فلاّحة برتبة ماجستير

316

كتابة: ريا عاصي /

لم أقابل في حياتي خريجة جامعة وفلاحة، لكن هجران، التي أبهرتني بسحنتها الجميلة، المعيدة في جامعة الإسراء، والمتفوقة دراسياً، وصاحبة الطموح لإكمال تعليمها العالي تعمل فلاحة في حقل كي تحصد منه ثمناً يمكّنها من إكمال تعليمها العالي والحصول على الدكتوراه، إنها امرأة بألف حلم. وبالرغم من المعارَضات تقف في مهب الريح ولا تحني رأسها للقادم بل تتلقاه بعقل متفتح، محاولة دوماً أن تغيّر قدرها بيدها ولا تستسلم له.

تقول (هجران علي الزبيدي) التي ولدت في المحمودية عام 1993:

قضيت طفولتي في قضاء المحمودية قرب البساتين والمحاصيل، وكنت سعيدة بدراستي هناك ومتفوقة حتى مرّت ظروف عصيبة على البلد واضطررنا للهجرة إلى الصويرة. كنت في السادس الإعدادي حينها، وبسبب قسوة تلك الأيام لم أحصل على معدل يمكنني من دراسة المادة المحببة لقلبي وهي (التحليلات المرضيّة)، لذا قمت بإقناع أهلي بالعودة للزراعة والحصاد للحصول على أموال تمكني من دفع أقساط كلية أهلية أدرس فيها (التحليلات المرضية).

وبالفعل عملت جنباً إلى جنب مع إخوتي الثلاثة ووالدي، أما أمي وأخواتي الثلاث فكن خير السند والمعين لي، فحصدنا ثمر تعبنا ودفعت أقساط كلّيتي من مجهودي في الفلاحة.

الحلم يكبر

حلمي صار يكبر، واليوم بعد أن تم تعييني «معيدةً» في قسم التحليلات المرضية في كلية الإسراء، صار حلمي أن أكمل دراستي العليا، فقدمت على الماجستير وأنوي الحصول على الدكتوراه لأفتح يوماً ما مختبري الخاص. وبالرغم من ذلك فما زلت أعمل في الحقل. فأنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحقل. فمن خلاله حققت حلمي بالتعليم، وفيه أحسست بالراحة النفسية. فشعور جميل أن ترى النبتة تخضر وتزهر حتى تعطيك الثمر الذي أحنيت ظهرك من أجله وتعبت حتى حصدته.

أنا لا أشعر بالفرق الكبير بين المهنتين، وأفتخر دوماً بأنني فلاحة قبل أن أكون محللة. أتعرض يومياً للانتقاد بسبب اختلافي، فانا لا أضع صبغ الأظافر كما تفعل البنات في جيلي، ويداي خشنتان ومتشققتان. بعضهم يسخر من كوني فلاحة ويسألونني عما إذا كنت قد حلبت البقر، ربما امتعض.. لكنني حقاً بدأت لا أبالي. ليس لأنني بلا شعور، لكنني أشعر أن مهنة الفلاحة لا تقل أهميتها عن المحلِّل، فكلاهما يمنحان الحب والرعاية والاهتمام. المحلل للمريض، والفلاح للأرض والمحصول.

سأبقى فلاحة

لا أستطيع التنازل عن كوني فلاحة، لأنني قبل أن أصبح معيدة كنت فلاحة ومازلت، والمهنتان تشتركان بالعطاء. ولو كنتُ أمّاً كنت سأعلّم أبنائي كيف يعتنون بالزرع. الزرع يعلّمك الصبر، والحب، ونكران الذات، كما أنه يزرع الأمل في داخلك أيضاً.

نصيحتي للمرأة العراقية: لا تكوني دمية كما يرغبون، بل كوني الأم المعطاءة التي يمكنها أن تعطي دروساً وعِبِراً للجميع. وبغض النظر عن أي ظرف تمرين به اصنعي لنفسك أملاً ولوّني أيامك وانتظري القادم بكل صبر، ولا تجعلي أي عائق يقف أمام حلمك.

حقائق

مازالت المناطق الريفية في العراق تعاني من احتمالية التصحّر. فلحد يومنا هذا، وبحسب دراسة نشرتها وزارة التخطيط في أبريل الماضي من عام 2018، تؤكد احتمالية تصحر 71٪ من الأراضي الزراعية في العراق. لذا أدعو الجميع إلى العودة للزراعة! أنا لا أقول لكم ازرعوا المحاصيل الكبيرة، بل ازرعوا ما يكفيكم حُبّاً بالبيئة، لتعود منازلنا جنات خضر غنية بالثمار والحب.

أكثر من 60٪ من سكان الريف هم من النساء، أغلبهن يعملن في الفلاحة ورعاية المواشي، إضافة إلى أعمالهن المنزلية من رعاية الأطفال ومهمات المنزلية أخرى. لذا فنحن قويات، وأتمنى لكل الفلاحات أن يتمكنّ من التعليم وأن لا يتركن الأرض.

منذ عام 2007 حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 15 من شهر تشرين الأول من كل عام يوماً للمرأة الريفية، واتخذت برنامجاً إنمائياً يهدف إلى تعليم وتطوير مهارات المرأة الريفية باعتبارها نصف المجتمع. كما أن تعليمها وتطوير إمكانياتها يخلق بيئة صالحة للحياة خالية من الأمراض والأوبئة التي تتواجد في الأماكن الريفية، لكونها الأكثر فقراً في العالم ككل. والعالم اليوم يحاول العودة للطبيعة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.