نهر الخِر.. من واحة مائية جميلة الى مكبّ للنفايات

853

عامر جليل ابراهيم – عدسة: صباح الامارة/

كلما عبرت جسر الخر الواقع على مقربة من مبنى جهاز المخابرات العامة ينتابني شعور بالحسرة على ما تبقى من هذا النهر الذي كان بعرض عشرين متراً في ستينات القرن المنصرم ليطمر كليا في منتصف التسعينيات ويتحول الى بركة من المياه الراكدة ومكبّ للنفايات، تلك الحالة المؤسفة تضعنا أمام أسئلة لا إجابة لها: ماذا حصل لبغداد وانهرها عندما كانت أرضا خصبة تغمرها المياه الوفيرة؟

ماذا حصل لتلك المدينة التي يشطرها نهر دجلة الى قسمين منذ تأسيسها بشبكتها الواسعة من القنوات والجداول التي كانت توفر لمزارعها وسكانها ما يحتاجون اليها من المياه، فضلا عن اضفائها طابعا جماليا غاية في الروعة؟

مجرى النهر

كان نهر الخر، أو ما يعرف “بشطيط” يقع في بدايات القرن الماضي، خارج الحدود الإدارية لبغداد وحتى الخمسينات منه، وبعد التوسع الحاصل في المدينة دخل ضمن حدودها، ويبدأ بالدخول الى بغداد من مدينة الكاظمية وتحديدا من منطقة المحيط ماراً بمناطق الغزالية والعدل والوشاش والمنصور، ثم قصر الرحاب الملكي “المخابرات لاحقا” ثم الحارثية خلف ثانوية الكندي السابقة بجانب قصري الزهور والقادسية قبل ان يصب في نهر دجلة في منطقة الجادرية.

وكانت تتفرع من النهر وتصب فيه قنوات وأنهر صغيرة كثيرة، منها قناة الداودي التي كانت تلتقي به قريبا من جسر الخر، كما يتفرع منه نهر المسعودي الذي كانت آثاره باقية حتى فترة قريبة، حيث يمر قريبا من جامع براثا، ثم من خلف جامع الشيخ معروف الكرخي، ليصل الى قنطرة مقابل محطة تعبئة الوقود في منطقة العلاوي باتجاه جامع بنّية الحالي، ثم يستمر في جريانه ليصب في دجلة. وبمرور الزمن تحول النهر الى مبزل وبدأ عرض حوض النهر بالتقلص حتى وصل الى نحو 5 أمتار في السبعينات.. وجرت عدة محاولات لتنظيف النهر.. لكن دون جدوى حيث أصبح مجمعاً للفضلات والمياه الآسنة. الى ان تم طمره نهائياً عام 2002 بعد المباشرة ببناء القصر الرئاسي آنذاك.

أضرار

يقول هاشم القزويني، احد سكنة منطقة المأمون: كان لنهر الخر اهمية كبيرة بالنسبة لجانب الكرخ لعمله على سحب الرطوبة من المنطقة المحيطة بها، وبعد اندثاره اصبحت تلك المناطق رطبة وملحية وغير صالحة حتى لزراعة الحدائق المنزلية.

أما الشيخ ستار جبار، رئيس طائفة الصابئة المندائية، فيقول: كان نهر الخر يمر قرب مندى الطائفة الصابئية في منطقة القادسية قبل ان يصب في نهر دجلة، حيث كنا نؤدي طقوسنا الدينية على شاطئه لغاية تسعينات القرن الماضي ثم توقف الماء عن الجريان فيه، بعد تحويل مجرى النهر الى قصر الطاغية آنذاك، عندها اصبح نهر الخر غير صالح لنا واصبح بحكم الماء الميت بحسب طقوسنا. كان تضررنا كثيرا بعدما طمر النهر الذي كان يخدمنا بسبب قربه من المندى وكونه مكانا مغلقا يصلح للعبادة والطقوس الدينية التي تستوجب احيانا تبديل الملابس.

توسع المدينة

الامتداد السكاني الواسع لمدينة بغداد، والذي وصل الى ثمانية اضعاف عما كان في بدايات القرن العشرين، حوّل الكثير من الأراضي الزراعية الى مناطق سكنية، والابتعاد عن نهر دجلة يتطلب توفير واجهة مائية وحزاماً أخضر للمدينة لإبعاد تأثير الجو الصحراوي. إن الاهتمام بالنهضة العمرانية والمتمثلة بإقامة أحياء سكنية وقصور واسعة دون الاهتمام بالنواحي الأخرى للنهضة أدى الى اختلال في التوازن البيئي تسبب بظهور مشاكل جديدة تتطلب اعادة النظر بطمر نهر الخر ومحاولة اعادته الى سابق عهده لابعاد التأثير السيئ الذي خلفه طمره.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.