مذكرات أغاثا كريستي “.. تعال قل لي كيف تعيش”

416

حربي محسن عبد الله /

“أغاثا كريستي” (1890- 1976) أشهر كاتبة للروايات والمسرحيات البوليسية على مستوى الأدب العالمي الحديث، لكنها في الكتاب الذي بين يدينا كاتبة مذكرات ترصد الحياة الاجتماعية في الزوايا التي زارتها وعاشت فيها في سورية والعراق.
هذا الكتاب صادر عن دار المدى، من ترجمة أكرم الحمصي. كانت أغاثا قد التقتْ زوجها عالم الآثار “ماكس مالون” الذي قاد بعثة تنقيب أثرية في نينوى وأور والنمرود في العام 1930 بين أطلال مدينة أور في جنوب العراق. وفي العام 1937 قاد مالون ورشة تنقيب في حوض نهر الخابور، في تل شاغر بازار قرب عامودا، وتل براك في منتصف الطريق بين الحسكة والقامشلي. رصدت أغاثا التي رافقت زوجها كل المتاعب والأحداث والشخصيات والمفاجآت التي مرتْ بها من بريطانيا إلى بيروت وحمص ودمشق وتدمر وحلب ودير الزور، وذُهلتْ من كثرة التلال المتناثرة في الجزيرة السورية وهي أكثر من مئة تل، ولكن عشقها انصب على تل براك، بعد أن كشف عن أسراره المخبأة منذ قرون بما فيها القصر و”معبد العين” برموزه الساحرة التي تليق بعاصمة متحضرة في زمنها البعيد، وفي وقفة حالمة أمام التل طرحت عليه السؤال “تعال قل لي كيف تعيش” ثم كتبت الجواب في قصيدة بعنوان “جلسة على تل” وضعت أغاثا كريستي القصيدة في الصفحات الأولى للكتاب، جاء فيها:
سأخبرك بكل ما أستطيع إن كنت ستحسن الإصغاء؛
التقيت بشاب واسع الاطلاع يجلس على تل
“من أنت ياسيدي؟” قلتُ له “وعمّ تبحث؟”
انتشر جوابه في رأسي كلطخة دم على صفحة كتاب
قال: “أفتش عن أوان قديمة من أيام ماقبل التاريخ،
ثم أقيسها بالكثير، والكثير من الطرق المختلفة.
ثم أبدأ (مثلك) بالكتابة؛ لكن كلماتي أطول بمرتين
من كلماتك، أكثر علماً بكثير.
إنها تُثبت خطأ زملائي!”
إذن فالكتاب هو جواب على ذلك السؤال. ونعثر على الإجابة فيما يطرحه علم الآثار عن الماضي قائلاً: “تلك كانت قدور الطهو التي استخدمناها. وفي تلك الصومعة الكبيرة كنا نحتفظ بقمحنا. وبتلك الإبر المصنوعة من العظام كنا نخيط ثيابنا. تلك كانت بيوتنا، هذا حمامنا، وهنا نظام الصرف الصحي لدينا، وهنا، في هذه الآنية، توجد الأقراط الذهبية التي قدمت لابنتي بائنة. هنا في هذه الجرّة الصغيرة، مساحيق تجميلي، كل قدور الطهو من نموذج شائع للغاية، سوف تعثرين على المئات منها، نحن نشتريها من الخزاف عند الزاوية”. تقول الكاتبة في تمهيدها للكتاب: “يصادفنا بين الفينة والأخرى قصر ملكي، وفي بعض الأحيان معبد، وفي مناسبات أقل مدفن ملكي، هذه الأشياء رائعة. نقرأ عنها في العناوين الرئيسة للصحف وهي مادة للمحاضرات ويتم عرضها على الشاشات ويسمع عنها الجميع! بيد أنني أظن أن التشويق الحقيقي يكمن في الحياة اليومية – في حياة الخزاف – حياة المزارع – حياة صانع الأدوات – حياة صانع الأختام والتمائم الحيوانية، بل، في الواقع، حياة الجزار، والخباز، وصانع الشمعدانات.”
كانت أغاثا تعرف كل العمال في ورشة التنقيب التي يرأسها زوجها، وترصد طباعهم وتساهم في معالجة نسائهم وأولادهم، وحينما نشب خلاف بين أحد العمال الإيزيديين وعامل آخر أنصفتْ العامل الإيزيدي وكتبت أنها عرفت الإيزيديين عن كثب، حينما كانت تعمل في شمال العراق، حيث تبادلت الزيارة مع المير (رئيس الإيزيديين)، فكتبت عن مقام الشيخ عدي بن مسافر قائلة: “أعتقد أنه لا يوجد في العالم مكان بجماله وسكينته، وهو من الأمكنة التي لن أنساها ما حييت – كما لن أنسى أبداً السلام الكلي والرضا المطلق اللذين استوليا على روحي هناك، فالطبيعة البشرية هناك على درجة من النقاء يمكن معها للنساء المسيحيات أن يسبحن عاريات في الجداول”. تقول الكاتبة “لقد زارنا المير، رئيس الإيزيديين، شيخ جبل سنجار الإيزيدي حمو شيرو، ذات مرة إلى الموقع الذي ننقب فيه في العراق، كان رجلاً فارع القامة ذا وجه حزين، متسربلاً بالسواد. إنه، بالنسبة لهم، بمثابة البابا والزعيم، وهو الذي أنقذ مئات المهاجرين الأرمن من الموت. وقدم لهم المأوى في جبل سنجار خلال الحرب التي دارت بين عامي 1914 و 1918.” تتحدث في موقع آخر من الكتاب عن تدمر التي وصلتها بعد رحلة مضنية في “هذا العالم الرحب المحروم من الحياة النباتية ما هو مخيف وساحر في الآن عينه. إنه ليس منبسطاً كما هو حال الصحراء الممتدة بين دمشق وبغداد. بل، إنك تجد نفسك تتسلق صعوداً وهبوطاً. ويشعرك المكان أنك لست سوى حبة رمل وسط قلاع من الرمل بنيتها على الشاطئ كالأطفال. ثم عندئذٍ، وفي ختام سبع ساعات من الحر والرتابة والعالم الموحش – هاهي تدمر! في هذه النقطة يكمن سحر تدمر على ما أظن. في جمالها القشدي الأهيف الذي ينتصب بسحر وسط الرمال المحرقة. إنها مدينة فاتنة رائعة لا تصدق بمشهديتها الساحرة تلك الجديرة بأن تكون جزءاً من حلم. بلاط ملكي ومعابد وأعمدة خربة.”
ختاماً تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة أغاثا كريستي بدأت في العام 1950 كتابة سيرتها الذاتية في منزل هادئ في موقع النمرود، وفيها سرد عاطفي لذكرياتها في العراق و”كيف أحبتْ كثيراً هذا الجزء من العالم”. كما كتبت روايتين استوحتهما من تلك الذكريات وهما “جريمة بين النهرين” و”الذين وصلوا إلى بغداد”.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.