القاصّة بلقيس خليفة: ابتسم إنّها تمطر

42

خولة الفرشيشي /

عرفت القاصّة والكاتبة التونسية بلقيس خليفة بسخريتها اللاذعة في نصوصها القصصية، ما جعلها صوتاً متفرداً ومختلفاً عن بقيّة الأدباء في تونس. صنعت صاحبة “ابتسم إنّها تمطر” مكانة متفردة لنفسها، تشدّ انتباه النقاد وتنال إعجاب القرّاء، قلم شفاف ضاحك ساخر، يرسم البسمة على شفاه القارئ، استطاعت أن تنقل أوجاع الذات الإنسانية وهمومها بلباقة ساحرة، إنّها بلقيس خليفة القاصة التونسية التي حاولنا التعرف على تجربتها الإبداعية في هذا الحوار.

كيف تعرِّف القاصّة التونسية بلقيس خليفة نفسها للقارئ العربي؟

بلقيس خليفة مدرّسة اللغة العربية والأدب في المعاهد الثانوية.. تكتب القصة منذ أواخر التسعينات. لها مجموعتان قصصيتان منشورتان، وبعض المخطوطات الأخرى بين قصص ورواية وتطمح الى أن تحتل مكانتها في الإبداع العربي بما يليق بالأدب التونسي.
أين تصنفين نفسك في ظلّ تعدد وكثرة مدارس القصة القصيرة؟

ضمن كتّاب القصة الساخرة إلى حد الآن، ولا أدري ماذا يحمل لي القادم، فليست الكتابة عندي سوى حالة نفسية، متغيرة. وطبعاً هذا الأمر عائد لبنية النص ودلالته وأبعاد النصوص ومضامينها، وأنت تعرفين أن النص القصصي له اشتراطاته ولهذا أسعى جاهدة الى أن التزم بمعايير كتابة قصة لها عمقها المعرفي.
عرفت القاصة بلقيس خليفة بأسلوبها الساخر في كتاباتها، فهل تعمدت أن تكوني كذلك أو أنّه انقلاب معين على أسلوب القصة القصيرة في تونس وأيضا في العالم العربي؟

السخرية هي جزء من شخصيتي، أو لعلها الملمح البارز في شخصيتي. لم أختر السخرية في الكتابة بشكل مسبق، لكن الذاتي عند لحظة الكتابة فرض نفسه وجعلني أسخر من كل شيء حتى من الوجع، وليست السخرية هنا بشكل هش، إنما أؤكد لك عبر هذا الحوار أن ما أريده سخرية يعيها المثقف والشخص البسيط لأنها تحمل دلالة حيّة ومدلولاً تعبيرياً.

هل مازلت تؤمنين بأن للقصة القصيرة مستقبلاً وهل ستحافظ على مكانتها التقليدية في ظلّ نزوع الكتّاب والقرّاء نحو الرواية؟

في الواقع أظن أن القصة ظلت على الهامش دائماً في مقابل ما تحتله الرواية من مركزية لدى النقاد والقراء على حد سواء، لكني أرى أن القصة قادرة على اقتلاع مكان قريب من المركز في الأيام المقبلة في مقابل تراجع الشعر، وذلك لقدرتها بحكم قصرها وتكثيفها على التعبير عن مقتضيات الواقع المتحول، والنسق المتسارع للأحداث، الذي أثر بشكل أو بآخر في ميولات المتلقي، والقارئ سيؤثر بدورة في اهتمامات الناقد ومتابعاته.

بصراحة.. هل أنتِ مع تجديد تقنيات ومضامين القصة القصيرة، لا سيّما وقد عرف بعض الكتاب بألقاب مثل شعراء القصة القصيرة، فهل يمكن أن تنافس القصة القصيرة الرواية فيما يتعلق بالتخييل والشعرية؟

شخصياً أنا مع تجديد البنية السردية للقصة، مع التجريب، مع تهشيم خطية السرد، مع التلاعب بالشخصيات وحتى بالقارئ..لكني لست مع الشعرية في القص،أحب التمايز الواضح بين الأجناس وأنماط الكتابة، فما يميز القصة هو تقنياتها الفنية المختلفة عن الشعر والرواية، لهذا لا، لست أرى من داع لاستعارة الشعرية واستحضارها في السرد الذي يفترض أن يكون واضح التبئير والرؤية، مصوباً سهمه بوضوح في اتجاه خرق افق انتظار القارئ اللاهث صعوداً نحو تأزم الأحداث.

طيب ما تقييمك للقصة القصيرة في تونس وفي العالم العربي اليوم؟

أرى أن السرد عموماً بخير وخاصة الرواية، أما القصة فهي تقاتل بشراسة من أجل أن تقتلع لها مكاناً أكبر تحت الضوء وحيزاً أهم لدى النقاد، وهي قادرة على ذلك شرط أن يؤمن كتّاب القصة بهذا ولا يسارعون إلى التخلي عنها وكتابة الرواية كما لو أن كتابة القصة هي الخطوة السردية الأولى التي تسبق كتابة الرواية.
من خلال تجربتك في مجال الكتابة والإبداع، وأيضاً النضال، فأنت ذات ميولات يسارية وعرفت بنضالك في صفوف اليسار منذ دراستك الجامعية، فهل تؤمنين بأهمية الخلفية النظرية في النص أي أن النص يحمل رسالة سياسية واضحة أو بالإبداع فحسب؟

في الحقيقة ميولاتي اليسارية بدأت أبكر بكثير من الجامعة فهي انطلقت منذ الثانوية، وقد أغنى نشاطي المبكر ضمن اليسار تجربتي في الحياة وفي الأدب أيضاً بحكم اطلاعي على تجارب الكتّاب الروس وأغلب كتّاب اليسار في العالم، وقد أفادني هذا لاحقاً في تجربة الكتابة بعد أن تم هضمه وعصره وتصفيته، وإن كنت قد تخليت عن الآيديولوجيا ولم أعد من أنصار الكتابات الهادفة والالتزام الفني وصوبت بوصلتي أكثر في اتجاه الذات البشرية بكل أبعادها وتناقضاتها، نحو الإنسان حيثما كان وأينما كان. أعتقد أن الخلفية الفكرية مهمة جداً عند الكاتب، ورغم أنها قد لا تطفو بشكل جلي على سطح النص فإن وجودها ضروري جداً، فكم من جملة سردية تختزل حضارة وتاريخاً، وكم من عبارة تقول حقبة بأسرها أو ملحمة جماعية أو تختزل نظرة للوجود، أو نسقاً فلسفياً برمته.

طيب كيف تحكمين على القارئ التونسي والعربي، وهل تمنيت قارئاً مختلفاًعن القارئ الموجود؟

القارئ التونسي كسول جداً ولا يقرأ إلا ما ذاع صيته، مهما بلغت تفاهة الكتاب ومهما كانت الطريقة التي اشتهر بها صاحبه، ليست له ذائقة واضحة، لهذا لا يمكن الحديث أصلاً عن سوق للكتاب التونسي أو تسويق، بالمناسبة أظن أننا على مشارف زمن لن نجد فيه قراء في تونس، فالجميع صاروا يكتبون، لا أظن أن هناك قارئاً عربياً بملامح مشتركة، وإنما هناك قراء عرب بملامح مختلفة، يحاول الفيسبوك تدجينهم أحياناً لتوجيههم كالقطعان نحو كاتب بعينه. لكن لحسن الحظ يوجد هناك دوماً قراء منفلتون فطنون قادرون على التمييز بين الظاهرة الوقتية والكاتب الأصيل.

نترك لكِ كلمة الختام في نهاية هذا الحوار.

أشكر الصحفية خولة الفرشيشي على عمق الأسئلة وفطنتها وأشكر “مجلة الشبكة” التي أتاحت تقديمنا إلى القارئ العربي عبر صفحاتها وإلى القارئ العراقي تحديداً، القارئ العراقي الذي يذكرني بما قيل عنه طيلة عقود، عندما كانت مصر تكتب ولبنان تطبع كان العراق يقرأ، مع تمنياتنا القلبية العميقة للعراق باستعادة عافيته ودوام مجده وعزه.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.