اقتفاءُ أثر العارف

317

علي السومري /

بالرغم من مرور عام كامل على رحيله، لا يستوعب أغلب أصدقائه هذه الفاجعة حتى اليوم، فاجعة يوم نيساني مشمس غادر فيه عقلٌ جبار لشاعرٍ وروائي وباحث ومحقق إلى غير رجعة. قاسم محمد عباس.. الكاتب الذي تفرّد بالكتابة عن التصوف ورموزه وأهم مشايخه وأسراره، عبر كتب تجاوزت الثلاثين كتاباً، وعدّت من أهم مصادر هذا الحقل في العالم العربي.
ومن أجل استذكاره في سنة رحيله الأولى، خصص أصدقاؤه من المثقفين والفنانين والإعلاميين يوماً كاملاً له، من خلال جلستين استذكاريتين، سلطوا فيهما الضوء على نتاج الراحل ومآثره ومواقفه.
رصانة الأدب والأثر
في الجلسة الأولى، التي أقيمت صباح يوم الجمعة الموافق 5/4/2019، على قاعة نازك الملائكة في المركز الثقافي البغدادي بشارع المتنبي، وقدم لها الإعلامي عماد جاسم، تحدث فيها العديد من الأصدقاء عن إنجازات الراحل قاسم محمد عباس الفكرية والمعرفية وإسهامه برفد المكتبتين العراقية والعربية بالعديد من الكتب.
الكاتب حسين محمد عجيل، تناول في كلمته المكتوبة بألم الفقدان، قيمة الراحل الفكرية وانشغاله المستمر في البحث وتحقيق الكتب، مشيراً إلى أن “عزاءنا في هذا الرحيل يبقى في رصانة الأدب والأثر اللذين تركهما الراحل، عبر منجز إبداعي ثري في أكثر من مجال.”
ألقى بعدها الشاعر عبد الزهرة زكي قصيدة مهداة إلى روح الفقيد، في حين تطرق الشاعر الدكتور نصير غدير في حديثه الى حياة الشاعر وأسراره مستعرضاً بعض القصص التي جمعتهما معاً والتي كان عمادها البحث والتحقيق.
شغف الكتابة
أما الناقد السينمائي والصحفي علاء المفرجي، فتحدث عن مشاركته العمل الصحفي مع الراحل طوال سنوات عديدة، إذ قال: “هو أوسع الناس صدراً وأجزل الناس نفعاً، ضحكته تبسُّم واستفهامه تعلُّم، مذكِّر للغافل، ومُعلّم للجاهل.”
تحدث بعده الشاعر الدكتور حسن عبد راضي عن كتاب الراحل الموسوم (الحلاج.. الأعمال الكاملة) معرباً عن ألمه لخسارة عقل منتج وجاد، رحل في غير أوانه.
ألقى بعدها الشاعر زعيم نصّار قصيدة بالمناسبة، ليعقبه الكاتب عمّار كاظم محمد بكلمة عن لقائه الأول بالراحل وعلاقتهما التي توثقت بشغف الكتابة عن التصوّف لديهما.
ألقى بعدها الشاعر والروائي أحمد سعداوي قصيدتين، وكلمة مقتضبة عن الراحل، قال فيها أن الراحل استحق لقب العارف الذي أطلق عليه، فهو العارف بأسرار المحبة وقوتها.
في حين تحدث الروائي عبد الكريم العبيدي عن السنوات التي قضاها مع الراحل والحوارات التي كانا يجريانها معاً في البحث عن معنى كل شيء.
الوضوء بالدم
أما الدكتور سعد عزيز عبد الصاحب فتطرق في كلمته إلى مساهمة الراحل في إنتاج الفيلم الوثائقي (الوضوء بالدم) الذي أخرجه الدكتور حسن قاسم وحاز على جائزة دولية، فيلم سلط الضوء على حياة الحلاج وعذاباته، من خلال مساهمته بكتابة السيناريو وحضوره كمتحدث فيه.
ألقى بعدها الشاعر الدكتور نصير غدير كلمة بالنيابة عن الكاتب حكمت الحاج أرسلت بالمناسبة الأليمة.
موسيقى حُلم الصوفيّة
أما الجلسة الثانية، التي أقيمت مساءً في مقهى (كَهوة وكتاب) وحضرها حشد من الجمهور إضافة لأبناء الراحل قاسم محمد عباس، فكان للموسيقى فيها حضور باذخ، عبر المقطوعات الموسيقية والموشحات التي قدمتها مجموعة (حُلم) للموسيقى الصوفية.
الجلسة التي كان عنوانها (اقتفاء أثر العارف)، وقدم لها الروائي أحمد سعداوي، ألقى فيها الأخير قصيدة مهداة إلى روح الفقيد، قال في مقطع منها: “دع الأشياء التي تنتهي.. تنتهي/ دع السيول التي تجرف البيوت المجاورة تأخذ أريكتك القديمة أيضاً/ دع القصائد الثلاثين على الطاولة من دون تنقيح/ فالمياه الموحلة لا تعرف، على أية حال، هذه اللغة التي تكتب بها/ اترك هذا المعبد المليء بروائح الراحلين وأغراضهم ومقتنياتهم، ينهار محمولاً على مياه السيل إلى حيث لا تعلم/ توقف عن هذه الطقوس التي تسحبك إليها كل يوم مثل مخدّر بالآلام/ دع السيل ينشئ لك عبادة جديدة/ عبادة جوهرها أن تدع ما ينتهي.. ينتهي.”

العارف والمُعلّم
ألقى بعدها الفنان رائد محسن كلمة نيابة عن الفنان الدكتور أحمد شرجي، الذي لم يستطع حضور الجلسة الاستذكارية بسبب سفره إلى تونس للمشاركة في مهرجان مسرحي دولي، كلمة كانت كتلويحة حبيب بعيد، قال فيها: “سرقت منا بغفلة، وهذا غدر الموت دائماً، حين يأخذ منّا من نحب فجأة، عجيب (هكذا كما تقولها بطريقتك)، كيف لم ننتبه لذلك؟ كيف وأنت العارف يا صديقي وأخي ومعلمي”، مضيفاً: “قاسم لم أستطع الحضور استذكاراً لرحلة غيابك الأولى، وسبب الغياب سيفرحك، أعرف ذلك، سأكون في جندوبة التونسية لتقديم مسرحية (ستربتيز)، لكنني سألوح لك من هناك، وأضحك على فكرة الرحيل الغبية التي أجبرتنا عليها.”
كان ملاكاً
ألقى بعدها الشاعر عبد الزهرة زكي قصيدة مهداة لروح الراحل قاسم محمد عباس، يقول في مقطع منها: “حينما مات/ قلنا: كان ملاكاً، مرَّ بنا فلم نره/ وفيما هو نعشٌ على أكتاف مشيعيه/ كانت أشجارُ شتاءٍ ما زالت يابسةً/ وكانت تريدُ أن تراه لتودّعه/ فكان، من أجلها ومن أجله، ربيعٌ لنهارٍ واحد/ وكان ورقٌ أخضرُ على أغصانها/ وكانت أغصانها تزهر ورداً أبيض/ فكان ورق الورد دثاراً للنعش.”
أما الكاتب والشاعر حسين محمد عجيل، فقرأ قصيدة بعنوان (في حضرة قاسم محمد عباس) قال في مطلعها : “سالكاً شارعَ أميراتك/ جئتكَ عند “الصخرة” خائفاً أترقبُ/ قد نسيتُ الحياةَ/ كنتَ وحيداً مثلي خلف الباب الموصد/ صورتُكَ وسيماً وأنيقاً، بين الآسِ والشموع تضيء القاعة/ أنتَ تنظر إلى ما وراء الوراء، وأنا أتطلع من خلف غلالات الحُجُبِ.. أبحثُ عنكَ…/ وحيدينِ في عزلتنا نحنُ كما عشنا ضِعفَ سنيّ يُوسفَ.”
متابعة المخطوطات
في ختام الجلسة، تحدث الشاعر الدكتور نصير غدير عن الراحل قاسم محمد عباس، وتأثير الأخير في حياة الكثير من الأصدقاء، ومشاركته في الكثير من المشاريع الثقافية والإبداعية، ومكانته عند مريديه وصحبه، مشيراً إلى أن مشروع الراحل لم يكتمل بعد، لوجود عدد من المخطوطات التي لم تطبع بَعدُ، فضلاً عن مشاريع أخرى، كان الفقيد قد وصل فيها إلى مراحلها النهائية، مشاريع قال (غدير) بأنه سيتابعها حتى اكتمالها ونشرها وإنجازها.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.