هذا القول أن الصناعة العراقية ليست فتية على التنافس مع مثيلاتها في الدول المجاورة والتي كان المواطن العراقي يأنف حتى من شراء السلع غير اليابانية منها.
محمد الدراجي، صاحب معمل لخياطة الملابس النسائية، يقول : كان المعمل في السابق يصدِّر بضاعته الى مصر وسوريا والأردن وإيران ودول الخليج، وكانت الماركات العراقية تستهوي الكثير من مواطني تلك الدول وذلك لمطابقتها جميع المواصفات العالمية ورخص أسعارها مقارنة بالملابس القادمة من دول بعيدة، ماحصل بعد احتلال الكويت هو الكارثة بعينها فقد انتهى عصر الكهرباء وختم الحصار بالشمع الأحمر على كل الصناعات العراقية حتى قمنا بتسريح أعداد كبيرة من العاملين والعاملات الماهرين، وبعد السقوط استبشرنا خيراً وتأملنا أن تعود مكائننا إلى صوتها القديم الهادر بالحركة والنشاط والعمل، لكن الأمر يبدو أن لانهاية مفرحة له، فالكهرباء والأوضاع الأمنية قصما ظهر الصناعات العراقية وحوّلا العراق من بلد مصدر الى بلد يستورد حتى (اللبن المخبوط).
دعم مصانع القطاع الخاص
علي الشمري، يملك معملاً لصناعة الأحذية في شارع الرشيد، ذكر أن سبب تقليص الإنتاج في المعامل العراقية جاء نتيجة للظروف الأمنية وارتفاع أجور العمال العراقيين ودخول السلع الأجنبية من مختلف المناشئ لمنافسة عملنا وأسعارنا، فضلاً عن غياب الكهرباء لساعات طوال، ما يجعلنا نشغل مولدات الديزل التي تقصم ظهورنا وجيوبنا بتكاليفها الباهظة، الأمر الذي أثر على إنتاجنا، ما يهدد معامل الأحذية بالتوقف عن العمل إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه دون تدخل يذكر من الحكومة أو من اتحاد الصناعات.
فيما يوضح ماجد عبد الحسين، صاحب معمل أحذية، أن الصناعة في العراق إذا لم يتم دعمها فسيكون وضعها مأساوياً بمرور الوقت، ولاسيما في الوقت الحالي، بالإضافة إلى المتاعب التي نلاقيها، فنحن نستورد أرضية الحذاء مثلاً من تركيا وسوريا، كذلك ارتفاع أجور العمال، ما يضيف تكاليف على إنتاج الحذاء وملحقاته، مشيراً إلى استيراد كميات كبيرة من الأحذية الصينية والتي تباع في السوق بنصف سعر الأحذية المحلية، والمواطن يضع ثقته بالمنتج الأجنبي على الرغم من جودة السلع العراقية وهذا بدوره أثر على صناعتنا كثيراً.
من جهته، طالب رئيس اتحاد الصناعات العراقية المؤسسات الحكومية بالعمل على تأهيل المعامل المعطلة والتي تشكل80% من المعامل الموجودة في العراق، وأشار إلى أن الاعتماد على القطاع الصناعي ضروري لكونه يمثل الجانب الحيوي من المنظومة الاقتصادية. وأضاف أن القطاع الصناعي مهم، لذا يجب العمل على تأهيل المصانع والمعامل العراقية المتوقفة عن العمل والبالغة نسبتها 80%، داعياً إلى الدعم الفعلي من المؤسسة الحكومية العراقية التي تتحدث عن دعم القطاع الصناعي العراقي في المؤتمرات وفي الندوات وفي العلاقات الدولية. ولكن من الناحية العملية نجد أن هذا القطاع لم يحظَ بموارد مالية وتخصيصات تؤهله للنهوض بواقعه المناسب بل أنه هو الذي يمول نفسه ذاتياَ. وأشار إلى أن النظام الاقتصادي العراقي في الوقت الحالي يتجه نحو اقتصاد السوق، والريادة يجب أن تكون من حصة القطاع الصناعي الخاص، وعلى الجانب الرسمي أن يبدي اهتمامه بهذا القطاع الحيوي الذي يمثل ركيزة كبرى في المنظومة الاقتصادية لكونه منتجاً، على عكس القطاع التجاري الذي يتميز بالاستيراد فقط.
مغادرة رؤوس الأموال العراقية
وبشأن رؤوس الأموال العراقية ومدى قدرتها على قيادة تطور القطاع الصناعي، أوضح رئيس الاتحاد أن رؤوس الأموال العراقية واجهت ظروف الحصار ومرحلة السلب والنهب التي شهدها العراق بعد التغيير، لذا هاجرت هذه الأموال إلى خارج البلد وتم استثمارها وتشغيلها لتستفيد منها دول الجوار وذلك على حساب ما تم تعطيله في الداخل.
فيما يقترح عضو اتحاد الصناعيين العراقيين، علي السنيد، إعطاء المعامل الصناعية الحكومية المتوقفة إلى القطاع الخاص لإعادة هيكلتها والنهوض بواقعها. وقال السنيد: بما أن الدستور العراقي أوصى بتحويل نظام الاقتصاد العراقي من الشمولي الى السوق الحر فعلى الحكومة إعطاء الصلاحية الكاملة والدور الفاعل للقطاع الخاص للنهوض بالاقتصاد الوطني.
وأضاف: يجب خصخصة جميع المعامل المملوكة لوزارة الصناعة والمتوقفة عن العمل حالياً لتخفيف العبء الثقيل الذي تتحمله الدولة وإعادة المعامل الصناعية الى العمل لتصبح معامل منتجة وأكثر فائدة للدولة.
وأوضح: أن سبب تخلف القطاع الصناعي العراقي يرجع الى عدم تشريع القوانين الداعمة للقطاع الخاص والبقاء على القوانين الشمولية في زمن النظام السابق.
تعددت الأسباب والهمُّ واحد
كثيرة هي الأسباب التي يمكن الإشارة إليها عن تردي الواقع الصناعي الخاص في العراق، وإذا كانت الكهرباء هي أم العلل في كل مجالات الحياة التي يعاني منها الفرد العراقي، فالمختصون في الجانب الصناعي لهم آراء أخرى، إذ يؤكد المهندس طالب عبد، أحد مهندسي الإنتاج في القطاع الخاص: أن هناك مشاكل عامة تعاني منها الصناعة الوطنية كالأمن والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية، أما المشكلات الخاصة فتتمثل بتقادم المكائن والمعامل وكثرة العطلات فيها وندرة عمليات التأهيل والتحديث، الأمر الذي أثر بشكل سلبي في الصناعة الوطنية، فهناك معامل ومصانع مازالت تعمل، لكن إنتاجها أقل بكثير من المطلوب أي أقل من جهدها الصناعي، وهذا يقود إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في وقت اتسعت فيه المنافسة واشتدت بسبب الانفتاح غير الطبيعي وغير المنضبط على السلع والبضائع الأجنبية، ما يجعل منتجاتنا الوطنية في وضع لا تستطيع فيه منافسة مثيلاتها المستوردة التي تمتلك أسباب المنافسة والمزاحمة، كما أن ثمة مشكلات أخرى يعاني منها القطاع الصناعي الخاص منها عدم توفر السيولة النقدية الخاصة في المصانع، ذلك أن الظرف المضطرب قد استنزف طاقات المعامل التي ظلت رغم توقفها عن الإنتاج اوتدنيها تدفع الضرائب ومبالغ الاستئجار وتكاليف الحراسة.
معالجات مطلوبة
يرى بعض المختصين أن الأمر لم يصل إلى مرحلة اللاعودة في نمو قطاع صناعي منتج إذا ما جرت دراسة الأسباب والنتائج بشكل علمي ومدروس وإذا ما أسهمت الدولة، بكل ثقلها المالي والأمني والخدمي، ببناء قاعدة صحيحة لنمو صناعة عراقية مزدهرة.
ستار السامر، مدير عام مؤسسة اقتصادية، أشار إلى أن هناك العديد من المعالجات لغرض إنعاش المنتج الوطني من خلال وضع ضوابط للاستيراد وإخضاع جميع السلع والمواد المستوردة لتدقيق الجهاز المركزي للتقيس والسيطرة النوعية قبل دخولها ووصولها إلى المستهلك، ووضع الرسوم عن طريق الإعفاءات وإعفاء المواد الأولية للمعامل من الرسوم الكمركية وإعفاء المشاريع الصناعية من ضريبة الدخل ولمدة 3 ـ5 سنوات أسوة بالمنتج الزراعي والمزاعين الذين أعفتهم الدولة من دفع ضربية الدخل وتشغيل عجلة الصناعة الوطنية بتحديث المشاريع الصناعية القائمة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.