أطفالٌ يتامى وقرارٌ صائب

66

رجاء خضير /

أصبحنا وأمسينا بكلمات وتصرفات هي نفسها تعاد وتتكرر ولا جديد فيها, كل شيء مات فيها…الحياة…فرح الطفولة وضحكاتها جميعها غابت، والروح فينا خاوية لا تثمر بأي شيء.. ترى من السبب في ذلك ومنْ المتسبب؟ بالتأكيد إنهُ هو منْ يملك القرار الأصم الذي لا يعي ولا يفكر… بل الأنعام أفضل منه بكثير!!وأنا واحد من هؤلاء، أنا أعترف.. أعترف… أنا…
بلا موعد قابلته لأراه قد تحول الى شخصية آلية ليست فيها روح الحياة ولايملك شيئاً مما عرفناه أيام الجامعة, قرأ التعجب والاستغراب في عيني فقال:
لا تتعجبي مما أنا عليه, فقد حولتني الأقدار وما رأيته من أحداثٍ الى ما ترَين وإليك قصتي…
تعرفين جيداً قصة حبي مع(!)، تزوجتها بعد التخرج مباشرة بعد مباركة الأهل لهذه الزيجة, فرحنا…سعدنا …سافرنا، وبعدها عملتُ في وظيفة جيدة, وبعد الاستقرار فكرنا بالإنجاب, ولكن بمشيئة الله لم نرزق بطفل على مدى أربعة اعوام. وبعد العلاج الدائم جاءنا الطفل الأول، فكان مجيئه فرحاً وسروراً للجميع. وبعد سنتين جاء الطفل الثاني وأحسسنا وقتها بأن اللهُ منِّ علينا بالخير والرزق وعشنا في سعادة كبيرة…
في يومٍ اقترحت عليّ أن نذهب الى الكاظمية للتسوق ونترك الأطفال عند أمي التي تحبهم بشكل كبير… وهكذا ذهبنا لتنقلب الدنيا الى قطعة من الجحيم…الصراخ…الاستغاثة…هرول منْ كان في المكان الى كل الاتجاهات لينجو بنفسه، وما كان مني الا أن أشدّ على يد زوجتي وسحبتها من المكان وركضت مع الآخرين بنفس الاتجاه, ساعدنا منْ كان بالقرب منا وأبعدونا عن مكان الانفجار، التفتّ الى زوجتي لأطمئنّ على سلامتها, فكانت صدمتي التي أرقدتني المستشفى لمدة طويلة.. لم تكن زوجتي وإنما امرأة عجوز لا أعرفها، قبّلت يدي حينها وشكرتني لأنني سبب نجاتها من موت محقق!! فكانت الصدمة الكبرى للجميع وأولهم أنا….
عدتُ الى وعيي وبكيت بكاءً مراً حينما علمت أن حبيبتي زوجتي وجدوها متفحمة في موقع الانفجار، كنتُ أضم طفليّ وأشم رائحتها فيهما, بقيت أشهراً على هذه الحال، جاء زملائي في الدائرة وأقنعوني بالعودة الى العمل كي أنسى بعض الشيء, وأبقيت طفليّ عند أمي, كانا لا يعرفان من الدنيا شيئاً ولا ما يدور حولهما!! وحينما أصبح الكبير في الثالثة من عمرهِ والآخر قرابة السنتين, اقترح عليّ الأصدقاء الزواج، لا من أجلي فقط وإنما من أجل طفليّ, رفضت ورفضت الى أن أقنعتني أم زوجتي بالفكرة, وبأن الحياة تسير ولا تتوقف عند محطة معينة, اقترح عليّ الأهل الكثير من النساء وكذلك الأصدقاء، وأخيراً اقتنعت بواحدة منهن مطلّقة وليس لديها أولاد, وفكرت أن هذا الأمر سيجعلها تحبُ اطفالي وترعاهم, إلا أنني فوجئتُ بموقف والدتي الرافض لهذه الفتاة بالذات, سألتها عن السبب, أجابت باختصار… أنها لا تفيدك ولا تفيد أطفالك. ولا أعرف لماذا أصررتُ عليها ورفضتُ رأي أمي وتزوجتها وأسكنتها في بيت مستقل عن أهلي تجنباً للمشاكل وعاش طفلاي معي…
عملتُ بعد دوامي أيضاً لأوفر احتياجات البيت وطفليّ اللذين بدآ يهزلان بشكل ملحوظ, وكلما ذهبنا لزيارة أهلي أراهما يبكيان عندما نخرج منهم، ولم أعرف ما السبب لأنهما لا يقولان شيئاً، لا سيما الكبير: سألتهما مراراً عن سر انزعاجهما من بيتنا ومن زوجتي الجديدة, كنتُ أحسِّن صورتها أمامهما… ولكنهما صغيران.
في يوم تعبتُ في دائرتي فعدتُ الى البيت مبكراً لأجدهما يجلسان عند الباب، وسألت الكبير عن سر جلوسهما هكذا… قال… خالتي نائمة!! دخلتُ لأجدها تغط في نوم عميق, أدخلتهما وأعددتُ لهما الإفطار، أكلا بشهية غير متوقعة وسألت الكبير: هذا الطعام أطيب أم الذي تعملهُ(!)… أجاب بعفوية الطفولة: إنها لا تعمل الطعام لنا… من ذلك اليوم بدأتُ أراقب كيف تتعامل معهما!! كانت تشتري لهما أرخص (الجبس وبعض النساتل الرديئة) لتسكت جوعهما: واذا امتنعا عن أكلها تضربهما بشكل هستيري!!
لم أتحمل ما رأيته وصارحتها بكل ما أعرفه من تصرفات تجاه طفلي… لم تنكر بل وقالت: وماذنبي أرُبّي أولاد غيري!!
صرخت بها: كنت تعرفين جيداً وضعي, وتعهدتِ برعايتهما: ما الذي غيّرك!!
أجابت وبكل وقاحة: خذهما الى أمك أو إحدى شقيقاتك، إذاً لا تريدينهما في البيت, نعم لا أريدهما!!
سمعت شقيقتي الكبيرة بالأمر, جاءت وتشاجرت معها واسمعتها كلاماً قاسياً, وأخذت الطفلين وخرجت, بعد أن نظرت اليّ نظرات قاسية وعاتبة على سكوتي أمامها…
حاولت استمالتي بأساليب الأنثى الماكرة، ولا أنكر استجبتُ لها بداية الأمر, ولكن بعد حين سمعتها تتحدث مع أمها في الهاتف وتعدها بأن تعطيها كل ماتريد بعد أن تسيطر عليّ وتحصل على ما أملكُ… كل شيء, وأن إبعاد الأولاد هو أول الغيث يا أمي!!
وقع الموبايل من يدها حينما رأتني خلفها وعرفت أنني سمعت كل شيء!!
اصفرّت وحاولت أفهامي الموضوع وتحركت أمامي لتجعلني أصدّق أكاذيبها, لم أدعها تكمل بل فاجأتها بالقول: أمي كانت على حق حينما رفضتك وبشدة ورفضت زواجي منكِ لأنها تعرف جيداً أنكِ سيئة جداً, وهذا ما عرفته من نساء يعرفونك جيداً ولماذا طلّقكِ زوجك الأول…
وبعد ما يئست من إغرائي, تحوّلت الى أفعى لتنفث سمّها بوجهي وتقول ما عندها: تزوجتك لأحقق مصلحتي منك وأتركك، وهل صدقت بأنني أحبك وأحبُ ولديك!! أنا أصفك بالأبله دائماً!
لم أتمالك أعصابي ودفعتها بقوة خارج البيت لأطردها شرّ طردة ورميت عليها يمين الطلاق. وبدأ أهلها يحاولون إعادتها لي، لكني رفضت, عاد أولادي لأحضاني وتعهدت أمي برعايتهما, وتعهدت أنا ايضاً أن أحافظ عليهما وأرعاهما إكراماً لهما وإكراماً لأمهما (رحمها الله) التي كانت أوفى وأحلى حبيبة وزوجة..
هذه هي حكايتي يا صديقتي!!

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.