الشاعر والمترجم صادق بشيرلي: النظام البائد أقصى الثقافة التركمانية

149

حاورته : “مجلة الشبكة” /

هو شاعر تركماني، أصدر ثلاثة دواوين شعرية، وترجم عن اللغة الأذرية للعربية كتاب (ربّاه قد أتيتك)، شاعر يؤمن بأنّ للأدب رسالة مهمة، هي من مهام الكاتب.
إنه الشاعر والمترجم صادق بشيرلي، الذي حاورته “مجلة الشبكة” للاطلاع على نتاجه الإبداعي:
* المعروف أن الترجمة عامة مهمة صعبة وأن ترجمة الشعر مهمة أصعب، لكن حين قرأت الديوان الذي ترجمته للشاعرة الأذربيجانية (صونا ولي ييوا) والمعنون (ربّاه قد أتيتك) كانت القصائد وكأنها مكتوبة اساساً بالعربية، بمعنى أنك نقلت لي جو الشعر الأذري وبيئته وإحساس الشاعرة، هل لأنك شاعر بالأساس؟
– الترجمة صعبة بلا أي شك والخوض في غمارها يحتاج الى قدرات خاصة، وأصعب ترجمة هي ترجمة الشعر، لكنها احياناً تكون هيّنة بعوامل، منها: دافع الشوق الذي يزرع جمالية المتن الأصل في نفس المترجم. تعرفت على شعراء وشواعر من أذربيجان واطلعت على أشعارهم، وكانوا بارعين في وصف الطبيعة والتعبير عن معاناتهم، من حروب طالت مدداً ففقدوا فيها مدناً، هذه النقطة المشتركة بيننا كانت أيضاً دافعاً لي على ترجمة كتاب (ربّاه قد أتيتك) أيام كانت فيه أجزاء من وطننا محتلة من قبل الدواعش، فشاعريتي ومشتركات المأساة، أعاناني على أن أتقمص روح الشاعرة وشعورها وأظنّني أفلحت في أن أجعلها تنبض بالحياة في لغة أخرى ومناطق سمعت بها ولم أرها.
* هذا الكتاب حمل عنوان (ربّاه قد أتيتك) فهل لهذا العنوان ارتباط وثيق مع قصائد الكتاب كألفاظ ومفاهيم؟
-مع الأسف، استطيع أن أقول لا، الكتاب كان منذ بداية تأليفه بالأذرية يحمل اسم (آراز باري) أي (نهر الرس وضواحيه)، إلا أني وإلى الآن لم أعرف السبب الذي دعا الشاعرة إلى تغيير ذلك الاسم الذي كانت قصائد الكتاب مصاديق واقعية له وقريبة منه لفظاً ومعنىً. فأرجو أن لا أُسيء الظن إن ظننت أن الشاعرة تخيلت العالم العربي بشكل عام والعالم العراقي بشكل خاص، لا يعير اهتماما أكثر من الاهتمام باسم مقتبس من آية قرآنية أو حديث أو ما يتعلق بالدين والمذهب، خاصة وأن الترجمة وطلبها صادف أيام احتلال الدواعش لأجزاء من البلاد. ولكني كنت أتمنى لو بقي النتاج على عنوانه الأول لكان أفضل وأجمل وأصدق.
* من عادتك ترجمة أبيات لجلال الدين الرومي أو لسعدي الشيرازي أو لصائب تبريزي، وقلّما ترجمت قصيدة بكاملها من الأذرية او الفارسية، فما الذي دعاك إلى ترجمة كتاب هذه الشاعرة، وهو نتاج مؤلف من ٢٥٠ صفحة؟
– قلّما ترجمت قصائد بكاملها من الفارسية إلى العربية من مثيلات قصائد هوشنك ابتهاج و مصطفى قليزاده وآخرين، ومثلما تفضلتم في السؤال، فإني اختار أبياتاً من أشعار مولوي أو صائب تبريزي أو سعدي الشيرازي، ذلك لأن الترجمة عمل شاق يضني الروح إذا كانت تنبع من دواخلها بما ينسجم ويتفاعل المترجِم مع المترجَم بقلبه وروحه حتى يتأطر النتاج بإطار الروعة والإبداع.
أما السبب الذي دعاني إلى ترجمة ديوان (ربّاه قد أتيتك) فيكمن أولا في الشغف الذي يجيش في صدري إلى عمل الترجمة، ثم وددت أن أُنشئ أو أشارك مترجمين آخرين، في إنشاء جسر ثقافي لتعريف شيء من الأدب الأذري إلى الناطقين باللغة العربية، إضافة إلى تعريف المعاناة والظلم الذي وقع على الأذريين، خاصة وأن الشاعرة تبرز في بعض قصائدها كلوعة تحرق القلوب بما تذهب نفسها من حسرات الى (قرة باغ) و (شوشا). ولعل سبباً آخر هو بعض قصائدها التي وجدتها ذات خصوصية في وضع الإصبع على الداء وتعريف ما لم يتم تعريفه من قبل شعراء آخرين من قبلُ.
* إن كان هذا الديوان المترجم فاصلة في إبداعك فماذا قبله؟
– ترجمت كتباً الى الأذربيجانية حينما كنت أعمل في مؤسسة دينية في دار المهجر، لكن كتاب (ربّاه قد أتيتك) هو أول كتاب شعري ترجمته، أما نتاجاتي الأخرى فهي ثلاثة دواوين شعرية اثنان منها باللغة التركمانية والثالث شعر بثلاث لغات: التركمانية والفارسية والعربية.
* لنتحدث قليلاً عن الظروف التي جعلتك شاعراً، بعيداً عن الغزل بدرجة وقريباً من الوجع الإنساني..
– الموهبة الذاتية هي الأساس ثم يأتي دور البيئة والظروف شدة ورخاءً، حلكة الظروف غطّت الأرجاء كلها وعمّت الجميع ولم تدع مجالاً للراحة، وهنا من الطبيعي أن تجعل هذه الظروف القريحة زاخرة بما فيها، وبلا نضوب.
* حتى قصائدك الغزلية قريبة من التصوف، وقد ترجمت في ديوانك الأخير قصيدة وأبياتاً لمولانا جلال الدين الرومي..
– المعروف عند تركمان العراق أنهم قلما يكون بينهم من لا يعرف الخوريات أو ينظمها، والخوريات نوع من الرباعيات في الشعر التركماني، وهي من مصادر الإلهام الأساسية لكل من يولد وتولد موهبة الشعر معه، ومن جهة أخرى أن أمهاتنا وجدّاتنا مغرمات بالحكايات الشعبية التي غالباً ما تنظم شعراً باللغة التركمانية، ووالدتي (رحمها الله) كانت مولعة بقراءة دواوين شعرية في رثاء أهل البيت (ع). وكانت، وأنا صغير السن، تروي لنا تاريخ عائلتنا وعن تاريخ كركوك وبشير، فمن والدتي عرفت ان عشيرتها (آيدنلي) تنتمي الى (آي طولدو) – الوزير المذكور قبل ألف عام في كتاب (قوتادقو بيليك) لـ(حاجب يوسف بلاسو غوني).
* وماذا عن الغزل في قصائدك؟
– في البداية وحتى لمدة عقدين من الزمن لم أكن بعيداً عن الغزل، ولكن ذلك الغزل الذي لا يخرج عن إطار المُثل، وهو بين الصناعي والعاطفي في أكثر القصائد، ففي النتاج الأخير (القلب بدوني والروح بدونك) لملمت أكثر اشعاري التي كتبتها منذ أوائل الثمانينات حتى أيام طبع الديوان، وأقر أن الغزل يحتل فيه مساحة غير قليلة، ولكن لا ينبغي التغاضي عن القصائد أو القطع التي تناولت قضايا اجتماعية أو سياسية، إضافة الى ترجمات مختلفة المصادر والمعاني.
*برأيك ماهو وجه الشبه بين الشعر الأذري والشعر العربي؟
– أعتقد أن الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى ناقد يمتلك خبرة واسعة في الأدبين الأذري والعربي. وبما أن الشاعرة (صونا) لها خصوصياتها واستقلاليتها في اختيار المواضيع والتعبير عنها، فلا استطيع المقارنة بينها وبين أي شاعر عربي ولا سيما أني قليل الاطلاع على أشعار الشعراء العرب المعاصرين. ولربما البكاء او بث الحسرات على قرة باغ وشوشا سمة مشتركة تجمع بينها وبين بعض شعراء المهجر مثل شعراء فلسطين.
أما من جانب الوزن الشعري فالوزن الذي اقتفته الشاعرة هو وزن خاص بالعرق التركي ويسمى وزن (الهجاء).
* كشاعر تركماني، هناك شعراء تركمان كبار جداً على خطى جدهم فضولي، شاعر التركمان الأكبر ومجدد الشعر التركي، وأنت من استقبلهم، وبينهم من منح قبل رحيله دكتوراه فخرية، كل هؤلاء الذين رحلوا والذين هم على قيد الحياة معروفون جداً في العالم التركي وغير معروفين في بلدهم العراق، حتى الذين يكتبون بالعربية، ما هو السبب؟ تهميش أم تجاهل أم أن هناك اسباباً أخرى؟
– الحقيقة مرّة! إذ يجب أن ننحو باللائمة على القسم الكبير من الشعب التركماني، ولاسيما المثقفين، إذ لم يلق أدبهم منهم اهتماماً بالحد المطلوب ولا بالمستوى الذي ينهض بأدبائهم إلى المصاف الإقليمية على الأقل.
* مما يظهر من الاستقراء والاطلاع على أسماء شعراء تركمان أنهم لم ينالوا إلا شهرة ضئيلة في البلدان الناطقة بلغتهم من أمثال المرحوم حسن گورم والمرحوم محمد صادق وحتى العلّامة المرحوم علي معروف؟
– بطش النظام البائد وسوء علاقاته ساهما في إقصاء الثقافة التركمانية مع دول الجوار وتهميشهم ومحاربتهم محاربة طائفية وقومية، ولعبا الدور الأساس في انغلاق التركمان على أنفسهم ومحيطهم، فهم قالوا وهم سمعوا، إذ لم يطلع أتراك دول الجوار على شعراء التركمان المتميزين. أما القلة القليلة فبفضل علاقاتهم الشخصية وانتماءاتهم الخاصة برزت أسماؤهم في بعض أنحاء تركيا وأذربيجان. لذا لم ينعكس الشعر التركماني الجدير في البلاد الأخرى. لهذا السبب لا نجد ذكراً لتوفيق جلال أورخان او حسن گورم او محمد صادق في تبريز أو باكو وآخرين، وأكثرهم انزواءً (قسرياً) هو المرحوم (علي معروف)، هذه الشخصية الأدبية التي أسهمت في إثراء الأدب التركماني بنتاجات لا مثيل لها في الدول التركية بالرغم من مواجهته منافسات طويلة، إن لم نقل حسداً طويلاً.
(وداؤك منك وما تشعر)
ينبغي أن نعرف جميل شبكة الإعلام العراقي ونشكرها لِما قامت به من طبع كتاب الأستاذ معروف أوغلو (علم البلاغة في الأدب التركماني). ومن دواعي السرور أن وصلت نسخ عديدة منه الى أذربيجان إيران. ومع الأسف أن للمرحوم الأستاذ معروف أوغلو مؤلفات أخرى ماتزال في رفوف بيته المتواضع، فلم ينبرِ سياسي ولا ميسور حال ولا جهة لطبع ونشر حتى نسخة واحدة منه، مع أن المرحوم الأستاذ علي معروف لم يترك الكتابة حتى أواخر أيامه من عمره الذي ناهز الخامسة والتسعين .

او گوزلریم به به گی
من ئوزونون واییندا
ئوزو بو وایدا ده گی
* أليست مفارقة عجيبة أن تجد شعراء تركماناً يؤلفون نظيرات لأشعار المرحوم شهريار التبريزي، لكنهم لا يعرفون عشرة أبيات من أشعار المرحوم عثمان مظلوم، مثلاً، وأظن أن شهريار لم تطرق سمعه قصيدة واحدة من أشعار التركمان؟
– في الستينات من القرن الفائت كانت هناك مكتبة صغيرة قرب رأس الجسر في كركوك تعرض وتبيع عشرات المؤلفات لشعراء أذربيجان إيران من قبيل كتب كريمي مراغه اي و صراف التبريزي وآخرين، بينما لم يطلع الأذريون الإيرانيون على أي كتاب لأي شاعر تركماني حتى صدور ديواني (يوواسيز) (طير بلا عش) عام ١٩٩٧، الذي طبع في قم، و( بير بارداغدان بير ده نيز) ٢٠١٠ ( بحر من قدح) و(يوره ك منسيز جان سنسيز) (القلب بدوني والروح بدونك) ٢٠١٧. وثمة شاعر معاصر آخر هو الأخ سمير كهية أوغلو، فللحق نقول إنه لم يألُ جهداً في هذا المجال، فقد جاد بأمواله وأّلف كتباً عديدة في تبريز، وبحكم علاقاته الشخصية تمكن من نشرها هناك وفي مناطقنا التركمانية، والجود بالمال (في الساحة الأدبية) أقصى غاية الجودِ.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.