أمّي وقدح الشاي المميت

336

رجاء خضير /

تتصارع الأصوات في داخلي، لا أعرفُ من أصدق ومن لا، فالتيه لازمني كعاشق لا يقوى على فراق معشوقهِ سنيناً عجافاً يكبر الحلمُ معها… وأنا واثقة بأنني سأغادرها عاجلاً لتبقى صمت ذكريات لم يخطها قلم ولم يقرأها انسان، لأن الأقدار سبقتني وحكمت عليّ أن أفارق منْ كانوا سبب وجودي في هذه الحياة وسبباً لفراق كل من في الحياة.

قضية هذا العدد حدثت في إحدى القرى في محافظة (!) والى الآن يحيا بعض شخوصها ينخرُ الندم أجسادهم، ولكن لات حين مندم.

صبية نحيلة سمراء تركت دراستها لتساعد أمها في أعمال البيت ورعاية إخوتها الثمانية، فهم هناك يعشقون الإنجاب، وحينما تنتهي من أعمال البيت يأمرها والدها أن تسرح بالبقرة وبعض الأغنام لتعود وقت الغروب منهكة القوى، تنام وفي فمها لقمة الطعام. كل هذا يحدث أمام أنظار الأم التي كان يجب أن يتحرك ضمير الأمومة وإحساسها بتعب ما تلاقيه ابنتها، لكن مشاعر الأمومة وحنانها ناما في سبات.

اضافة الى كل ماتنجزه كان عليها رعاية إخوتها الصغار الذين بدأوا يشعرون بتعب شقيقتهم ومعاناتها دون أن تتكلم، ما اضطر شقيقها أن يسأل والدته: لماذا يعاملون أخته هكذا؟ لم تجب الأم، بل كانت تعتبره جزءاً من مسؤولياتها، فعلى الأبناء أن يقدموا المساعدة والعون لوالديهما، أجابها إذن عليّ أن اساعدكم ايضاً. صرخت بوجهه أنت رجل وعلى شقيقاتك خدمتك وتوفير ماتحتاجهُ.

بطلة القضية سمعت حوارهما هذا، وفكرت: إذن البنت تخدم والولد يعيش ملكاً، هذا هو نمط الحياة هنا، لأسكت!

في مرة اشتكت الصبية من أوجاع والآم في بطنها، فما كان من الأم إلا أن تنهرها وتصفها بالكسل والتحجج بالمرض كي لا تعمل.

ومع نفسها صممت أن لا تفاتح والدتها بعد الآن، كان شقيقها يراقبها من بعيد، وبطلب من والدهما كانت بريئة ونزيهة من كل مايدور بفكر الوالد. وفي يوم صاحب والده الى مناسبة عند الجيران، وفي الطريق طلب من والده مساعدة أخته لأنها فعلاً مريضة وتتوجع، فأسكته والدهُ وطلب منه ان لا يكون عطوفاً هكذا لأنها ستتمرد اذا عرفت دفاعه الدائم عنها.

كبرت وأصبحت شابة جميلة، لم تنقطع عن أداء جميع واجباتها، وفي إحدى المرات شاهدها عمها في الطريق ورأى خلفها شباناً يسمعونها كلاماً ناعماً، اشتاط غضباً وحدّث والدها بأن لا يدعها تخرج بعد الآن لأنها اصبحت شابة جميلة، وبالتأكيد ستتعرض لتحرشات كثيرة. لم يقتنع والدها بنصائح شقيقه، بل أكد له بانهم لا يستغنون عن أعمالها اليومية!

خرج العم حزيناً لايعرف كيف يتصرف مع هذا الموقف، وعند عودته صادفها جالسة تحت شجرة، أسرع اليها وسألها عما ألمّ بها، كانت صفراء ذابلة تتلوى من الألم فشرحت له ما تعانيه ومنذ مدة، احتضنها عمها وأخذها الى البيت وأعاد الحديث مع شقيقه الذي أصر على موقفهِ. وهكذا عادت الى اعمالها في الصباح الباكر، بعد أن بكت في أحضان أمها من الألم، ولكن الأم اعتبرته دلالاً.

كان هناك شاب جار لهم يتتبع خطواتها الى أي مكان تعمل فيه، ولكنه يراقبها عن بُعد فقط ولم يحدثها يوماً. شاهدته هي وعرفت مع الأيام انها المقصودة بهذه المتابعة، ولكنها لا تستطيع فعل اي شيء لئلا يكون نصيبها القتل! وأدَتَ إحساسها ونبض قلبها قبل أن يولد الحب.

زادت معاناتها من المرض. وفي أحد الصباحات لم تستطع النهوض من فراشها رغم إيقاظ أمها شعرت بثقل في بطنها وانتفاخ، جاءت الأم لترى ما بها ولماذا تأخرت، فأشارت الى بطنها وحينما رأت انتفاخ بطنها لطمت على خديها وبدأت بالسب والتوبيخ والضرب، والشابة لا تعرف لماذا؟ خرجت أمها وعادت مع والدها يسألانها منْ فعل بك هذا؟

دهشت وخافت كثيراً: انا لا أفهم ماذا تقصدين يا أمي!

أجابتها بعد أن ضربتها بشدة على بطنها لتصرخ عالياً من شدة الألم، بكت وتوسلت بهما أن يفهماها ماذا يقصدان، فانهالا ضرباً عليها الى أن اغمي عليها، لتفيق على نداء شقيقها الذي كان خارج البيت، وحاول إفهام والدهُ بأن اختهُ لم تعمل شيئاً مما يفكران به، إلا أن الأم أصرت على التخلص منها قبل أن ينتشر الخبر. وحينما سمعت ذلك التصقت بشقيقها وهي تقسم له بأنها لم تفعل شيئاً مما يفكران به!!

مضت ايام صعبة جداً عليها وهي ترى وتسمع همس والديها كيف يتخلصون منها بهدوء ودون ان يشعر أحد.

في الصباح بدت والدتها على غير عادتها رقيقة حنونة جلبت معها الشاي والأكل وحدثتها طويلاً بأنهما اقتنعا بمرضها وقد ذهب والدها ليسأل عن طبيب جيد في مركز المحافظة.

عجبت مما سمعتهُ هل يعقل أن يتغيرا بين ليلة وضحاها هكذا؟

فكرت بأن شقيقها له الفضل في إقناعهما ورغبت في أن تشكره، ولكنه في المدرسة وصممت ان تقبله وتشكره حينما يعود. رفضت شرب الشاي لأنها لا تحبه، ذكرت ذلك لأمها ولكنها (الأم) اجبرتها على شربه لأنه سيعالج ويسكن ألم بطنها، صدقتها وشربته ونامت، ولم تعرف حينها أن نومها هذا أبدي، لمِا يحتويه على كمية كبيرة من السم القاتل.

عاد شقيقها وسأل عنها فقالت له الأم انها نائمة بعد أن شربت الشاي، فتح باب غرفتها ليراها ممددة بين فراشها والباب بلا حراك ليصرخ بأمه ماذا فعلت بها؟ واين أبي الفاعل انتما قتلتماها، أنا سأبلغ عنكما الشرطة والأم تسكته لئلا يسمع الجيران، فخرج يصرخ ويستغيث بمن حوله. نقلوها الى المستشفى دون موافقه أمها، وهناك طلب شقيقها الكشف عليها والتأكد من سلامة عذريتها وما سبب انتفاخ بطنها، وايضاً سبب وفاتها.

وتجمع أقاربها وحضر والدها الذي حاول التأثيرعلى ولده ليكف عما طلب من الطبيب، لكنه لم يوافق، وصرخ أريد براءة أختي حتى وإن كانت ميتة، وأريد أن تأخذ العدالة مجراها.

طال الانتظار ساعات طوال، والجميع ينتظر بلهفة وخوف من النتيجة، التي كان شقيقها فقط متاكداً منها.

خرج الطبيب وبيدِه التقرير الكامل لحالتها فطلب منه شقيقها أن يقرأه وبصوت يسمعه الجميع، وأمام هستيريا شقيقها وحالته استجاب له الطبيب وقرأ: انها بنت باكر لم يمسها أحد، وانتفاخ بطنها سببهُ ورم خبيث قديم مهمل وقد تفاقم عليها في الفترة الأخيرة وأن سبب وفاتها هو السم. هنا اندفع شقيقها نحو والديهما ودفعهما بقوة خارج المستشفى وطلب من سيارة النجدة أن تأخذهما الى الشرطة لأنهما شريكان في دس السم لها في قدح الشاي ليتخلصا منها.

بكى الجميع على صراخ شقيقها وحزنه على شقيقته التي قتلها الجهل والتخلف وهي في ريعان شبابها.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.