المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي: نحتاج خطاباً سينمائياً حراً ومستقلاً

172

خالد سامح /

رشيد مشهراوي، أحد أبرز السينمائيين الفلسطينيين الرواد، فقد حازت أفلامه على اهتمام عربي وعالمي واسع، وحصل على جوائز فنية رفيعة، ذلك أن أعماله منفذة بحساسية إبداعية عالية، وتبرز تفاصيل إنسانية منسيّة في حياة الفلسطينيين، كما أنها تبتعد عن الخطابة والمباشرة ومشهراوي أول سينمائي فلسطيني عمل على إنجاز سينما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد أنجز العديد من الأفلام التي كان أولها (جواز سفر) 1986 أي قبل الانتفاضة الأولى ، ثم (الملجأ) عام 1989، و(دار ودور) 1990، و(أيام طويلة في غزة) 1991. وبعد أن أسس شركة (أيلول للإنتاج التلفزيوني والسينمائي) عام 1992 قدم فيلمه الروائي الأول (حتى إشعار آخر) 1993، ثم فيلمه الروائي الطويل الثاني (حيفا) عام 1996، الذي كان أول فيلم فلسطيني يعرض بشكل رسمي في مهرجان كان السينمائي منذ أن تأسس المهرجان، كما أن أعماله تدرس في هارفارد ولوس أنجلوس. (الكتابة على الثلج) أحدث أعمال المخرج رشيد مشهراوي، يتناول حادثة اجتماع عدد من الفلسطينيين صدفة في أحد المنازل هرباً من القصف الاسرائيلي، ومن خلال حواراتهم نكتشف عمق الانقسام الفلسطيني الداخلي. شارك في الفيلم النجم المصري عمرو واكد والسوري غسان مسعود. وقد عرض الفيلم، بحضوره، مؤخراً في مهرجان الفيلم العربي بدورته الثانية في عمّان، وعلى هامش المهرجان كان لنا معه ذلك الحوار:

** تُخصص فيلمك الجديد (الكتابة على الثلج) لطرح قضية الانقسام الحاصل في المجتمع الفلسطيني، وصراع الفلسطينيين الداخلي، لماذا يبتعد الكثير من المثقفين والمبدعين الفلسطينيين عن مناقشة تلك القضية برأيك؟

في الحقيقة أنا بت أميل لتناول تلك القضية خلال السنوات القليلة الماضية، لا بل أنها اصبحت من أولوياتي، انطلاقاً من حقيقة أننا لا يمكن أن نواجه العدو دون أن نواجه أنفسنا أولاً وننتقد سلوكياتنا وتصرفاتنا وأساليب تفكيرنا، وقد تناولته في السابق جزئياً وبصورة غير مباشرة في فيلم (ستوديو فلسطين)، لكني أخصص له الآن فيلماً كاملاً، وهذه أول مرة، لأنني وصلت ليقين بأننا لا يمكن أن نتحدث عن الاحتلال دون أن نمتلك الجرأة على كشف انقساماتنا الداخلية، يجب أن نلمس جرحنا ونشد عليه بنقد لاذع لا يستثني أحداً، حتى أنا نفسي كمواطن فلسطيني وكإنسان أرى أن من واجبي أولاً أن أنظر الى نفسي وعيوبي وأخطائي وأن أنتقدها. أما لماذا تغيب تلك القضية عن الفن الفلسطيني بالعموم، فإنني أرى أن السبب عائد بصورة كبيرة لفكرة (العيب)، وأولوية مهاجمة الاحتلال الإسرائيلي دائماً وأبداً، على اعتبار أننا لا نمتلك ترف انتقاد أنفسنا، وهذا ما أرفضه تماماً، حيث أن انتقاد انفسنا وكشف عيوبنا أحد ضرورات المقاومة ايضاً.

** أنتم مثقفو ومبدعو الداخل الفلسطيني، الى أي مدى ساهمت السينما بانفتاحكم وتواصلكم مع العالم العربي الذي قاطعكم طويلاً بسبب ظروف الاحتلال، أو خوفاً من تهم التطبيع كون بعضكم يحمل الجنسية الإسرائيلية؟

بدايةً لا بد أن أشير الى قناعتي بأن كل فيلم أنجزه مخرج فلسطيني عن القضية الفلسطينية هو فيلم يعكس طبيعة حياة الفلسطينيين بصورة أو بأخرى دون تمييز بين من هم بالضفة الغربية أو غزة أو المناطق المحتلة عام 1948 أو في الشتات، في النهاية نحن جميعاً شعب يواجه الاحتلال، وخارطة الأفلام الفلسطينية تشبه الخارطة الجغرافية والإنسانية لفلسطين، لذا نجحت بالتعبير عن الفلسطينيين وإيصال صوتهم للعالم العربي والعالم أجمع ونحن نشارك سنوياً في مهرجانات كبرى في مدن عربية ونتفاعل مع سينمائيين عرب وأجانب، والفضل في ذلك يعود لمجهودنا وللأفلام التي نصنعها. أما عن الأفلام التي يخرجها فلسطيني وينتجها إسرائيلي فأنا بالتأكيد ضد تلك الظاهرة، لكن لست مع منعها ومناقشتها.

** ما تقييمك للمنتج السينمائي الفلسطيني حالياً، وتوقعاتك للمستقبل لاسيما في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الفلسطينيين؟

أرى أن السينما الفلسطينية بخير، وهي نجحت في مخاطبة العالم بلغة راقية وبمستوى إبداعي فريد رغم أنها تقوم على مبادرات فردية لمبدعين متخصصين في الإخراج والتصوير والتقنيات المختلفة، وما يغني السينما الفلسطينية هو تنوع الظروف التي يعيشها كل مبدع وبالتالي يحاول عكس ذلك في أعماله، فمنتج الضفة يختلف شيئاً ما عن منتج ابن غزة، وهكذا مع فلسطينيي العام 1948، وفلسطينيي الشتات سواء في العالم العربي أو الدول الأجنبية، فلكل منهم زاوية يعبر منها وخلفية تتأثر بها أعماله، ثم أن السينما الفلسطينية باتت تنافس الآن في مهرجانات عالمية وتحصد جوائز مهمة في “كان” و”البندقية” و”برلين” و”القاهرة” و”الاسكندرية” وغيرها من المحافل السينمائية العالمية، بات لدينا الآن عدد كبير من المخرجين بينما قبل بضعة عقود لم يكن على الساحة غيري أنا وميشيل خليفة، هذا لا يعني أن الوضع مثالي ولا توجد معوقات أمامنا، فنحن لحد الآن لا نمتلك كل عناصر الصناعة السينمائية بقوة، وأهمها التمويل والترويج والتوزيع والأهم ترسيخ الثقافة السينمائية في المجتمع.

**ما رأيك بظاهرة “السينما المستقلة” والنجاحات التي تحققها عربياً؟

في الحقيقة هذا الشكل السينمائي، والذي يطلق عليه لقب “سينما المؤلف” أيضا، ايجابي ومهم، فنحن (كعرب وفلسطينيين) بحاجة لخطاب سينمائي حر ومستقل لا يخضع لاشتراطات شركات الانتاج الكبرى سواء كانت حكومية أو خاصة، أو شروط مؤسسات التوزيع والتسويق، هذا الشكل السينمائي أثبت نجاحه رغم كل الظروف والدليل أن فيلمي “الكتابة على الثلج” الذي ينتمي لتلك السينما قد عرض في مهرجانات عالمية وعربية مهمة سواء في أميركا أو فرنسا أو كندا وألمانيا وسلطنة عمان التي حاز فيها على جائزة الخنجر البرونزي لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة “أصوات من العالم” في مهرجان مسقط السينمائي الدولي. في النهاية فإن الفيلم سواء انتمى لموجة السينما المستقلة أو لعالم الأفلام المنتجة من الشركات السينمائية الكبرى تقدر أهميته بمستواه الفني، ومدى التزامه بالشروط الإبداعية.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.