شون بين في عباءة ستراسبورغ

326

مقداد عبد الرضا /

قلّة هم الذين لديهم القدرة على جذب انتباهك من خلال شاشة السينما الأمريكية، واعني بالضبط حرفة الممثل وتمكنه من ادواته,, ففي بدايتها (السينما الامريكية) وحتى وقت قريب ظلت تعتمد على نجم الشباك ذلك الوسيم القوي والمفتول العضلات, رعاة البقر الاشداء اؤلئك الذين لوحتهم شمس فلوريدا, بعدها جاء دور البطل المطلق الذي عادة مايكون حلم كل المراهقات, فكان كلارك كيبل, تيرون باور, روبرت تايلر, روبرت متشم.

لكن التغيير الذي احدثه كل من ستراسبورغ وايليا كازان هدم كل تلك المفاهيم واستطاعا ان يؤسسا معا ستديو الممثل الذي سيكون له الفضل الكبير في تخريج دفعات مثقفة من الممثلين احدثت انعطافة كبيرة في تاريخ السينما الأمريكية اعتمادا على ماجاء به ستنسلافسكي من مفاهيم حول عمل الممثل (الطريقة او المنهج), من الذين تخرجوا من ستديو الممثل وتركوا اثرا لايمكن تجاوزه, جيمس دين, مارلون براندو, بن كازارا, شيلي ونترز, كارل مالدن, بول نيومن, روبرت دينيرو, آل باشينو, وارن بيتي, مارلين مونرو, وغيرهم الكثير.

شون بين لم يتخرج من ستديو الممثل, ولم يدرس مباشرة فيه بل تدرب على يد استاذته بيجي فيوري والتي سبق لها ان درست في ستديو الممثل وكانت من اقرب اصدقاء سترابورغ وتلميذته والتي كان لها الأثر الفعال في تنمية قدرات هذا الممثل لنجده بعد فترة وجيزة قد حقق خطوات كبيرة في ادائه كممثل محترف, فقد بدأ بفيلمين دفعة واحدة في العام 1981 هما (مقتل راندي وابستر),, (مواسير) واستمر في الصعود والتألق الى ان جاءته واحدة من اسوأ العثرات حينما تعلق بالمطربة مادونا وتزوجها وكانت نتيجة هذه العلاقة الإدمان على المخدرات والتراجع الكبير, لكنه دفعة واحدة استطاع ان يمسك مجددا بزمام حياته فابتعد عن مادونا واختط له من جديد طريقا اوصله الى مصاف اروع الممثلين في العالم وليس في امريكا وحدها,, كيف لا وهو الذي تعلم من تشيخوف وشيكسبير ومارسيل بروست (اعداد هارولد بنتر لرواية البحث عن الزمن المفقود), اعتمد شون منذ البداية على صقل ادواته واتباعه لحسه الباطني او لشعور يتجسد عبر فعله السايكولوجي والتي تتخذ الحيز الاكبر في التعبير, علاقته بمادونا جرّت عليه الكثير من التوترات مع بعض المخرجين لذلك سعوا للابتعاد عنه على الرغم من اعترافهم بموهبته الكبيرة, لكن النقطة الفاصلة له كانت في فيلم (اولاد سيئون 1983) للمخرج ريك روزنتال, حيث استطاع ان يسيطر على انفعالاته الخارجية ويوظف نفسه الى اداء ساحر جعله يبقى في غرفة المونتاج لساعات يراقب اداءه في هذا الفيلم، وبذا تمكن ان يغير مفهوم الكثير من المخرجين عنه وابتدأ العمل مرة اخرى, ثم جاء فيلم (الصقر ورجل الثلج 1985) للمخرج الفذ جون شزلنجر الذي استطاع فيه ان يؤدي ببراعة دور احدى الشخصيات الحقيقية والتي كانت تعمل في تهريب المخدرات ليتحول الى جاسوس يعمل لصالح الاتحاد السوفيتي,, زار شون الشخصية الحقيقية (اندرو دولتن ليه) ليكون قريبا جدا من الاداء الحقيقي للشخصية, استطاع ان يغير ملامحه تماماً, تقول عنه انجليكا هيوستن في ادائه لهذا الفيلم (كان شون مندفعا بكل حواسه في القضاء على اخر معقل لذاته , قدرته الفذة في الكشف عن الرزايا التي تكمن في داخل الشخصية الحقيقية ,, لقد فعل ذلك مرارا), شون غير قادر على التكيف مع ألق الشهرة مثله مثل مونتغمري كلفت وروبرت دينيرو , لذلك ابتعد, عملت الصحافة ضده كثيرا وخاصة بعد افلام لم تكن تمثله, فكان فيلما( لسنا ملائكة وكوارث الحرب 1989), ظل بعدها لخمس سنوات لم يشارك في اى فليم الى ان جاءه دور بسيط مع آل باشينو في فيلم لبرايان دي بالما (طريق كارليتو 1993) لكنه وبسرعة وفي العام 1995 استطاع ان يجذب الاضواء اليه مرة اخرى ويحصل على جائزة الاوسكار باداء لافت لشخصية مركبة , في فيلم من اخراج تيم روبنز (رجل ميت يمشي) , شون لم يحضر الى القاعة لتسلم الجائزة تاكيدا لعدم حبّه للاضواء,, بعد ذلك استطاع ان يقوم بتجسيد ادوار رائعة توجها بجائزة اخرى للأوسكار عن فيلم ميلك من اخراج كاز فان سانت,, عمل خلف الكاميرا ايضا وقدم خمسة افلام مهمة(الهندي الراكض 1991) (عبور الحارس 1995) (الوعد 2001) واشتراكه مع احد عشر مخرجاً حيث قدموا افلاماً عن احداث 11 سبتمبر, ثم جاء فيلمه (في الريح), حينما شاهد فيلم المخرج اليخاندرو انريتو (الحب) اتصل به ورجاه ان يقوم ببطولة فيلمه القادم وكان له ما اراد حيث عمل مع انريتو في فيلم (21 غرام) ليخطف بها جائزة افضل اداء في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2004.. في العام 1997 حصل على جائزة افضل اداء ايضا من مهرجان كان السينمائي عن فيلم (بارعة الجمال) للمخرج نك كازافيت… من اهم الافلام التي اشترك فيها وقدم أدوارا مهمة,, اشتغاله مع كلنت ايستوود بفلم (النهر الغامض) (اغتيال ريتشارد نيكسون 2004) للمخرج نايس ميولر, لكن الاندفاع الكبير لدى شون جعله احيانا يقع في فخ المبالغة وهذا مافعله في فيلم (انا سام 2001) للمخرج جيسي نلسن حيث قام باداء دور معوق.

لقد احب الشخصية كثيرا لذلك خدعته وذهب بها الى مايسمى بلغة التمثيل (الأوفر) وكذلك في الفيلم المعاد انتاجه (كل رجالات الملك 2006) للمخرج ستيفن زيليان, مع كل ذلك لن ينسى شون ما قاله عنه جاك نيكلسن (ليس هناك حدود لشون كممثل).

بقي ان نعرف انه قبل سنوات قام بشراء حقوق رواية ماركيز (خريف البطريارك) كي يحولها الى فيلم ,, لاندري الى الان الى اين وصل بها, هل سيستطيع شون ان يحول هذه الرواية الصعة الى فيلم ام انه سيقع مثلما وقع البعض في تحويلهم روايات ماركيز الى افلام كان اخرها (الحب في زمن الكوليرا) للمخرج مايك نولن حيث لم يستطع الامساك بسحر امريكا اللاتينية مثلما فعل سحرتها. لم يقدم شون في سنواته الاخيرة اشياء مهمة سوى بضعة افلام قصيرة وبعض المسلسلات للتلفزيون.

يذكر ان شون بين زار البلاد في العام 2003 قبل الاحاث باسابيع وعقد مؤتمراً صحفياً في فندق الرشيد, واهم ما قاله: الاثنان ستتلطخ ايديهما بالدم , جورج بوش وصدام

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.