مكتبة الفلفلي كنز المدينة العتيق

201

آية منصور /

وأنت تتجول بدهشة كبيرة في أروقة سوق السراي، تختبئ خلف التأريخ وروحه المحملة بعشرات الذكريات مكتبة صغيرة، يجلس في مقدمتها أكرم الفلفلي، وهو ينتظر القراء “المحترفين” ليسألونه عن أقدم الكتب، فيجيبهم بترحاب كبير. يستقبلنا بحب، فيما يحدثنا عن مكتبة الزوراء، او الفلفلي، لمؤسسها حسين الفلفلي، الذي ولد عام ١٩١٤ والمتوفى عام ١٩٧٧. الكتبي حسين، والذي كان بائعاً جوالاً للصحف والمجلات، جاهد بفكرته، لينشئ إحدى أهم المكتبات العراقية وأقدمها، المكتبة التي اشتهرت بمجالسها الأدبية وحضور أهم رواد الحركة الثقافية آنذاك، غير أن هذه المجالس توقفت بعد نقلها الى مكانها الحالي في سوق السراي عند شرائها من قبل وزارة الأوقاف.
الحضارة في سوق الكتب
يؤكد لنا السيد أكرم حسين الفلفلي أن الكثير من الشخصيات الكبيرة كانت لها حصة في مقاعد المكتبة ومن أهمهم الباشا نوري السعيد، والكاتب علي الوردي، ومصطفى جواد، ونوري جعفر وغيرهم، كما اعتمدت المكتبة على طباعة واستيراد الكتب العربية وحتى الأجنبية، في مطابع لبنان ومصر وحتى فلسطين.
كما يخبرنا السيد أكرم أن قلة وندرة المطابع في العراق، آنذاك، جعلت المكتبات المهمة مثل الفلفلي، تنشر وتطبع في مكتبات عربية، كما أن الإنتاج الفكري كان قليلاً ومنحسراً بفئات محددة، حتى تطور الزمن وازداد الإقبال وتطورت روحية الكتابة خلال فترة الأربعينات والخمسينات.
انتشرت، في تلك الحقبة الكتب القومية والمهتمة بالأحزاب السياسية وحتى الدينية، نتيجة لوجود المدارس الدينية والملالي في بغداد. القواعد العربية أولاً، ولأن التعليم في العراق لم يكن مجانياً، في فترة الخمسينات، كانت الفلفلي أول مكتبة تعمل على جمع المناهج المدرسية من الطلبة وبيعها بمبالغ زهيدة، كما تعد المكتبة الأولى كذلك في العراق باستيراد المناهج المدرسية الخاصة بالابتدائية من مصر إذ كان أول الكتب هو قواعد اللغة العربية الذي تقرر إدخاله الى المدارس العراقية سنة ١٩٥٨.
يكمل الفلفلي حكاياته عن المكتبة العريقة بالقول: استطعنا طباعة جميع مؤلفات أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع الدكتور نوري جعفر في بغداد، كما استطعنا طباعة مؤلفات بعض الكتّاب العرب والعراقيين مثل سعد أطلس، وعبد الحميد الرشودي، وجواد علي، وغيرهم، اضافة لكتب مدرسية كنوع من المساعدات الى الطلبة.
الكتاب البريطاني
فيما يتحدى السيد أكرم الجميع، حسب قوله، إن توفرت لديهم الكتب القيِّمة والنادرة كما توجد في مكتبته، اذ تحتوي المكتبة على كتاب مهم وقيِّم، لا تتوفر منه نسخ أخري سوى في المتحف العراقي، وجامعة كامبيردج، ومكتبة الفلفلي، وهو كتاب مطبوع سنة ١٨٥٧ لرحلة قام بها فلكس جون، يتحدث فيه عن العراق بصورة مفصلة تفصيلاً دقيقاً، وفيما يخصه، من الشمال وحتى الجنوب وذلك من أجل جمع معلومات استخباراتية عن بلاد الرافدين، تمهيداً لاحتلالها من قبل القوات البريطانية. يحوي الكتاب النادر على خرائط عديدة للبلاد ومناطقها، اضافة للكثير من الرسوم التوضيحية والمرسومة بعد طباعة الكتاب، ومنها خرائط لجميع درابين بغداد وأزقتها!
مبيناً: تخيلي أنك ستجدين في هذا الكتاب حتى أسعار الخضار وعدد الحيوانات الموجودة في البلاد وغيرها! يخبرنا بذلك ويضحك، فيما يكمل قصة الكتاب الذي وجده صدفة عند رجل طاعن في السن باع مكتبته ليكتشف أن جده الرابع كان مترجماً للكاتب فلكس! عرض هذا الكتاب بمزاد في التسعينات واستطاعات جامعة كامبريدج شراءه بأكثر من سبعة آلاف باون لتعيد طباعته وبيعه بمبلغ ٨٠٠ دولار للنسخة الواحدة!
ومن الكتب النادرة أيضاً والتي سنجدها في هذه المكتبة العتيقة، كتاب بعنوان “حضارة بابل وآشور” يعود زمن طباعته الى عام ١٩١٥ وقام بتأليفه عدد من المنقبين، وهو مطلي بالذهب ويحوي أكثر من ٢٠٠ صورة لمختلف الآثار، اضافة الى كتاب عن أصل البوذية مكتوب عام ١٨٧٧.
العراق قديماً في صور
وستجذبنا في مقدمة المكتبة عشرات الصور عن العراق، عملات البلد منذ التأسيس، صور لرؤساء الدولة، ملوكها، أهم أزقة وشوارع المدن، وغيرها من التصاميم، لكن هذه الفكرة الكبيرة بتوثيق حياة العراق القديمة والمعاصرة استطاع تنفيذها بعد عام ٢٠٠٣ لأنها كانت ممنوعة في وقت النظام البائد.
موضحاً: ارتأيت أن أجمع الصور القديمة والآرشيفية الخاصة بالبلاد، ورأيت اقبالاً كبيراً من جميع الأجيال، ثم انتشرت هذه الصور في مطاعم ومقاهي بغداد، ووضعت عليها اسمي ليعرف القراء أن جهود البحث هي من مكتبتنا، وبمجرد النظر الى تفاصيل الصور سنشعر بروحية بغداد التي تسلمنا تاريخها وحضارتها بهيئة آلاف اللقطات وكأنها تخبرك أنها مليئة بالحياة رغم كل شيء.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.