خروج عشرات المواقع السياحية من الخدمة!

438

ريا عاصي ـ أحمد سميسم ــ إيفان حكمت ــ ذو الفقار يوسف  /

عشرات المواقع السياحية تعرضت الى التخريب والإهمال والتجاوز،بدلا من تطويرها واستثمارها، في بلد يغص بكل عوامل الجذب السياحي.
ويمكن القول إن سوء الإدارة والروتين والوضع الأمني الذي مرت به البلاد كلها عوامل أدت الى هذا الخراب الكبير.

ومع ذلك تؤكد الجهات المعنية أنها بصدد إعادة الحياة للعديد من المشاريع، وتعبر عن قدرتها على تجاوز المعوقات لتعيد لهذه الأماكن مكانتها اللائقة.
بحيرة ساوة

بددت موجة الأمطار والسيول التي سقطت في المناطق الجنوبية ومنها بادية السماوة المخاوف من اختفاء واحدة من أغرب بحيرات العالم وأكثرها فرادة، فبحيرة ساوة هي البحيرة الوحيدة المغلقة التي لاتغذيها مياه جارية بل تعتمد على المياه الجوفية التي تغذيها من خلال الشقوق والتصدعات او مايطلق عليه”العيون”.
سادت مخاوف لدى المعنيين من احتمال اختفاء البحيرة بعد أن تناقص منسوب مياهها بشكل خطير بسبب شح المياه والأمطار وانخفاض منسوب نهر الفرات.
انتعاش ساوة المائي حرك من جديد ملف استثمار هذه البحيرة التي تقع في منطقة هي بأمس الحاجة الى المرافق السياحية، اذ تضيق فسحة التنزه والترفيه أمام العوائل والشباب في مدينة السماوة التي لاتبعد أكثر من 23 كم عن البحيرة.

روتين

وعلى مايبدو فإن الروتين الإداري يقف حائلاً أمام مشروع سياحي قدمه احد المستثمرين العراقيين لإنشاء فندق وشاليهات سياحية ومطاعم ومرسى لسباق الزوراق والغطس وسواها من المرافق السياحية، لكن عدم حسم تابعية البحيرة العائدة الآن لوزارة السياحة يعيق المشروع، ولم تنجح المحافظة في إقناع الوزارة بالتخلي عن البحيرة لصالحها بهدف إنشاء هذا المشروع الذي يواجه عقبات إدارية.

والحق أن بحيرة ساوة منطقة جاذبة للسياح وجرى إنشاء عدد من المرافق السياحية فيها اذ تتميز البحيرات التي ترتفع نسبة الملوحة فيها مقارنة بباقي البحيرات والأنهار في العراق حيث تبلغ هذه النسبة 1500 بالمليون وهي نسبة عالية جداً حيث أنها أعلى ملوحة من مياه الخليج العربي بمرة ونصف.
مرفق مهم لكنه مهمل، فمياه البحيرة تحتوي على نسبة عالية من الأملاح المذابة. وبلغت التوصيلة لهذه المياه 18 ألفاً و455، وعند مرور هذه المياه بين المسامات الموجودة بين أجزاء الأجسام المفككة، تترسب بعض الأملاح من محاليلها، وتستقر بين الأجزاء فتعمل على تماسكها كمادة لاصقة قوية.
وتعد بحيرة ساوة محطة للخط الملاحي للطيور المهاجرة، والقادمة من دول الجوار والبلدان الأخرى منها “الغطاس الصغير، البجع الأبيض، أبو قردان، اللقلق الأبيض، أبو منجل الأسود، أبو ملعقة، النحام الكبير، صياد السمك، الهدهد، السنونو”، لما تتميز به من وفرة الأسماك، الغذاء الأساسي لهذه الطيور، ومختلف الحشرات القشرية.

ويؤكد مدير عام المرافق السياحة المهندس محسن صدخان أن (بحيرة ساوة) ضمن الخطة الاستثمارية ومحاله الى أحد المستثمرين والعمل جارٍ بها ضمن الضوابط والشروط المتبعة.

جزيرة الأعراس

كانت تعد مرفقاً نموذجياً للسياحة في بغداد ومتنفساً للأهالي حيث المساحات الخضراء الواسعة اذ تبلغ مساحتها الكلية ٦٨٧ دونماً، كانت من أكبر وأهم الجزر النهرية في مدينة بغداد وأكثرها كثافة بالنبات الطبيعي. تقع في وسط نهر دجلة بين منطقتي الجادرية بالكرادة الشرقية، وحي القادسية بجانب الكرخ، وترتبط بحي القادسية بواسطة جسر حديدي (يقع تحت جسر الجادرية حاليا).

وتحتوي على مجمعين أولهما مجمع الأعراس الذي يضم ٤٠ شقة، كل شقة عبارة عن غرفة مزدوجة تقدر مساحة الواحدة منها ١٠٠ متر مربع مع ملحقاتها.
بعد عام ٢٠٠٣ اتخذت القوات الأميركية الجزيرة كقاعدة عسكرية لها، لموقعها الستراتيجي مقابل المنطقة الخضراء حتى عام ٢٠١٠حين سلمتها للحكومة العراقية.

اما اليوم فيقطن الجزيرة مائتا متجاوز قاموا باستغلال الأراضي وبناء مساكن عشوائية، علماً أن هيئة الاستثمار قدمت مشروعاً لإقامة مدينة سياحية وأول ملعب غولف في العراق، وقد تمت موافقة رئاسة مجلس الوزراء في بيان أصدرته عام ٢٠١٧ والذي نص على أن “المجلس وافق على المضي في استثمار جزيرة الأعراس السياحية والبحيرة المجاورة وتخويل اللجنة العليا للاستثمار والإعمار البتّ في الموضوع في ضوء صيغة تحدد مسار حسم ملكية الارض دون تأخير اجراءات استثمار الموقعين المذكورين.”

علماً أن الجزيرة تشهد رحلات عائلية تقام خلالها موائد الطعام التي يشتهر بها البغداديون عند السفرات ما بين قدور الدولمة او إقامة مناقل الشواء، اذ توجد في حدائقها بعض المصطبات القديمة لكن لا تتوفر فيها مرافق صحية او براميل للقمامة وكل ما عليك دفعه هو ألف دينار عن كل شخص للدخول وألفا دينار لتصفّ سيارتك.

آثار بلا متحف!

متحف الديوانية الذي أغلق منذ عام 1991م، فلا تكاد تخلو محافظة من متحف يعتبر واجهة حضارية لتلك المدينة، ولأن محافظة القادسية التي تغص بأكثر من 2000 موقع أثري من أهمها آثار نيبور ونفر، ولايزال التنقيب عن باقي المواقع جارياً، وتضم أيضا سبع مدن أثرية وتشكل من آثار العراق 16%، إلا أن المضحك المبكي هو عدم وجود مكان لعرض هذه الآثار، وعدم استغلال هذا الإرث كأداة لجذب السيّاح من كل بقاع الأرض.

لقد أغلق هذا المتحف الصغير لأسباب غير منطقية جاءت من خلال تصريحات بعض المسؤولين، وهو مايضيف للمشكلة همّاً جديداً، فمنهم من يصرح بأن المتحف مغلق بسبب تهالك بنايته، وآخر يقول إن قضية إغلاقه جاءت بسبب خلاف حول عائدية الأرض التي إقيم عليها. وبالرغم من المناشدات العديدة من قبل الأهالي إلا أن الجواب الوحيد هو الإهمال المستمر لهذا المكان الذي قد يدر على المحافظة مردوداً مادياً كبيراً، وخلق فرص لمحاربة البطالة وتعزيز الواقع الاقتصادي في هذه المدينة التي تعتبر من أقدم حضارات بلاد الرافدين.

الحبانية الضائعة..!

منتجع الحبانية السياحي غرب العاصمة بغداد كقبلة سياحية لها، إذ كان الأزواج الجدد يقصدونه لتمضية شهر العسل، فيما كانت العائلات تصطاف وتلوذ بمياه البحيرة من صيف البلاد الحارق.

المنتجع افتتح عام 1979، وكانت تتوزع فيه حدائق ومساكن وشاليهات وفنادق ومسابح، فيما أنشئت بحيرته عام 1956 في عهد الملك فيصل الثاني.
المدينة شهدت تحولات كثيرة، فبعد أن أصبحت مرتعاً للإرهابيين في عام 2007، إستعادت الدولة السيطرة عليها في عام 2012 لتشرع بإعادة إعمارها وفتح أبوابها أمام السياح، ولكن غمامة داعش الإرهابي التي مرّت على البلاد أثرت عليها، كما أثرت على كل شيء آخر، فغادرت هويتها السياحية، واستخدمت المدينة منشآتها التي تضم 500 وحدة سكنية تضم غرف نوم وصالة جلوس وملحقات أخرى، بالإضافة إلى الفندق الذي يضم 265 غرفة ومطاعم ومسابح وملاعب رياضية، لإيواء النازحين من محافظة الأنبار.

شركة تركية كان من المفترض ان تعيد تأهيل المدينة السياحية، إلا أنها إنسحبت في ظروف غير معلومة بعد أشهر من الشروع في العمل.
الهيئة الوطنية للاستثمار طرحت الحبانية كمشروع استثماري بكلفة قدرت بـ 25 مليون دولار في مؤتمر الكويت للإعمار والاستثمار، وأكدت في بيانها آنذاك ان المشروع هو تأهيل وتطوير المدينة السياحية في الحبانية وبناء مدينة سياحية متطورة على بحيرة الرزازة كفرصة استثمارية بمساحة 16 ألف دونم على ضفاف بحيرة الحبانية وبما يشمل تأهيل الفندق السياحي، والشقق السياحية وفق المواصفات المتطورة وبناء مدينة ألعاب متكاملة ومرسى للزوارق، ومطاعم فخمة، وخيمة كبرى، فيما كان من المفترض أن يكون شاطئ البحيرة أشبه بالشواطئ العالمية السياحية.

عبد الباسط خضر يقول في حديثه لـ”الشبكة” إن “مدينة الحبانية السياحية تعني لي ولعائلتي الكثير، فقد تزوجت فيها منتصف التسعينات، وقد كانت قمة في الجمال، ولكن اليوم لا أرى إلا أطلال مدينة سياحية، فلا يوجد مطعم حقيقي واحد، بل أكشاك تستغل بعد المسافة ودون رقابة تبيع الطعام بعشرة أضعافه في بعض الأحيان للسياح، فيما النقوصات لا تعد ولا تحصى.”

أما إيمان عبد الكريم فتقول في حديثها لـ”الشبكة”: “لا يمكننا المشي على الساحل دون ارتداء شيء في القدمين، فالأوساخ والمخلفات وأنقاض الزجاج المكسور في كل شبر منه، أما الرمال فهي أقل ما موجود.”

وتضيف عبد الكريم ان”ألعاب الأطفال الموجودة مكسرة تماماً ولا تصلح للعب وهي غير آمنة، على الرغم من بساطة صيانتها كونها العاب أجيال قديمة.”
المتجاوزون

ويشير مدير عام المرافق السياحة المهندس محسن صدخان الى موضوع مهم جداً يعيق عملية الإستثمار ألا وهو(المتجاوزون) على أماكن المرافق السياحية المنتشرة في بغداد والمحافظات، مثال على ذلك مرفق (عين التمر) في كربلاء المقدسة المتجاوز عليه، وعند قدوم المستثمر يطلب المتجاوزون مبالغ مالية طائلة مقابل خروجهم من المرفق السياحي، كما حدث معنا ايضاً في جزيرة (السندباد) في البصرة ما أدى الى انخفض مبلغ الاستثمار بسبب دفع الأموال للمتجاوزين، وايضا هناك مشكلة اخرى تحول دون تمكين المستثمرين من الاستثمار لاسيما في المناطق الساخنة حيث كانت أغلب مرافقها السياحية مستغلة كثكنات عسكرية ما أخر ايضا عملية الاستثمار بها، وكذلك مسألة ازدواج قضايا الملكية للأراضي التابعة للدولة وايضا الوضع الأمني كلها تؤثر بشكل او بآخر على عملية الاستثمار وتطوير المرافق السياحية.

جزيرة بغداد

ويقول صدخان إن جزيرة بغداد كانت عملية التطوير والتأهيل فيها من قبل وزارة الثقافة وليس من هيأة السياحة كبناء المطاعم وغيرها، لكن المقاولين لم ينفذوا عملهم بشكل صحيح وبات العمل فيه اشكاليات كثيرة، لذا عند إبرام عقد جديد من قبلنا مع مستثمر للجزيرة ضمن ضوابط جديدة فوجئنا بعدم قبول المستثمر تسلم بعض المرافق في الجزيرة بسبب المشاكل القانونية العالقة بين المقاولين السابقين ووزارة الثقافة.

فضلا عن أن هناك مرافق سياحية وأمكنة غير تابعة لهيأة السياحة، لذا قدمنا طلباً الى الحكومة لضمها لنا لتأهيلها وصيانتها لتكون صالحة لمرتاديها من عامة الناس، مثلاً (القصور الرئاسية) نطمح الى تحويلها لمنتجعات سياحية او متاحف، كذلك الحبانية فهي (مديرية خاصة) وأنا معترض عليها وقدمت مقترحاً الى السيد وزير الثقافة لجعلها تابعة الى هيأة السياحة، كذلك قصر المؤتمرات، ونأمل أن نجد آذاناً صاغية من قبل الجهات المعنية لطلبنا لتجتمع تلك المرافق تحت خيمة واهتمام هيأة السياحة.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.