عن السعادة والبهجة في عالم متقلب.. قراءة في “كتاب البهجة”

155

حربي محسن عبد الله /

نعيش في عالم مضطرب بالكوارث الطبيعية والحروب والصراعات التي هي من صنع الإنسان، والعيش في نمط استهلاكي يحوّلنا إلى جزر معزولة، وإن التقتْ في عوالم افتراضية، تجعل اهتمام الأعم الأغلب من الناس ينصبّ على أخبار نجوم السينما وفضائح السياسيين الشخصية، والتسوّق، في حين يغضّون النظر عن مصائر شعوب كاملة يفتك بها الجوع والأمراض والتخلف، والصراعات السياسية بين الطبقات الحاكمة ومصالحها الأنانية، والأحقاد والضغائن لأسباب مختلفة منها الديني والطائفي والعرقي والقبلي. وكل ما يسبب التوتر والقلق النفسي وما بات يسمى أمراض العصر. رغم كل ما تقدم هناك من علّمته الحياة والتجربة بأن ينظر إلى نصف الكأس المليان، ويؤسس لمدرسة مختلفة تدعو إلى حياة من نمط مختلف يدعو للبهجة، ويستشعر السعادة وهو يسير في الطريق الذي خطّه لنفسه على وفق مفاهيم التعاطف والتسامح وقبول الآخر المختلف، وقبول الحياة كما هي بكل تقلباتها، على أساس من قناعة مفادها الإيمان بهشاشة الإنسان ومحدوديته، فهو عرضة للأخطاء الفاجعة وللزوال والفناء. لكن (القدر المظلم لا يحدّد المستقبل بل نحن منْ يُحدده، إننا قادرون في كل يوم وفي كل لحظة على إعادة ابتكار حياتنا ونوعية الحياة البشرية على سطح كوكبنا. هذه هي القوة التي نمتلكها. لا يُمكن إيجاد السعادة الدائمة في السعي وراء أيّ هدف أو إنجاز، وهي لا تكمن في الثروة أو الشهرة، بل تكمن فقط في التفكير البشري والقلب، وهذا هو المكان الذي نأمل منك أن تجدها فيه).. هذا مايؤكده كل من قداسة الدالاي لاما “تينزن غياتسو” و”ديزموند توتو”، رئيس أساقفة جنوب أفريقيا الفخري. الأول يصف نفسه بأنه راهب بوذي بسيط. وهو الزعيم الروحي للشعب التيبتي والبوذية التبتية. تمّ منحه جائزة نوبل للسلام عام 1989. والميدالية الذهبية لمجلس الشيوخ الأميركي العام 2007.
أما “ديزموند توتو” فهو رئيس الأساقفة الفخري لجنوب أفريقيا، أصبح زعيماً بارزاً في الحملة العنيفة من أجل العدالة والمصالحة العرقية في “جنوب أفريقيا” تمّ منحه جائزة نوبل للسلام عام 1984، عُيّن رئيساً للجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا من قبل “نيسلون مانديلا”، إذ مهّد طريقاً جديداً للبلدان كي تتحرك إلى الأمام بعد اختبار الحرب الأهلية والاضطهاد.
بين يدينا كتاب يجمع هاتين القامتين الإنسانيتين يحمل عنوان (السعادة الدائمة في عالم متقلب.. كتاب البهجة) وهو من تأليفهما وحُرر بقلم الكاتب دوغلاس أبرامز، وترجمَهُ محمد ياسر حسكي و ميس بارافي، صدر مؤخراً عن دار الخيال في بيروت.
بدعوة من “الدالاي لاما” لحضور عيد ميلاده الثمانين يسافر رئيس الأساقفة “توتو” إلى “دارامسالا” ليقضي أسبوعاً من الحوارات الجذلة والفكاهات المتبادلة بين اثنين خَبرا الحياة طويلاً وتوصلا إلى البساطة في الحياة وفي التعبير عنها “فكل يوم هو فرصة جديدة للبدء من جديد، وكل يوم هو عيد مولد جديد” هكذا يقول “الدالاي لاما” فيجيبه “توتو”: “فليكن هذا الكتاب نعمة للكائنات الواعية، ولكل أطفال الإله، بمن فيهم أنت.”
تدور الحوارات في هذا الكتاب حول ما أسماه الدالاي لاما “غاية الحياة”، وهي هدف تجنّب المعاناة واكتشاف السعادة. لقد تشاركا حكمتهما التي اكتسباها بصعوبة والمتعلقة بكيفية العيش ببهجة في مواجهة مآسي الحياة التي لا يُمكن تجنبها. لقد اكتشفا معاً الطريقة التي يمكننا من خلالها تحويل البهجة من حالة عابرة إلى سمة متأصلة، ومن شعور سريع الزوال إلى أسلوب حياة دائم. يُنظر إلى هذا الكتاب باعتباره قالب حلوى عيد ميلاد من ثلاث طبقات. تحتوي الطبقة الأولى تعاليم “الدالاي لاما”، ورئيس الأساقفة “توتو” فيما يخص البهجة. والطبقة الثانية من أحدث العلوم المتعلقة بالبهجة وجميع الميّزات الأخرى التي يعتقدان أنها أساسية لتحقيق السعادة، مع الاكتشافات الجديدة في علم الدماغ وعلم النفس التجريبي، هناك الكثير من الرؤى العميقة المُتعلقة بازدهار الإنسان. أما الطبقة الثالثة من الحلوى فهي القصص التي حدثت في “دارامسالا” مع “الدالاي لاما” ورئيس الأساقفة أثناء الأسبوع، والمقصود من هذه الفصول الخاصة والشخصية هو السماح للقارئ بأن ينضمّ إلى الرحلة بدءاً من العناق الأول وحتى الوداع الأخير.
في نهاية الكتاب ثمة تمارين للبهجة شاركنا المُعلمان كلاهما تمارينهما اليومية، وهي مرتكز حياتهما العاطفية والروحية، والهدف هنا ليس خلق وصفة لحياة مُبهجة، بل تقديم بعض التقنيات والتقاليد التي ساعدت الدالاي لاما ورئيس الأساقفة وعدداً لا يحصى من الأشخاص الآخرين في الألف عام من تقاليدهم الخاصة. أولئك الذين تمكنوا من الوصول إلى ما يسمى بالمناعة الذهنية فقد يروق للناس أن يكونوا قادرين على تناول حبّة تدفع بخوفهم وقلقهم إلى الزوال وتجعلهم يشعرون بالسلام على الفور، مع أن هذا مستحيل، على المرء تطوير الذهن عبر الوقت وصقل المناعة الذهنية. “غالباً ما يسألني الناس عن أسرع وأفضل حلّ لمشكلة ما، ولكن هذا مجدداً أمر مستحيل. إما أن تحصل على الحل الأسرع أو الحل الأفضل، ولكن لن تحصل على الاثنين. إنّ الحل الأمثل لمعاناتنا هو المناعة الذهنية، لكنّها تستغرق وقتاً كي تتطور”، هكذا يتحدث “الدالاي لاما”، الذي يؤكد على أن الإفراط في التفكير الأناني هو مصدر المعاناة والاهتمام المتعاطف بعافية الآخرين هو مصدر السعادة. فالتعاطف حين تمتلكه تمتلك الفضائل الأخرى كما يوصي بوذا.
يركّز الكتاب على ثماني دعامات للبهجة، أربع منها من خواص الذهن وهي: وجهة النظر السليمة فهي أساس البهجة والسعادة، التواضع، الفكاهة، التقبّل. وأربع أخرى من خواص القلب وهي التسامح، الامتنان، التعاطف، والكرم.
نختم هذه الإطلالة على هذا الكتاب الممتع بأمرين؛ الأول مقولة تبتية مفادها أن “الحكمة مثل مياه المطر كلاهما يجتمعان في أماكن منخفضة.” والأمر الثاني هذه التوصية الطريفة: “لِمَ الشعور بالتعاسة تجاه شيء إن كان بالإمكان معالجته؟ وما فائدة الشعور بالتعاسة في حال لم يكن قابلاً للمعالجة؟”

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.