عمارة الدامرجي.. أول بناية من ستة طوابق تشهدها بغداد

20

عبد الجبار العتابي/

اسمها .. حلّق في الآفاق وامتزج مع تاريخ مدينة بغداد حتى صارت من شواهده العالية التي يضرب بها المثل، وقد زرع وجودها الدهشة لدى الذين كانت عيونهم تتطلع اليها بكثير من البهجة والإعجاب والاستغراب، وتحولت الى مقصد يأتي اليها الناس لمشاهدتها كشيء خيالي، ويرفعون رؤوسهم عاليا، فمنحوها اسم (ناطحة السحاب البغدادية)

لم يصدق اهالي بغدادا ارتفاع البناء الذي لم تألفه مدينتهم آنذاك، فكانت عندهم اعجوبة نسجوا حولها الكثير من الكلام والحكايات التي يقول عنها المعماري خالد السلطاني انها (ترقى إلى مصاف الأساطير) وهو يعترف انها بارتفاعها هذا (أيقونة من الأيقونات البغدادية).

صار عمر عمارة الدامرجي 70 عاما، لكنها بعد هذا العمر الطويل شاخت كثيرا، وتم التغاضي عنها فاستسلمت للإهمال والمتاعب والحرائق والنسيان ، حتى ما عاد العابرون منها يتذكرونها، لا ينظرون اليها ولا ينتبهون لوجودها بل ولا تخطر على بالهم .. ربما، فيما التمعن في ظاهرها او باطنها يؤكد انها متعبة ونالت منها الشيخوخة بفعل عدم الرعاية والاهتمام وقسوة الظروف المناخية و (تطاول) عمارات كثيرات على طولها الفارع حتى صارت بينهن كإصبع الإبهام بين اصابع كف اليد، وقد تغيرت الوانها وصدئت احوالها واحيطت بالكثير من المشوهات التي غطت بناءها السفلي، اما اعاليها فقد كان التلوث البصري فيها واضحا، فلا زجاج في النوافذ ولا طلاء لاستعادة بهجة الألوان، فيما دواخلها تهرأت وتغيرت وتحطمت وما عاد لها ذلك البهاء الذي كانت عليه وتتباهى به لسنوات طوال مادة عنقها بغرور تشاكس الحسناوات العابرات منها وقد امتلكت خصوصيتها وتفردها ونالت حقها من التغني والاحتفاء بها، ليست هنالك اية كتابة تؤكد حضورها ولا لوحة، قديمة او جديدة، ترفع اسمها على واجهتها، حتى انني حين قلت لاحد العاملين فيها : هل يمكن ان اقول انها يرثى لها؟ قال : كلمة (يرثى لها . . كلمة قليلة ) !! .

من خان الى عمارة

تقع العمارة في شارع السموأل (اسامة بن زيد بن حارثة) حاليا، ضمن منطقة الشورجة الكبيرة، على التقاطع مع شارع النهر، والشارع هو بمثابة (شارع المال والأعمال) في بغداد، وهو شارع عرضاني ممتد من جامع مرجان الى نهر دجلة، سمته بهذا الاسم (السموأل) امانة بغداد عام 1932، يقع حاليا ضمن حي الرشيد محلة 110، تقع العمارة على مسافة قصيرة من مبنى مصرف الرافدين في شارع الرشيد المشيد عام 1968 العالي بطوابقه الـ 16، وعلى يسارها تقف شامخة عمارة (الدفتر دار) بطوابقها الخمسة عشر الموضحة باللونين الاحمر والأزرق التي بنيت عام (1953). كان المكان الذي بنيت عليه العمارة عبارة عن (خان) قديم يسمي (خان البرزنلي) لصاحبه (الحاج محمد صالح البرزنلى)، اشتراه منه عبد الهادي الدامرجي، وقد هدم الخان عام 1946 وبنيت على عرصته هذه العمارة التي حملت اسم (الدامرجي) وهو اسم احد أقدم بيوتات بغداد المعروفة بـ (العز والتجارة)، لكن العمارة نسبت الى اخيه رجل الاعمال والتاجر (محمد الدامرجي)، واستغرق بناؤها اكثر من سنتين (1946- 1948)، ويبدو ان الأخ الأكبر إما أن أهدى الأرض لشقيقه محمد او ان محمدا اشتراها منه، وهما من اثرياء بغداد في ذلك الزمن، فقامت العمارة بطوابقها الستة، والتى اعتبرت في حينها عالية جدا ووصف بناؤها بأنه (تنفيذ جريء). ويحكي الناس (ان عدد طوابقها وصل إلى رقم خيالي، ستة طوابق!) ،، ونسجت حول ارتفاعها “الاسطوري” موجة من الحكايات الخرافية التى لا تصدق! ويمكن الاشارة الى ان كلمة (دامرجي): تعني حدّاد، والكلمة واردة من التركية حيث (ديمر) يعني حديد.

مشكلات هندسية

ويحكى ان محمد الدامرجي قرر حينها ان يبني عمارة عالية في هذا المكان، خاصة بعد توسع شارع السموأل، وتوجه فورا الى المصريين الذين عرف عنهم بناء الأبنية بالطوابق المتعددة واتفق مع معمار مصري لانجاز التصاميم، وبدأ العمل عام 1946، وحسب ما يؤكد د. خالد السلطاني ،المعمار والأكاديمي ، وفيما يتعلق بإشكاليات الإشراف على البناء، وإكمال مهمة عمل “أساسات” المبنى البغدادي، هي التي اعتبرت، في حينها، “العقدة الحرجة” والأهم في البناء، لجهة عدم إطلاع العراقيين، بما فيه الكفاية، عنها وعن مشاكلها الهندسية، فقد ارتأى حلها عن طريق تعاقد مع مهندس مصري مختص للإشراف على سير البناء، وهو ما تم فعلاً. بدأ العمل في حفر الأسس للمبنى، وما أن وصل المهندس المصري الى بغداد، وتحت مشورته المباشرة، انجزت هذه الفقرة بنجاح تام؛ وباتت الأسس جاهزة لتقبل احمال الطوابق العلوية الستة، لكن مشكلة افتعلت مع المهندس المصري أعادت مهمة الاشراف على بناء العمارة الى المهندس العراقي نيازي داود فتو (1909-1976) الذي يعد أول مهندس عراقي أسس مكتباً هندسياً منتظماً، بأسلوب مهني معتبر.

العمارة الغاطسة

هذه العمارة لها تسمية طريفة اخرى تمتلك غرابتها، تسمى (العمارة الغاطسة) لأن المياه الجوفية ظلت تتصاعد في اساساتها وتعيق اكمال بنائها مدة من الزمن..، ويبدو ان المياه الجوفية ما زالت مستمرة الى وقتنا الحالي، وقد علمت من العاملين في العمارة ان هذه المياه تغمر السرداب بشكل كبير ومتواصل لذلك نصبوا لها (مضخة) لسحب الماء الى الطابق الأرضي ومن ثم في المجاري الخاصة بالعمارة ثم الى المجاري العامة.

مضرب للامثال

هذه العمارة كان لها وقع خاص عند البغداديين خاصة والعراقيين عامة، وقد اذهلهم ارتفاعها فكانت كالعروس الحسناء بالمظهر الجديد التي كسرت التقاليد آنذاك، فصارت مضرب المثل ويحضر اسمها كلما بنى أحدهم دارا عالية فيها مبالغة بالارتفاع، في زمن كان الطابق الثاني يعد من الترف البغدادي الكبير، ويمكنك بسهولة ان تسمع قول احدهم (قابل هي عمارة الدامرجي؟) او يقال لصاحب الدار اذا ما اراد بناء بيتا جديدا (تريد تبني عمارة الدامرجي..)، فيما هناك حكاية يذكرها المعماري خالد السلطاني عن عمارة الدامرجي بقوله (حكاية كنت قد سمعتها وانا طفل صغير، في مدينتي الصغيرة (الصويرة): “بانك ليس بمقدورك ان ترى اعلى قمتها، من دون ان يقع…”عكالك”! (عقالك)، وقد انتشرت هذه الطريفة مثلا شعبيا يقول (من اباوع ليفوك يطيح عكالي من راسي)، وهو ما يصف به احدهم ارتفاع عمارة الدامرجي لصاحبه.

صورة الزعيم

ومن الذكريات التي تحتفظ بها ذاكرة العمارة والناس، ما قام به الفنان اليوغسلافي (لاززسكي) للاحتفاء بالذكرى الأولى لثورة 14 تموز عام 1959، وهو استاذ الفن الجداري في معهد الفنون الجميلة ببغداد، اذ قام برسم صورة جدارية للزعيم عبد الكريم قاسم وضعت على عمارة الدامرجي باعتبارها أعلى عمارة آنذاك، كانت الصورة على طول العمارة.

انعطافة بارزة

ومع كل ما حدث فإن السلطاني له وجهة نظر معمارية، فهو يرى ان الحديث عنها حديث عن صفحة هامة ومؤثرة، ترتقي لتكون نقطة تحول أو “منعطفاً” لافتاً في مسار تاریخ عمارة الحداثة العراقیة!، لكنه يراها لا تثیر انتباهاً خاصاً، فيقول: لغتها التصمیمیة متواضعة، مثلما هي زهیدة في مفرداتها التكوینیة، ثمة “اجتهاد” تصمیمي خجول، ربما نجده في أسلوب معالجات القسم الوسطي من الواجهة الرئیسیة فیها، اذ استثمر المعمار “بیت الدرج”، ذا الشكل نصف الدائري، والموقع في منتصف ركن المبنى، بنوافذه الطولیة الأربع، للتدلیل على أهمیة مكانتها التصمیمیة، وبكونه الجزء الذي تتفرع منه وتمتد شرفات المبنى نحو الیمین ونحو الشمال مؤكدة، في الوقت ذاته، قیمة موقع المبنى بین شارعین متقاطعین، لكن تلك المحاولة المحتشمة، تنسى مباشرة، حالما نبتعد عن منطقة الوسط، فالقسمان الطرفیان للمبنى تركا من دون ایة عنایة تصمیمیة تذكر، ثمة فتحات عمودیة لنوافذ طولیة محفورة على السطح العاري “الملبوخ” للمبنى، تلیها سلسلة من الشرفات الموقعة فرتكالیا، تنبئ بنهایة إیقاع الواجهة وتدلل على ختامها، ویبدو لي، ان أسلوب العمارة المصطفاة للمبنى، یشي “بتقلید” سمج لأحد مباني القاهرة العادیة، الحافلة بها شوارع العاصمة المصریة ومركزها الحضري.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.