رسام الخاتونات

265

آية منصور /

محمود فهمي، رافديني يحب النهر والطين. ببساطة يعشق محابس الشذر في أنامل الصبايا الذاهبات إلى المدرسة. هذا المشهد يجعله يشعر بالسلام، أو مشهد بنت الريف الفرحة بثوبها الجديد وهي تستمتع بمغازلة جارها بجمال عينيها اللتين تشبهان زهرة النارنج. يحب الصباحات في آذار على حافة نهر بأطراف المدينة وقبل أن تبزغ الشمس، وهو يحاول تجسيد كل تلك المفردات.
تخطفه الوجوه الجميلة غالباً، تسرقه لعالم مصنوع من الألوان. النساء الحاضرات في لوحات الرسام العراقي محمود فهمي يتحدثن نيابة عنه بحب، يتوّجن إطارات روحه وفرشاته دون البقية.
الرسام محمود فهمي يحدثنا عن نسائه الخياليات، يحدثنا عن النساء اللواتي يأخذن دائماً حيزاً كبيراً من أعمال الكثير من الفنانين في العالم، أو لربما لكونه رجلاً يميل للمرأة أكثر، كما أن رمزية المرأة فيها الكثير من المديات التعبيرية وأهمها هي: الأم.
“المرأة حاضرة في الأعمال الفنية والأيقونات في السابق عند منحوتات البابليين والمصريين واليونان والرومان، فهي آلهة حينما كانت الأديان والمجتمعات أمومية أكثر، وخصوصاً عند الإغريق تجسدت بأعمال نحتية مثل “أفروديت” عند الإغريق، و”فينوس” عند الرومان، و”عشتار” عند البابليين أو “إينانا”. واستمرت في عصر النهضة عند الإيطاليين بالخصوص، فهي حاضرة بشخص “مريم العذراء” و”مريم المجدلية” والكثير من القصص الإنجيلية خلدت المرأة في رسوماتها وأيقوناتها”.
“إذن هي نتاج طبيعي لجزء ومساحة من المجتمع ارتبطت بالعاطفة والوجدان الإنساني لأنها هي المديمة للحياة ومانحة الاستمرارية فينا، تبعث روح الجمال في دواخلنا لذلك تستحق منا أجمل اللوحات والأعمال”، هذا ما يؤكده لنا محمود فهمي وهو يؤكد على محاولاته في رسم المرأة بأجمل صورها.
“نسائي خارجات عن النمطية في التشكيل العراقي بعض الشيء، أحياناً سابحات في الفضاء. ربما أردت أن أقول بأنهن يفتقدن للحرية، وأحيانا ينظرن بنظرة فيها الكثير من الحيرة برغم السكون في قراءتها الأولية. ربما أريد أن أقول إن المرأة تحتاج إلى الحب في مجتمع تحكمه المادة والتفاصيل التي تقتل الشراكة بينها وبين من تحب.”
المرأة عنده جميلة، يتفرغ لإبراز جمالها في أعماله. ليس بالضرورة وفق مقاسات وقوالب نمطية للجمال، كل حالة لامرأة يرسمها هي امرأة كانت في قلبه يوماً ما، واستمرت تداعب يده ليرسمها في كل الفصول والمواسم. إذن، هل جميع نسائه بغداديات؟ يحدثنا رسام الخاتونات عن كيفية انبثاق روح بغداد في كل لوحة من لوحاته:
“بغداد مدينة تحمل رمزية كل المدن العراقية الغافية على الأنهار. نشأتي الأولى في مدينة الحلة، وهي مدينة فراتية جميلة تحمل الكثير من البغدادية في مفرداتها ومخيالها، لكن تبقى بغداد مدينة العشق بمظهرها المعماري وأحيائها وأزقتها التي أعشقها، وتظل تلازم رمزية المدينة العراقية وخلاصتها. الجسر والحارة والأطفال وصخبها أقرب إلى قلبي. أحب أن أجسدها كمدينة الطابوق والأبواب الخشبية، والأغاني البغدادية المعتّقة بكلمات وموسيقى موغلة بالعاطفة، وهي في كل مفرداتها فاكهة للفنان الذي تطلق عنان خياله لاستلهامها وتناولها في العمل الفني، فهي خصبة بتاريخها وناسها وتنوعها”.
أتاحت بغداد له الكثير من الحرية لإنجاز أعماله باسمها. بحدائقها البغدادية، ونسائها، وجمال بيوتها، وهو يفكر الآن بإنجاز أعمال فنية عن مدن عراقية أخرى تحمل مواضيعها خصوصية تلك المدن، والأحداث التي مرت بها تستحق أن تجسّد في عمل فني.
يبحث فهمي عن فنتازيا تليق ببغداد، فهي كانت مولد السحرية والخيال بالنسبة له. فقصص “ألف ليلة وليلة” كانت حكايات بغدادية، وهي الابن الشرعي للخيال والسوريالية البابلية والآشورية بأشكال الآلهات البابلية الأسطورية والميثولوجيا التكوينية في الخلق والخلود، هي امتداد لتلك الأساطير.
وحينما أردنا معرفة تفسيره للوحاته، أوضح لنا أنها مشروع دائم يتغير باستمرار، فهي سيرته الذاتية التي يكتبها بالرسم. يسطر ما يريد أن يقوله بمنجز بصري سهل القراءة والتناول لأكبر شريحة ممكنة من الطبقات.
“ليس لدي تعصّب للطرح لنخبة معينة. لا أحب النخبوية وخصوصاً إذا كانت نخبوية مزيفة ومتعالية. الفن الناجح هو الجماهيري الذي ينقل المتلقي إلى النخبوية في قراءة المفاهيم”.
يحب فهمي أن يرسم جميلاته بعناية فائقة، أن يعتني بوجوههن لأنهن معشوقاته. فعندما ينجز رسم امرأة لا يرضى إلا أن تكون جميلة، بريئة، عيون بلا تجميل، حاجب لفتاة بعمر المراهقة، نقية بشفاه دون أحمر الشفاه، أصابع نحيفة فيها محبس شذر، أو لها أقراط تشبه أقراط أمهاتنا عند زفافهن.
“تلك هي نسائي في أعمالي، لماذا؟ لأنهن يبدون أجمل وأنا أحبهن هكذا”.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.