هل هناك هارموني بين الفردي والكوني؟

98

حربي محسن عبدالله /

يقرأ الناس الحكماء حياتك السابقة كلها من مظهرك الخارجي، ومن مشيتك وسلوكك، فالتعبير عن الذات هو خاصية الطبيعة البشرية، حتى أن أصغر تفاصيل الجسد تعبّر عن شيء ما. كما أن وجه الإنسان يعكس كالمرآة ما يجري في داخله. هذا ما يقوله “رالف فالدو إمرسون” أحد العلماء المهتمين بعلم الطاقة الحيوية، الذي أسسه الدكتور ألكسندر لوين (1910- 2008) وهو المعالج النفسي الشهير، كان أحد تلاميذ المحلل النفسي النمساوي ولهلم رايخ الذي أغنى التحليل النفسي بما يعرف بالعمل على الجسد (Body- Work ). فقد أخذ التلميذ عن أستاذه المفاهيم الرئيسة للعمليات السيكوسوماتية، وطوّر نظريته في العلاج النفسي وأسس في الخمسينات معهد تحليل الطاقة الحيوية في نيويورك. وفي السنوات الثلاثين اللاحقة تأسست عشرات المعاهد المماثلة في بلدان عديدة في شرق العالم وغربه باستثناء البلدان العربية ماعدا بعض المحاولات الفردية هنا وهناك.
بين يدينا كتاب لمؤسس علم الطاقة الحيوية ألكسندر لوين بعنوان “سيكولوجية الجسد- صحة الإنسان النفسية والجسدية” قام بترجمته الدكتور “نزار عيون السود” وقد صدر مؤخرا عن دار كنعان في دمشق. نحاول هنا تسليط الضوء على هذا العلم في هذا الكتاب. فالطاقة الحيوية تعالج أداء النفس الإنسانية الوظيفي في مقولات الجسد والطاقة، مُعتبرة قمع العواطف والمشاعر الذي يتجلى على شكل توترات عضلية دائمة تحاصر السريان الحر للطاقة العضوية، مصدر العُصابات والاكتئاب وفقدان وحدة الذات. في الطفولة المبكرة، تظهر ثم تتعزّز لاحقاً، المهارات الخاصة بتجنب الألم واليأس والقنوط والخوف وطرائق الحصول على الأمن وحب المحيطين. وهي تؤدي إلى تطور بنية طباع الإنسان، التي تتشكل من صورة مشوهة غالباً للعالم وللشخصية الذاتية والمخططات القاسية للسلوك والعواطف، وكذلك أنماط الاستجماع الذاتي المعيقة لحيوية الأعضاء، المدعوة بــ “غطاء الطباع”. على هذا النحو، تعكس ملامح الإنسان الجسدية نفسيته بصورة رمزية. ويتألف العلاج من معرفة بنية الطباع و”إنعاش” الانفعالات المجمّدة في الجسد. وهذا ما يؤدي إلى تحرير احتياطات كبيرة من الطاقة، المصروفة، سابقاً، على قمع الدوافع الجسدية، التي يمكن استثمارها في أشكال تكيف الفردانية وتطورها، أعني الأقل نمطية والأكثر إبداعية. ويحتل التنفس الحرّ أهمية خاصة في هذا المجال، ويرتبط تعطيله بالخوف ارتباطاً وثيقاً. كما أن هدف العلاج النفسي هو رفع الحصار عن تطور الشخصية ونموها، ويتمركز هذا العلاج في تطوير “الأنا” وتكاملها مع العضوية. إن تلبية الحاجات الانفعالية الرئيسة والتطلعات الشخصية، دون هدر زائد للطاقة، ترتبط بالتوجه الواقعي في العالم المحيط. فالشخصية الناضجة ذات اتصال بتدفق الطاقة الداخلي للعضوية والعواطف المتقلبة، وهي قادرة على حد سواء، على مراقبة تجلياتها وتعبيراتها، وعلى إلغاء الرقابة الذاتية، والاستسلام لتيار التلقائية (كما في ذروة النشوة الجنسية والذروة الإبداعية وما شابه ذلك). وهي قادرة على الوصول، وبدرجة متماثلة، سواء إلى المشاعر الأليمة المزعجة: كالخوف والألم، والسخط واليأس، أو إلى العواطف والمشاعر السارة والحاملة للذة: كالجنس والفرح والحب والتعاطف. ويتجلى التعبير الجسدي للصحة الانفعالية في رشاقة الحركات وجماليتها وتناسق العضلات وبالتواصل الجيد مع الناس المحيطين وبثبات التربة تحت قدمي الفرد (أو ما يسمى بالتأريض حسب مصطلح الطاقة الحيوية)، والنظرة الواضحة والصوت الجذاب اللطيف. كما أن الطاقة الحيوية ومع محافظتها على منهج قريب من التحليل النفسي المعاصر، تستخدم أيضاً منهج لمس وضغط العضلات المتوترة، والتنفس العميق والوضعيات الخاصة. ويقوم المريض بتنفيذ تمارين خاصة، توسّع إدراكه لجسده، وتطوّر تلقائية التعبير عنده. يحاول المؤلف في هذا الكتاب أن يبين أن الصحة ذات جانب روحي وأن الإحساس الذاتي بالصحة هو شعور بالرضا ناتج عن الجسد، يصل أحيانا لدرجة الفرح. في مثل هذه الحالات تحديداً، نشعر بصلتنا بجميع الكائنات الحية وبالعالم كله. بعكس الألم، الذي يعزلنا عن الآخرين. فعندما نمرض، لا تظهر لدينا أعراض المرض وحدها بل نجد أنفسنا منعزلين أيضاً عن العالم. كما أن الصحة تتجلى في حركات الجسد الرشيقة، وفي “إشراق” الجسد وجماله، وفي ليونته ودفئه كذلك. كما أن الانعدام الكامل لهذه الصفات يعني الموت أو المرض المميت.
يصف الباحث آلدوس هكسلي ثلاثة أنواع من الجمال: جمال الحيوانات، الجاذبية الإنسانية، الجاذبية الروحية أو الفضيلة. وترتبط الجاذبية الروحية بالشعور بالرضا في أعلى مستوى. وتتجلى جاذبية الإنسان في علاقاته بالآخرين. ويعرفها بصورة أدق بأنها الطيبة والجاذبية الشخصية. أما جاذبية الحيوانات فنتعرف عليها من خلال ملاحظاتنا لحياتها وهي حرة. كحركة السناجب التي تلعب بين الأشجار أو طيران السنونو الرشيق على سبيل المثال. أخيراً يرى هكسلي أن الجمال الحقيقي للإنسان يتجلى عندما “يفتح روحه للشمس والهواء” بدلاً من تشويه جسده وإعاقة تجلّي روحانياته الفطرية. كما أن الجسد بدون روح، لديه مستوى منخفض من القوة الحيوية، ويخلو تماماً من الجاذبية. وتغدو حركاته ميكانيكية، لأنها تتحرك وفقاً للوعي والإرادة فقط. لكن عندما تنفذ الروح إلى الجسد يرتعش من الإثارة، ويغدو أشبه بالتيار المتدفق.
يقول ألكسندر لوين في فصل من الكتاب بعنوان “الروحانية والرشاقة” ما نصه: (موضوعياً، يمكن تحديد الصحة النفسية بمستوى الطاقة الحيوية التي تتجلى في سرعة النظرة ولون الجلد وحرارته، وتلقائية تعبير الوجه، وحيوية الجسد، وكذلك رشاقة الحركات، وتحتل العينان أهمية كبيرة، فهما مرآة الروح، ويمكن بواسطتهما رؤية حياة الإنسان الروحية. ففي الحالات التي تنعدم فيها الروح “في حالات الشيزوفرينيا مثلاً” تكون العينان فارغتين. وفي حالة الاكتئاب تكون العينان حزينتين. أما الإنسان الواقع بين هاتين الحالتين فتكون عيناه معتمتين وجامدتين، وهذا يدل على اختلال وظيفة فهم ما يراه الإنسان). لذلك يفرد الكاتب فصلاً كاملاً عن العيون بعنوان “وجهاً لوجه أمام العالم”. وفي فصل بعنوان “الطاقة” يتحدث الكاتب عن الفكر الديني الشرقي وكيف يجمع بين الروح أو الروحانية وبين النظرة الطاقية للجسد (من وجهة نظر علم الطاقة) لذلك يرى أنه من السهل فهم لماذا كانت الشعوب البدائية تعد الشمس والقمر جسمين من الطاقة: كلاهما يؤثر بصورة مباشرة على الأرض والحياة فيها. وبحسب الفكرة الصينية، تتوقف الصحة على توازن الطاقتين المتناقضتين “إين ويان”، اللتين تمثلان طاقة الأرض والسماء. وفي الممارسة الصينية للعلاج بوخز الإبر، يتم التمييز بين الأقنية التي تتحرك فيهما هاتان الطاقتان. فعن طريق الوخز بالإبر أو الضغط بالأصابع على نقاط جريان هذه الأقنية، يمكن توجيه تيار الطاقة في الجسم بغرض علاج الأمراض وتدعيم الصحة.
يتوقف الكاتب عند تعريف الصحة بأنها انعدام المرض ويعد هذا التعريف سلبياً، “لأن مثل هذه النظرة إلى الجسد تشبه نظرة الميكانيكي إلى السيارة، التي يمكنه فيها استبدال بعض قطع الغيار دون المساس بعمل الآلية كلها. ومثل هذا لا يصح قوله عن أي كائن حي، وعن الإنسان على وجه الخصوص. فنحن نتحرك بصورة تلقائية، وهذا ما يمكن لأية آلية القيام به. كما أننا مرتبطون ارتباطاً عميقاً بالكائنات الحية الأخرى وبالطبيعة أيضاً. وروحانيتنا تنبع بالذات، من شعورنا بالوحدة مع قوة ومنظومة أكبر منا نحن، ولا فرق إن كنا سنسمّي هذه القوة باسم ما، أو ندعها كالأقدمين، دون اسم”.
كتاب “سيكولوجية الجسد- صحة الإنسان النفسية والجسدية” للدكتور ألكسندر لوين يتكون من مقدمة واثني عشر فصلاً، تختم أغلب الفصول بمجموعة تمارين يوصي بها الدكتور لمعالجة حالات بعينها، كما يصف حالات مرضية عالجها عبر هذه التمارين. وكل ما قدمه في هذا الكتاب الهام يؤكد أن علم الطاقة الحيوية يستحق المزيد من الاهتمام والدراسة والكشف. هذه المقاربة التي سعى لتطويرها وتحسينها لمدة قاربت الخمسة والثلاثين عاماً، تجمع في قوامها أفكار الشرق والغرب وتستخدم قوة العقل لفهم التوترات التي ترتبط بالجسد. إنها تعبئ طاقة الجسد للتخلص من هذه التوترات. إن حلقة الوصل هنا، هي مفهوم الطاقة الذي نجده في الطب الشرقي والغربي، فالطاقة هي: القوة الكامنة خلف الروح. إنها أساس روحانية الجسد. وإذا استخدمناها بصورة واعية تغدو قوة جبارة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.