بغداد تفقد أشجارها

41

إياد عطية الخالدي /

فيما تتسابق دول العالم على زراعة اكبر المساحات الخضراء في إطار ستراتيجية لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري بسبب تغيرات المناخ وترصد لهذا العمل مليارات الدولارات، تتواصل في العراق عمليات واسعة لتجريف البساتين وإعدام الأشجار على الرغم من أنه يقع تحت التأثير المباشر للاحتباس الحراري بالمقارنة مع الدول التي تخوض حرباً لاهوادة فيها لمواجهة هذه الظاهرة وتسخِّر لها مبالغَ طائلة.
فقد حطّمت الهند في شهر تموز 2019 الرقم القياسي العالمي في زراعة الأشجار، بعدما نجحت في زرع 50 مليون شجرة في يوم واحد فقط، متغلبة على جارتها باكستان التي زرعت 40 مليون شجرة بينما تجري الاستعدادات في الصين ودول اخرى على تنفيذ هذه الستراتيجية من خلال فعاليات تحطيم الأرقام القياسية.
البشر قبل الشجر
ونالت بغداد الحصة الأكبر من أوسع عملية لتجريف الأراضي الزراعية وتحويل المناطق الخضراء والمشاتل الى مشاريع كونكريتية، تسببت بتلوث العاصمة وارتفاع درجة الحرارة فيها بشكل غير مسبوق.
وتتوجه الاتهامات في هذا السياق الى شخصيات ( قوية بعلاقاتها وأموالها ) وبتواطؤ من ضعاف النفوس في الدوائر المختصة بتدمير المناطق الخضراء في بغداد. وقد تعرضت مناطق الكريعات والدورة والعطيفية ومناطق شرقي بغداد وجنوبيها وشمالاً الى الكاظمية والطارمية والمدائن الى عمليات واسعة لتجريف البساتين وتحول حي “البساتين”الى قطعة كونكريتية ولم يبق من بساتينه إلا اسمها فقط في مفارقة لافتة.
يقول سكان الأحياء التي تعرضت الى التجريف الواسع إنهم حاولوا وقف عمليات التجريف واتصلوا بمختلف الجهات الحكومية غير أن مطالباتهم جوبهت بالإهمال.
ويدافع مدير عام دائرة بلدية الدورة محمد هاتف، إحدى اكبر المناطق التي تعرضت بساتينها ومساحتها الخضراء الى التجريف، عن موقف بلديته “إن ملاكاتنا في قسم التجاوزات تعرضت الى التهديد بالقتل عندما حاولت وقف عمليات التجريف، وقدمنا بهذا الصدد شكاوى الى الجهات الأمنية والقضاء”.
وفي تأكيد على أن الجهات التي تنفذ وتشرف على عمليات التجريف جهات (قوية) مستعدة لقتل البشر قبل الشجر، فقد تعرض مدير بلدية الدورة الى هجوم بالقنابل اليدوية بينما كان يقوم بجولة ميدانية رفقة القوات الأمنية!
وفي مدينة يبلغ سكانها 8 ملايين نسمة وتتميز بمناخها شبه المداري القاري، إذ تتجاوز درجة حرارتها الخمسين درجة مئوية صيفاً، فإن خسارة الغطاء النباتي يؤثر سلباً في بيئتها ومناخها، فكلما تقلصت كثافته يؤدي الى زيادة الشعاع الشمسي ويزداد معدل التبخر وانخفض معدل الأوكسجين في مقابل ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكاربون.
من هنا تبرز أهمية الغطاء النباتي ويغدو عنصراً أساسياً في تغيير حياة السكان نفسياً وصحياً ولاسيما في فصل الصيف الحار.
أزمة السكن
لاشك أن أزمة السكن كانت عاملاً مهماً في خسارة بغداد لخضرتها وبساتينها ومشاتلها الخضراء، وفي غياب خطة جادة لمعالجة الأزمة اختفت المنازل الكبيرة ذات الحدائق الزاهرة، التي تتدلى من خلف أسيجيتها ثمارأشجار الحمضيات والفواكه، وتبعث في الليل رائحة الشبّوي والياسمين والرازقي والكاردينيا، اذ دفعت أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات الى تقسيم البيوت وتحويل حدائقها إلى بيوت صغيرة بلا أشجار.
لكن سكان بغداد يقولون إن الجهات المعنية بالحفاظ على مناطق بغداد الخضراء لا تخلو من الفاسدين الذين تواطأوا مع تجارة تجريف البساتين التي تتحول الى مليارات يتقاسمونها.
يقول المهندس إحسان كريم: لايمكن إنكار حاجة السكان في بغداد الى منازل في مدينة تعد الأغلى في العالم بأسعار العقارات تملكاً وإيجاراً، فبدلات إيجار مساكن صغيرة تلتهم نصف مرتبات وإيرادات العراقيين، وتضطر العوائل التي تمتلك بيتاً الى تقسيمه ليسع خمس عوائل كان يفترض أن تحصل كل منها على وحدة سكنية او قطعة ارض.
ومهمة الجهات المعنية تنظيم عمليات التجاوز والحفاظ على مساحات خضراء وهي مهمة كان بمقدور أمانة بغداد ومجلس المحافظة أن يستجيب لها وبأقل مجهود بدلاً من استغلال تلك الحاجة للإثراء، دون التفكير بحياة الملايين من سكان بغداد التي غدت واحدة من اسوأ مناطق العالم للعيش مع ارتفاع نسبة الملوثات وتقلص المساحات الخضراء.
ويضيف كريم: مع أن للسكن أولوية قصوى لدى مواطنين فإن لهم الحق في الحصول على سكن في بلدهم، لكن أن يجري حل أزمتهم بهذه الطريقة التي لا أتردد في تسميتها بـ”الهمجية” انما هو تعبير صارخ عن مدى توغل الفساد وغياب المنطق لدى المسؤولين عن هذا الملف المهم الذي تنفق الدول لأجل زيادة الرقعة الخضراء في مدنها مبالغَ طائلة.
المخطط الحضري
تؤكد المهندسة المعمارية هند حسن على أهمية التخطيط الحضري بالنسبة الى بناء وتوسيع المدن، مبينة أنه في العصر الحديث لايمكن بناء مجمع بدون الاستعانة بمخططات، فما بالك بتخطيط المدن التي لايترك توسعها لحركة الناس واجتهاداتهم، مشيرة الى أن العراق جلب شركات عالمية لوضع مخططات وتصاميم تنموية عدة لتطوير البيئة الحضرية للمدينة واهتمت تلك المخططات بشكل كبير بالفضاءات المفتوحة والمساحات الخضراء.
وأشارت الى أن التصميم الإنمائي الشامل لقانون 156 لسنة 1971الذي كلفت بإعداده آنذاك شركة بول سيرفيا البولونية وكان من أهم المخططات، فقد اشتمل المخطط على توسع لمرحلتين الأولى عام 1967 وسنة الهدف بغداد عام 1990 ، أما المرحلة الثانية فقد اعدت سنة 1973 والهدف بغداد عام 2000، حيث كانت التوقعات تشير الى أن سكان بغداد سيبلغ نحو ستة ملايين نسمة.
واستغربت حسن تجاهل المسؤولين لهذا المخطط الذين اعتنى كثيراً بأهمية الغطاء النباتي واشتمل على حماية العاصمة بأكثر من حزام أخضر لوقايتها من العواصف الترابية كما أولى أهمية الى إنشاء الحدائق والمتنزهات داخل العاصمة وخصص مساحات واسعة لتشجيع إنشاء المشاتل بهدف زيادة النباتات الخضراء التي تسهم بتنقية الأجواء وتلطيفها لتمنح بغداد بعداً جمالياً.
تحركات
ومع تزايد المخاطر البيئية جراء العمليات الواسعة لتجريف البساتين في بغداد، واستحواذ السياسيين والتجار على مناطق خضراء تطل على نهر دجلة تعود ملكيتها الى الدولة وتسمى “ملكاً عاماً” ضمن مخطط العاصمة وتحويلها الى قصور ومشاريع استثمارية، تحركت مستشارية الأمن الوطني لتصدر قرارها المرقم 160 لسنة 2017 المتضمن منع دخول المواد الإنشائية الى الأراضي الزراعية، والتوصية بتشكيل قوة عسكرية تتم الاستعانة بها في إزالة التجاوزات، ومنع تجريف البساتين، ودعم عمل مديرية الحراسات والأمن التابعة لأمانة بغداد، ومفاتحة مجلس القضاء الأعلى بإيقاف إقرار التعليمات الخاصة بنسب الأسهم والتريث بتنفيذه من قبل التسجيل العقاري.
ومع أن هذا التحرك جاء متاخراً بعد أن تحولت بغداد الى مدينة كونكريتية، إلا أن المشكلة هي أن عمليات التجريف مازالت متواصلة تتحدى قرارات الدولة وتفرض واقعها.
الأمانة تبيع أراضي بغداد الخضراء!
والواقع أن أمانة بغداد، الجهة المؤتمنة على خضرة المدينة وبهجتها، مازالت ماضية بنهجها في التخلي عن أراضيها المخصصة كمشاتل وتقوم بمنحها لجهات استثمارية، وقد تحولت مناطق واسعة من بغداد الى مدن ألعاب ومولات ومقاه كان يفترض أن تكون متنزهات او مشاتل، ويمكن ملاحظة مناطق واسعة من بغداد الخضراء وقد فقدت خضرتها وبهجتها في مناطق الكريعات والمنصور وشارع فلسطين والمستنصرية والأعظمية والكاظمية والعطيفية وهي أملاك أمانة بغداد التي خسرتها مقابل حفنة من الأموال.
وخلال الأشهر القليلة الفائتة منحت أمانة بغداد مساحات خضراء في شارع الجامعة المستنصرية الى شركات تجارة السيارات بهدف استخدامها كمعارض، وفي ذات الوقت تتواصل عمليات إعدام النخيل وتجريف البساتين وليس بوسع أحد ان يتوقع من الجهات التي كان لها دور في تصحر بغداد أن تتراجع عن نهجها.
وأقرّ الناطق باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة بقيام الأمانة بتحويل المشاتل والمساحات الخضراء الى مشاريع تجارية، لحاجتها الى تعظيم مواردها المالية عن طريق استثمار هذه الأراضي، مبرراً هذا التوجه بكون الأمانة تمول أنشطنها الخدمية من الأموال التي تجنيها من عمليات الاستثمار. وأشار الى أن هناك توجيهات لبلدياتنا بضرورة استغلال كل المساحات وزراعتها او تأجيرها الى الراغبين بتحويلها الى مشاتل. بيد أنه قال إن العديد من المؤجرين يستغلون المشاتل في أنشطة أخرى ومن جانبنا نوقع عليهم غرامات باستمرار.
وقال إن الإمانة اتخذت إجراءت للحد من تحويل الأراضي الزراعية الى سكنية وقامت بمنع وصول المواد الإنشائية الى تلك المناطق وعلينا أن نعرف أن أزمة السكن كبيرة وهناك من استغل حاجة الناس الى السكن ولاسيما أن الاراضي الزراعية تباع بأسعار رخيصة بالمقارنة مع أسعار العقارات في بغداد.
وأوضح الناطق باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة أن مناطق شرقي القناة تعاني جملة من التجاوزات الكبيرة ونحن الآن نعمل على رفع هذه التجاوزات، لكن العملية ليست سهلة.
خطوة متأخرة
في خطوة متأخرة، أعلنت وزارة الداخلية منتصف نيسان الفائت عن إلقاء القبض على ماوصفتها بـ “عصابة متخصصة بالاستيلاء على أراض زراعية يعيش أصحابها خارج العراق”.
وقال الناطق باسم عمليات بغداد اللواء سعد معن في بيان “إن مركز شرطة الأعظمية التابع لقيادة شرطة بغداد ألقى القبض على عصابة متخصصة بالاستيلاء على الأراضي الزراعية العائدة ملكيتها لأشخاص يعيشون خارج البلاد”.
واضاف معن “اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم لإكمال أوراقهم التحقيقية”.
وفي تحرك غير مسبوق قالت أمانة بغداد في بيان لها “إن كوادرها أزالت خمسة دور سكنية شيدت تجاوزاً على أرض حكومية جنوب شرقي بغداد”.
والواقع أن آلاف الدونمات الزراعية التي تعود ملكيتها للأمانة جرى تقطيعها وبيعها الى المواطنين، من دون أن تبادر الأمانة الى تحرك لوقف عمليات الاستيلاء على أراضيها وبيعها كقطع صغيرة شيدت عليها منازل.
يؤكد المواطنون أن عناصرَ ترتبط بحهات (لم يسموها) تقوم بالاستيلاء على أراض زراعية خصوصاً في مناطق شرقي القناة تعود ملكيتها الى الدولة وتبيعها على شكل قطع صغيرة، بينما تفتقر هذه المناطق الى الحدائق والساحات والمتنزهات الخضراء وتعد من أكثر مناطق بغداد تإثراً بارتفاع درجة الحرارة وازدياد التلوث.
دراسة
لخّصت دراسة قدمتها الأستاذة في الجامعة المستنصرية سوسن صبيح حمدان عن المساحات الخضراء ودورها في تحسين البيئة المشكلة التي تعاني منها مدينة بغداد هي ماوصفتها بالإهمال الواضح في التخطيط الحضري والعمراني وغياب الرؤية لدى المعنيين بهذه المدينة بحيث ظهرت العشوائيات في التخطيط والتنفيذ وانتشر العديد من المشاريع المنفذة في المدينة ولاسيما في آلاونة الأخيرة بشكل يظهر عدم الحرص على المناطق الخضراء، وتحويلها الى استخدامات اخرى سواء كان ذلك بهيئة تجاوزات من قبل المواطن أو تجاوازت تأخذ طابعاً رسمياً.
ولفتت الدراسة الى أن التجاوزات على المساحات الخضراء بقرارات حكومية كان لها الأثر الكبير في انحسار المناطق الخضراء.
وفي الواقع أن بغداد تعاني من التلوث بفعل عوادم السيارات والمولدات كما تعاني من ارتفاع درجات الحرارة وهجمات الغبار ولاسيما في مواسم شح الأمطار، ويعد تشجير المدينة هو أفضل الحلول المتاحة وأقلها كلفة.
وهذا الأمر يستدعي وجود مسؤولين يمتلكون الرؤية والدراية اكثر من الأموال، وبدلاً من التساهل مع من يستغل المشاتل لأغراض أخرى، على الأمانة أن تجبرهم إما على اخلائها او الى استثمارها لإنتاج الشتلات، يرافق ذلك عمل واسع على حماية الساحات من الزحف العمراني وعدم التضحية بالاراضي الخضراء مقابل المال.
ومن الرائع ان نرى الاراضي الواسعة في شرقي القناة وقد تحولت الى متنزهات كبيرة تضفي على تلك المناطق بهجة وتلطف أجواءها من الملوثات، وليس صعباً ان تضع بغداد خطة لكسر الأرقام العالمية والقيام بزراعة ملايين الشتلات متى ابعدت يد الفاسدين التي تمتد الى كل ماهو جميل لتحيله خراباً وتبيعه في المزادات عن جهل او فساد.
ملاحظة
يتناول الملف هذه القضية في بغداد فقط كنموذج لما يحدث في العراق، اذ لا توجد محافظة عراقية لم تشهد تحويل أراضيها الزراعية الى سكنية وتجريف بساتينها، ولابد من وقفة جادة وسريعة، ونكرر ليس في بغداد وحدها، إنما في عموم العراق.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.