إمضاءات شوقي عبد الأمير

258

باسم عبد الحميد حمودي /

يزدحم رأس الشاعر بالتأملات وبالشعر وهو يعيش أيام بيروت أو في وكره القديم في عدن, وهو ينتقل مكانياً الى باريس حيث عاش تلاقح حضارات تجتمع ذهنياً وفلسفياً معاً, رغم اختلاف التواريخ والمسافات والرؤى.
اعتاد عبد الأمير تدوين هواجسه وشعره في صفحتي كتاب لم يكتب قط, ذلك أنه (يتشكل في لحظة ذوبان الجسد في محيطه قطرة قطرة كمن يعصر كينونة في برهة طارئة).
واعتاد أيضا أن يستجوب الطارئ قبل أن ينفلت ليسقط خارج الاستمرار المجاني, وأن يستوقف (رمل الاندثار وهو يتراكم زائغاً بين أصابع اللحظة).
هو بهذا يترك إمضاءه توقيعاً ثم يمضي في شهادة هو من يمحو ومن يمحى فيها, وبذلك يعلل عبد الأمير أسرار كتابه ((إمضاءات)) بالقول:
(إنه الإمضاء والمضي يقودان الكتابة لدي..هما مصباحي المتقد ليل نهار, لا لأنه يشبه مصباح ديوجين الإغريقي، بل وبكل بساطة لأنه معلق دائماً في سقف عتمات الداخل..إنني أمضي في كل لحظة ولي أمضاء بها ولها).
جمع عبد الامير جزءاً من الإمضاءات في الفصل الأول من هذا الكتاب على شكل نثر تسجيلي يسميه شوقي أيضاً سرداً توثيقياً ويصفه بأنه (دخان مجفف من ثلاجة الحاضر لمشاهد وحرائق المكان والدم والحبر)، تجمعت لديه على شكل (أوراق من أطلس شخصي), كان منها ذلك الفصل وهو يشمل عدة قصائد للشاعر منها مطولته المؤرقة المشحونة بالذكرى وغبار الأمكنة وعرقها وأعرافها بعنوان (جنوب).
و(الجنوب) بهذا (جنوبات) لا جنوباً واحداً أذ يقول:
حدثيني لماذا يصير الجنوب
قبة, والسماء
عابراً أزرق المناه
وينشد :
حدثيني لماذا يصير الجنوب
سفناً، والبحار
وطناً لممالك هالكة في المياه
والجنوب صور ومعاناة ووطن ومناف, وهنا لا تقتصر أوراق الأطلس الشخصي على قصائد الشاعر بل تضم مجموعة مقالات وأفكار عن الشعر والأدب والشعراء, وفي (إمضاءات) ينشر الشاعر بضع كتابات تجمعت في الفصل الثاني وهي مقاربات في شؤون الحياة من منطلق((محاورة النسغ الخفي بين ما يكتب (النص) ومن يكتب))، وهو بذلك يحاور اللغة ابتداء من اللفظة الدالة على معنى وتحولات المعنى, حيث (النص) استناداً الى قلم وفكر الناصية, وهو يمهد لكل الفصل بمقدمة تحمل اسمه, يناقش فيها مفاهيم ومداليل ألفاظ, مثل القراءة-نقرأ –نتقرى-إيماناً منه بأن اللغة العربية في تحولاتها كانت شعراً, وأن الشعر كان سليقة, وأن التحولات في المعنى نتجت عن تحولات اجتماعية. ورغم أنني لاأوافق الشاعر –المؤلف على أن اللغة العربية كانت في بداياتها شعراً لأن اللغة بداية دلالة حوار وتهجسات إفهام وتفهيم للوصول الى الحقيقة المجردة, لكني أجد أن ولهه باللغة قد دفعه الى قوله هذا.
في أقسام (ناصية ونص) تأملات عن(مكتبة ما بعد الطوفان) العراقية ومختارات من نصوص سومرية ومقطع من كتاب سردي بعنوان (بئر أنا ئيل)؛ حيث (أنا ئيل) هنا شخصية مركبة من من الضمير (أنا) وكلمة (إيل) التي تعني بالسومرية(إله) وبالسبئية (شاهد) وهي الضمير IL الذي يعني بالفرنسية (هو) ووفي النص حيرة شاعر تاه منذ كلكامش, وارتكب خطيئة البحث في اللغة والفكر.
في (عقيق المرارات)، وهو القسم الثالث من الكتاب، تجد استذكارات عن شعراء مهمين مثل الجواهري وقباني والبياتي وتحليلات لحيوات وقصائد رامبو وبرنارد نويل وترجمات لقصائد آخرين, لتكون (إمضاءات) نوعاً يسميه المؤلف شكلاً من أشكال انتشار النص خارج الحدود (العرفية) لما يسمى بـ (الفن الشهري), ذلك أنه نوع من إعادة اكتشاف علاقة الشعر باللغة وبالإنسان وأزماته الدائمة.
الإنسان هنا هو الإنسان الشرقي الشاعر الذي يحلم ويكتب ويعاني ويتجدد وسط أزماته ومعاناته ويزداد غنى.
(إمضاءات) شوقي عبد الأمير نوع ثقافي يحتاجه القارئ لاستجلاء ثقافته التي يمنحها الشاعر –الكاتب نوعاً جاداً من الإضافة وإعادة جلاء الذهن، المتعب دوماً.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.