كريم سعدون: من الأفضل أن تعيش الحلم بدلاً من أن تحوله إلى واقع

60

محسن إبراهيم /

من أزقة بغداد وشناشيلها، وبيئته التي ساعدته في تذوق الفن، داعبت أنامله لوحته الأولى. البيئة وفن الأرض هما شاغله الأكبر، فهو يعيد تمثيل المشاهد البيئية رداً على التدمير المستمر للحياة, يحلم بعالم بلا عنف, واقفاً على حافة العالم، ترقص ريشته على إيقاعات اللون ليعلن أن الفن رسالة لابد لها أن تساهم في تغيير البنى الثقافية لدى الإنسان كي يتذوق الجمال. مع الفنان التشكيلي كريم سعدون كانت لنا هذه الرحلة:
سؤال لابد منه: كيف كانت البداية؟
مثل أية بداية للأولاد وتلاميذ المدارس، البيئة والبيت يمليان توجهات الفتيان في مقتبل العمر, إخوتي الأكبر مني سناً كانوا مهتمين بالقراءة ومتابعة المشهد الثقافي، عن طريقهم كانت الخطوة الأولى في الاطلاع على بعض الإصدارات، ومن هنا تفتحت الموهبة، خصوصاً في المرحلة الابتدائية التي أتاحت لي المراسم وأساتذة الرسم، تواصلت بعدها في الدراستين المتوسطة والثانوية لحين وصولي الى الدراسة الأكاديمية.
كيف تساهم البيئة في بروز الموهبة؟
للبيئة اشتراطات كثيرة, لكنها في أغلب الأحيان هي الموجِّه للمواهب، وتأثيرها كبير جداً من خلال مايحيط بك من أشخاص وأماكن, المكان يوحي لك بالكثير ويعطيك تدفقات صورية تصبح فيما بعد خزيناً صورياً يتضح في النتاج الفني, البيئة البغدادية بشكل عام هي بيئة ثرية من خلال الأماكن وأشكالها والناس وتحركاتهم ومهنهم, كل هذه الأشياء تفرض مقاسات معينة في شكل اللوحة وتكوينها, في البدايات تحضر أهمية المكان في اللوحة، وفيما بعد تكون هناك إزاحات كثيرة، لكن يبقى أثر البيئة ثابتاً من خلال اللون وحركة التكوين داخل العمل.
ما الذي يحفز ريشة الفنان؟
الآن ما يحفزها هو المكان الذي أعيش فيه ونمط الحياة المتسارع جداً والمتقلب بسب التطورات الكثيرة والكبيرة في شكل الحياة, للشخص اللاجئ والمهاجر اشتراطات أخرى, مجتمع جديد، وحياة المهاجر تبدأ من الصفر, كل هذه الأشياء تدفع الى شكل جديد في الفن. بالنسبة لي شكل اللوحة تغير والعمل النحتي تغير، دخلت أشياء جديدة في إنجاز العمل الفني, ما يدفعني ويحفزني لإنتاج عمل فني هو شكل الحياة المعاشة، وتظهر في أعمالي دائماً شخصية المتأمل، وأعتقد أن مايحفزني هو شكل الحياة في المهجر.
الفنون جاءت لتنشر المتعة والجمال وبنفس الوقت لتحارب الجهل والفقر، كيف تجادل هذا المعتقد؟
الاستخدام البدائي للفن هو استخدام بيئي، الدولة آنذاك استخدمت الفن لكتابة تاريخها، فيما بعد دخل الفن في تسابق مع المتغيرات التي حدثت إن كانت سياسية أو اقتصادية أو دينية، خصوصاً عند الإغريق, بدأ التحول في الفن وأصبح فناً توجيهياً حين استخدم استخداماً دينياً كرسم الإنجيل مثلاً, الصورة كانت بديلاً للكلام، لذلك كان مؤثراً جداً، من هنا انطلقت الوظيفة المؤثرة للفن لخلق إحساس جديد وتربية بصرية لدى الناس شكلت مسارات جديدة للتذوق. في المجتمعات الأوروبية مازال طلبة المدارس يدرسون الفن في كافة المراحل، لذلك حين ترى شخصاً معيناً يدخل متحفاً او معرضاً للفن الحديث لا مشكلة لديه في تذوق وتقبل الأعمال، ويكون هناك تواصل بين اللوحة والمتلقي, لذلك أرى أن الفن ساهم بتغيير البنى الثقافية لدى الإنسان من خلال تذوقه للجمال.
بين الواقع والحلم, أين يدقّ نبض الفنان التشكيلي؟
أعتقد أن كل فنان عراقي كان حلمه أن يهاجر الى أوروبا، إما لتكملة دراسته أو للنهل من منابع الفن الأساسية او العيش في المهجر.
هذا الحلم اصطدم بمعوقات كثيرة للذين هاجروا في بداية الأمر بفعل الهجرة القسرية ولأسباب كثيرة, اكتشفوا أن المكان الجديد لايسمح بممارسة كل شيء, نعم هناك مساحة حرية لكن هناك مشاكل ومعوقات كثيرة تحد من هذا الاندفاع, أعتقد أن من الأفضل أن تعيش الحلم بدلاً من أن تعيشه كواقع, لأنه حينما يتحقق الحلم هناك أعتقد أنه سيكون مهشماً، وإن حصلت على نسبة بسيطة من حلمك فستكون مبدّدة أيضا بسبب الإشكالات التي تواجهك هناك, الكثير من الفنانين انتجوا أعمالاً كثيرة، لكن داخل النفس هناك انكسارات وإحباطات كبيرة.
اللون والحياة والفنان التشكيلي.. إلى أين يسير بنا هذا الثالوث؟
يذكرني هذا السؤال بقول للفنان الكبير جواد سليم حين قيل له إن بيئتنا ذات لون واحد هو اللون الصحراوي، حينها قال: “إن الرسام الواسطي رسم الجِمال، وهي ذات لون صحراوي، بألوان مختلفة.”
البيئة حتى إن كانت صعبة تعطيك خيارات كثيرة تستطيع أن تبتكر منها ألواناً عدة، اللون لدينا، خصوصاً اللون البغدادي، هو لون واحد أيضا خلق إمكانية التخيل لألوان أخرى، لذلك تجد فيما بعد تنوعاً في الألوان في المباني والحدائق، أعتقد أن هذا يقودنا للتساؤل ما الذي يفعله الفن بالحياة، هذه الثلاثية هي التي تنتج فناً يرتقي بالحياة.
العطاء وإثارة الدهشة.. كيف تحاور هذا الاندماج؟
يكون اشتغال الفنان على أساس إنتاج عمل فني, هذا الفن متجرد من التخيل بإثارة الدهشة لدى المتلقي, كل ما هنالك أن الفنان ينتج العمل ويترك التقييم للجمهور, الدهشة هي داخل العمل الفني تحديداً, لذلك يحاول الفنان أن يكون حاله حال أية مهنة أخرى, الاستمتاع بالعمل هو الشيء الأهم من خلال الأدوات التي يمتلكها، وإن أثار انتباه الناس او دهشتهم فذلك يعني نوعاً من النجاح.
هناك قول لبيكاسو هو إن الرسم طريقة أخرى لكتابة الذكريات..
الآن لا ينطبق هذا القول، لأن الفن التشكيلي ابتعد عن السرد، في السابق، حين بدأت الصورة تحل بدلاً عن الكلام، وحين يدخل الإنسان الى الكنيسة مثلاً ويشاهد الإنجيل مرسوماً يفهم القصة كاملة، الآن لاتستطيع أن تحمِّل العمل الفني سرداً كثيراً, يجب أن يكون مستقلاً وقائماً بذاته ومبتعداً عن اللغة، نحن دائماً نستعير اللغة لشرح اللوحة، السرد يقلل من قيمة العمل الفني ويقسر المشاهد على دلالة معينة, الأصح أن تكون هناك دلالات متعددة في العمل، وللمتقلي الحرية في تشكيل الدلالة التي يراها.
أنت رسام على حافّة العالم، كيف ترى العالم من تلك الحافة؟
أنا فعلا أرى نفسي على حافّة العالم, وهذه الحافّة وفرت لي فسحة كبيرة من الحرية وبيئة تجريبية واسعة جداً، وجعلتني أرى العالم بمنظار آخر, وبعد سنوات من الوقوف على تلك الحافة فُتحت آفاق جديدة في الحياة, شكل الحياة تغير، النظرة الى الحياة تغيرت, سُؤلت مرة: إن عاد بك الزمن هل ستقبل أن تعيش هذا الزمن الحالي؟ أجبت: ربما لا أقبل اجتماعياً، لكن فنياً بكل ثقة أقول نعم، أحب أن أكرر هذه التجربة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.