الفوتوغرافي جاسم الزبيدي.. المصور شاهداً على العصر

98

محسن ابراهيم /

تجوب كاميرته أتون الحروب، مستكشفة الحياة هناك، تبحث عما لايعرضه الإعلام أو يخفيه قصداً, صور لمعاناة أطفال خائفين يهرعون بحثاً عن ملجأ ما يقيهم فتك رصاصة أو قذيفة, أمهات تسمرت عيونهن على الطريق تنتظر عودة الغائب, صور تتكلم عن شعوب وعما خسروه وربحوه في معارك الحرية, فهو يؤمن ان الصورة تعبر أفضل من ألف كلمة، وحين تكون الكاميرا عين الواقع, حتماً ستؤطر مشاهد عن وجع الإنسان وتحرك الضمير في عالم بات يفقد الكثير من إنسانيته.

كان سلاحه آلة التصوير، وعلى مدى 25 عاماً كانت ترصد وتشهد نضال الشعوب من أجل الحرية, لقطاته ليست مجرد لوحة فنية, بل هي حكايا إنسانية تتكلم بصدق دون قيد, وعلامة فارقة عميقة مسجلة في تاريخ الفوتوغراف، وأرشيف للأجيال المقبلة.

كاميرا ونضال

ولد الراحل “جاسم الزبيدي” في مدينة بغداد عام 1940 من أبوين نزحا من مدينة العمارة والتقيا في بغداد وتزوجا, ترعرع الزبيدي وسط عائلة مكافحة، وفي مطلع شبابه كان مغرماً بالتصوير الفوتوغرافي، سانده في ذلك شقيقيه الأكبر سعيد, كان يتطلع بشغف لتلك الصور المعروضة في واجهة الاستوديوهات الأمامية، وكان يمني النفس ان يستطيع في يوم ما ان ينقل الواقع المعاش على الورق, افتتح “استوديو” للتصوير في مدينته. ايقن الزبيدي أنه إذا ما أراد ان يتميز عن الآخرين فلابد له أن يخرج عن المألوف في فن التصوير, فانتقل بكاميرته الى الشارع واتجه الى المسحوقين والكادحين ليوثق حياتهم اليومية ويجعل من جدران الاستوديو الخاص به لوحة تحكي الواقع الإنساني المرير آنذاك. وفي مطلع الستينات اكتشف بعض الصحفيين إمكانات جاسم الزبيدي ورؤيته للمشهد الصحفي فعرضوا عليه فكرة العمل في الصحافة, فعمل وأسس قسم التصوير الصحفي في مجلة (ألف باء). واتخذ جاسم الزبيدي من مهنة الفوتوغراف وسيلة للتعبير عن انتمائه الثوري والتحرري ضد كل أنواع الاستعمار والاضطهاد التي كان يعاني منها الشعب العربي في اعوام الستينات والسبعينات وحتى في اعوام الثمانينات ضد الدكتاتورية, فهو أول مصور عراقي يحمل كاميرته خارج العراق الى عدد من البلدان العربية منذ العام 1967 حتى عام 1979, شارك مع الفدائيين الفلسطينيين ليوثق عملياتهم القتالية وآخرها عملية “أم العقارب”, ليمنح صفة “مناضل” من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, ثم شارك الثوار الأريتريين مسيرتهم النضالية وكان من المؤمل أن يطلق اسمه على أحد شوارع مدينة اسمرة العاصمة الأريتيرية بعد تحرير البلاد من الاحتلال الأثيوبي عام 1970, تعرضت حياته للموت أكثر من مرة بسبب وجوده في تلك البلدان وبفعل الحروب, أصبحت صوره وثيقة إدانة ضد اضطهاد الشعوب.

رحلة الإبداع

طوال حياته المهنية أقام الزبيدي الكثير من المعارض الفوتوغرافية جال بها بقاع العالم, في لندن وباريس وروما والبلدان العربية. ليروي بلوحاته الفوتوغرافية قصة شعوب عشقت الحرية. ومن أهم انجازاته ومعارضه الفنية:

1964 مؤسس ومشارك جماعة تموز للفن الحديث في بغداد، وفي عام 1967شارك في معرض (المعركة الأولى) عن الشعب الفلسطيني ،واقام معرضه الشخصي الأول (قصة شعب) عن الثورة والشعب الفلسطيني، بعدها بعام، وكان أحد المؤسسين لجمعية المصورين العراقيين.

معارض

أقام عدة معارض، ففي عام 1979 كان معرض (وثيقة الصداقة) عن الشعب العراقي وشعب جمهورية المانيا الديمقراطية، وفي عام 1974معرض (وثيقة من تل الزعتر)، ومعرض (عمان والإنسان والثورة) عن الشعب العماني في عام 1976، كما اقام معرض (أطفال بلا طفولة) في عام 1980.

جائزة أفضل مصور

حاز جائزة أفضل صورة عن الحرب من قبل اتحاد الصحفيين العالميين عام 1990.

وأقام في عام 1991 معرض ملصقات لكل المعارض التي اقامها لمدة 25 عاماً دفاعاً عن العراق وفلسطين.

في1991 أصدر ملصقاً وصوراً عن الحياة خلال الحرب الأميركية على العراق نشر في جريدة الجمهورية, عمل مع مكتب اليونيسيف والبيئة في الأردن, كان له مشروع فوتوغرافي كبير عن أطفال الوطن العربي.. لكن الموت حال دون تحقيق ذلك.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.