التاريخ الغريب للعطور .. من عبير الأقدام الرومانية إلى كولونيا نابليون

226

بقلم: جي أر ثورب – ترجمة: آلاء فائق /

إذا كنتِ من عشاق العطور، فلربما كنتِ ستعرفين أساسيات عطور التاريخ الحديث. فعشاق العطور يعرفون كيف أن «جورليان» و»كوتي» كانتا من أوائل الشركات الكبيرة التي تنتج العطور بالجملة، ستعرفين كيف أن عطر شانيل رقم 5 قد حطم أرقام المبيعات وخلق تاريخ العطور، وستفهمين كيف أن العطور التي تسوّقها النساء الشهيرات، أمثال أليزابيث تايلور وكيتي بيري، قد حددت سوق العطور لعقود.

تاريخ العطور هو أكثر من مجرد تاريخ بشرية تحاول استنشاق رائحة زكية، إنه تاريخ مليء بالكثير من الكفاح والابتكار. لقد كانت المكونات المستخدمة في صناعة العطور ذات أهمية تاريخية لطرق التجارة، حيث  كانت عطور الطبقات العليا تستخدم دائماً كوسيلة لتمييز طبقة النبلاء عن طبقة الفلاحين (حيث تعطرت ملكة انكلترا إليزابيث الأولى بعطر مصنوع من عبير المسك وماء الورد، بينما أمر نابليون بـ 50 زجاجة كولونيا شهرياً)، وارتبط العطر بالتعبير عن التفاني الديني، والوقاية الصحية، وجهود النظافة لمعظم تاريخ الحضارة الإنسانية.

ها هنا بعض من أصول العطور القديمة، حاولي أن تستوعبيها، ثم انظري إلى خزانة حمامك بارتياح.

مصر القديمة

كان المصريون من أكبر العشاق للعطور واستخدموه للأغراض الاحتفالية والتجميلية، وكان يعتقد أن العطر هو عَرَق إله الشمس رع. كان لديهم حتى عطر الإله “نفرتوم” ، الذي كان يعتمر غطاء الرأس المصنوع من زنابق الماء (كانت تعد من أكبر مكونات العطور آنذاك). كما كشف علماء الآثار أيضاً عن العديد من الوصفات المصرية، منها وصفات متقنة عن صناعة العطور. إذا كنت ملكاً أو شخصاً يتمتع بمكانة مرموقة بالمجتمع المصري، فإن العطر المميز سيكون جزءاً من حياتك اليومية، ما عليك سوى أن تضع لطخة واحدة منه على شكل زيت معطر لإبقائك معطراً يوماً بأكمله. (في عالمنا المعاصر، يعتبر الكحول هو المادة الأساسية التي تبنى عليها العطور، لكن في العصور القديمة، كانت العطور تصنع من مادة زيتية). في الواقع، تحاول جامعة بون الألمانية في الوقت الحالي إعادة إنتاج «عطر فرعون» من عام 1479 قبل الميلاد، بالاعتماد على البقايا المتعفنة الموجودة في الأقداح. هنالك احتمالات من أنها ستكون لزجة وتقترب رائحتها بشدة من رائحة النباتات النهرية والبخور. (الفقراء لم يتعطروا بأي عطر).

استورد المصريون كميات هائلة من مكونات العطور من بونت، وهي منطقة أفريقية متخصصة بالأخشاب العطرية وشجر المر، لدرجة أن تجارة العطور كانت تحتل جزءاً كبيراً من العلاقات الدولية لكلا المنطقتين. كان ذلك أساساً معادلاً للصفقة التجارية المبرمة بين الولايات المتحدة والصين والتي تبلغ قيمتها مليون دولار لخشب الصندل.

بلاد فارس القديمة

استثمرت الطبقة الملكية الفارسية القديمة بجدية حقل العطور لدرجة أنه كان من الشائع أن يتم تصوير الملوك مع زجاجات العطور في الفن الفارسي، حيث كان يتم عرض الحاكمين الأسطوريين داريوس وزيركسيس وهما جالسان بارتياح وزجاجات عطور الزهور بأيديهما. كان هذا هو المعادل الحضاري للأمير وليام الذي كان له عطر بربري.

هيمن الفرس على تجارة العطور منذ مئات السنين، ويعتقد كثيرون أنهم اخترعوا عملية التقطير التي أدت إلى اكتشاف أساس الكحول. شيء واحد يعرفه أغلبنا، وهو أن ابن سينا، الطبيب الفارسي، الكيميائي والفيلسوف، جرب على نطاق واسع عملية التقطير لمحاولة صنع عطور أفضل، وكان أول من اكتشف الكيمياء من خلال العطور التي لم تكن تعتمد على الزيوت في تركيبها.

روما القديمة

 بقي العديد من وصفات العطور الرومانية واليونانية القديمة (بما في ذلك تلك التي تم رسمها بعناية من قبل أشخاص مثل بليني الأكبر في تاريخه الطبيعي) لدرجة أننا كنا في الواقع قادرين على إعادة إنتاج العطور القديمة في عصرنا الحديث. وثّق الإغريق والرومان القدماء بعناية عمليات صنع العطور. في الواقع، ثمة لوحة جدارية في منزل مصمم العطور في بومبي توثق عملية صنع العطور اليونانية الرومانية: أولاً، يتم صنع الزيت بالضغط على الزيتون؛ ثم تضاف المكونات الأخرى، كالنباتات والأخشاب، إلى الزيت باستخدام قياسات دقيقة في الوصفة؛ في النهاية ، يتركونها في “التنقيع”، أي ترك المكونات في الزيت حتى يتشبع الزيت بالرائحة قبل بيعه.

تم اكتشاف أقدم مصنع للعطور في العالم في قبرص عام 2007، وهو المنزل الأسطوري لأفروديت، إلهة الحب. لكن هذا ربما لم يكن من قبيل المصادفة. حلقة الوصل الثقافية القوية لأفروديت مع العطور تعني أن مصنع العطور هذا ربما يورد الروائح للمعابد والمصلين. وكان العطر يستخدم في كثير من الأحيان في المجتمعات القديمة ليقرب المؤمنين من الآلهة. لكن العطور لم تستعمل فقط للأغراض الدينية، بل كانت في كل مكان.
من خلال تخمين تقريبي، بحلول العام 100 ميلادي، كان الرومان يستخدمون 2800 طن من اللبان الأفريقي في السنة، وكان العطر عموماً يستخدم في منتجات التجميل والحمامات العامة وحتى على أخمص القدمين.

من سخرية القدر، أن بلينيوس الأصغر وهو محامٍ روماني قد حافظ  بدقة على سجلات الوصفة التي كانت بالواقع جزءاً لا يتجزأ من صناعة العطور. وفي منشورات جيمس بورتر عن الجسم الكلاسيكي، يشير إلى أن البعض في الواقع كان ينظر للاستخدام المفرط للعطور كونه غير روماني. يروي بليني بإسهاب طريقة اكتشاف المخبأ الأرستقراطي من خلال عطره. قطعاً كان يعتقد البعض أن الروائح الجميلة يجب أن تبقى محصورة بالمعابد لا غير.

الصين القديمة

العلاقة الصينية القديمة مع العطور لم تركّز فعلاً على الجسم: بدلاً من حمل العطور، استفادت الثقافة الصينية القديمة من رائحة حرق البخور والمواد العطرية في الأماكن الخاصة. تميل تواريخ استخدام العطور في المجتمع الصيني للتأكيد على أن العطور لم تكن تعتبر أصلاً مستحضرات تجميل، بل بدلاً من ذلك، كانت تستخدم للتطهير من الجراثيم والطهارة، كما كان يعتقد أن استعمالها يسهّل عملية تطهير الغرف من الأمراض. في حين كانت الزهور المعطرة جزءاً من الحدائق التقليدية، وكانت النساء النبيلات يستخدمن أثمار اليوسفي أو الرارنج لتعطير أيديهن، يبدو أن وضع العطور على الجسد لم يكن ضرورياً بالصين.

بالرغم من أن هناك أسطورة يتردد صداها ليومنا هذا مفادها أن الصينيين لم يستخدموا أي عطر على أجسامهم في الصين القديمة، إلا أن ذلك محض هراء. ووفقاً لمؤرخي الكيمياء الصينيين، كانت الفترة الممتدة ما بين سلالة Sui الحاكمة وسلالات Song تعج باستعمال العطور الشخصية، مع تنافس النبلاء للحصول على أفضل أنواع العطور واستيراد المكونات عبر طريق الحرير. وبحلول عهد أسرة تشينغ (1644-1912)، بدا أن الإمبراطور كان يحمل “كيس عطر” على مدار العام، وهو تعديل لحقيبة الجيب التقليدية التي جلبت الحظ السعيد، كما كان كيس عطره محشواً بالأعشاب العطرية.
مع ذلك يبقى الفرق شاسعاً بين هذا العطر وتقاليد العطور الأخرى، كما تم استخدام الكثير من مكونات العطور الصينية لأغراض أخرى كثيرة، مثلها مثل الغذاء والدواء.

العصور الوسطى

الناس في أوروبا، وتحديداً من القرن 12 إلى حوالي القرن 17، كانوا يحملون pomander ، وهي عطور تستخدم للوقاية من العدوى، عبارة عن كرة من مواد معطرة، يتم الاحتفاظ بها داخل علبة مفتوحة جميلة، وتستخدم لدرء العدوى والحفاظ على الهواء المحيط بك نظيفاً.

واقعياً، اعتقد الأوروبيون منذ القرون الوسطى أن الهواء الخانق يمكن أن يجعلك مريضاً (يطلق عليها «نظرية الجو الخانق»، والتي افترضت أن الأمراض كانت معلقة بهواء خانق الرائحة وغير صحي)، كما كان ينظر لحلي “البوماندر” الصغيرة على أنها منقذة للحياة، وفي نفس الوقت كماليات ساحرة.
يبدو أن فكرة العطر المحمول انبثقت في العصور الوسطى بعد أن عاد الصليبيون من الحروب المقدسة في شبه الجزيرة العربية، وجلبوا معهم أسرار صنع العطور. على الرغم من أن فكرة العطور الشخصية المستندة إلى الزيوت لم تكتشف بعد، غير انهم اكتشفوا أن الزباد المستخرج من قط الزباد الأفريقي والخروع، المسك والعنبر وغيره من المنتجات المستمدة من الحيوانات أسست قواعد عظيمة للعطور، فحملوا معهم أكياس العطور لتزيين ملابسهم. يذكر أن أول عطر يحتوي على الكحول قد صنع في هذه الفترة أيضا: كان يُعرف باسم «ماء هنغاريا»، إذ كان يُعتقد أنه قد تمت صناعته لملكة المجر خلال القرن الرابع عشر، ويضم  الكحول المقطر والأعشاب (ربما إكليل الجبل و النعناع).

إيطاليا 1400 ـ 1500

في إيطاليا، حدث اختراق خطير في إنتاج العطور في العصور الوسطى عندما اكتشفوا كيفية صنعaqua mirabilis ، وهي مادة واضحة مصنوعة من الكحول بنسبة 95 في المائة وتشتعل برائحة قوية. وهكذا ولد العطر السائل. بعد هذا الاختراع ، أصبحت إيطاليا (البندقية على وجه الخصوص) مركزاً لتجارة العطور العالمية لقرون عديدة.

إن كان ثمة شخص قد جلب عطراً أيطالياً على الإطلاق إلى فرنسا وبقية العالم، فقد كانت هي كاثرين دي ميديسي، المتزوجة من ملك فرنسي. كانت لها عطورها الخاصة بها التي يصنعها لها صانع العطور الأيطالي «رينيه لو فلورنتين»، وهو ماء معطر ممزوج بالبرغموت وزهر البرتقال. كما ابتكر لها قفافيز المسك والزباد المعطر، والتي خلقت ضجة كبيرة. تجد الإشارة إلى أن كاثرين قد اتهمت بقتل أشخاص بقفازات مملوءة بالسم، وهذا الأمر في الحقيقة شاعري للغاية.

Bustle

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.