الحرام كماء البحر كلما شربتَ منه ازددتَ عطشاً

119

رجاء خضير /

حينما نخطئ بحق أقرب الناس، ونولّي وجوهنا عنهم، تنهدم أقوى الروابط التي هي صمام الأمان، حينها نسلّم أنفسنا لقدرٍ مجهول يسيرُ بنا إلى حيث يشاء فنبقى ندور في متاهات الحياة لنبحث عن مجيب ينقذنا مما نحن فيه، عندها تضرب الغرُبة أسوارها حولنا.. ونفتش عن خيط يعُيدنا إلى من تركناهم عند أول محطة نسيان ابتدأت منها الخطيئة..

لا بصيص لنا إذن أن نرى شمس الروح التي تضيء الدروب وتغسل الذنوب.. عندها نحس بسوء ما اقترفناه بحقهم.. ولكن هل ينفع الندم؟
قال: أنا من عائلة ميسورة الحال، تربّينا في جوّ تسودهُ الأُلفة والمحبة، كان والدي يحثنا على الدراسة، وتحققت آماله بنا اذا تخرجتُ أنا وإخوتي الذكور في الكليات، أما أخواتي فقد تزوجن مبكراً.
مرض والدي مرضاً شديداً انتقل على إثرهِ الى رحمة الله، لتبقى أمي تديرُ كل شيء في البيت، وتشرف على رعايتنا حتى ونحن رجال.
كان عملي شاقاً ويتطلب مني الالتقاء بالناس وتسيير معاملاتهم، وفي أحد الأيام انتبهتُ إليها، شابة وسيمة وجميلة.. هدوؤها جعلني أقتربُ منها وأسألها عن حاجتها، شرحت لي ما تعانيه من روتين المعاملات و….و…، أخذت منها الأوراق التي تحملها وأكملت لها كافة الإجراءات، في آخر خطوة فكرتُ: لو أعطيتها الإضبارة وأخبرتها بأنها أنجزت، قد لا أراها ثانية، فأخبرتها بأن كل شيء قد تم ولكن التسلم بعد يومٍ أو يومين..
وهكذا جاءت مرتين وتعرفنا الى بعضنا ولمّحتُ لها برغبتي بها وبرؤيتها دائماً، كانت شجاعة وجريئة فأكدت لي بأنها أيضاً معجبة بي…
وهكذا نشأت علاقة نظيفة ونزيهة بيننا تكللت بالزواج، كنتُ سريعاً في اتخاذ مثل هذا القرار، ولكن والدتي شجعتني على هذه الخطوة وكانت تقول لي دائماً (هي التي ستنظم حياتك وتجعلك تعرف الصح من الخطأ).
وصدِقت أمي، فبعد الزواج كانت كثيراً ما تنصحني بالابتعاد عن بعض التصرفات في العمل تراها هي خاطئة، مرة أستجيب لنصائحها، وأخرى لا أعيرُ لها أهمية، فأنا أتعب كثيراً في عملي ومن حقي أن أكافأ على ما أبذله من جهد..
سارت بنا الأيام ومعها زادت رقابتها عليّ، ضقت ذرعاً بذلك، وطلبت منها ألّا تتدخل في عملي! أنجبنا طفلنا الأول، ثم طفلة أخرى، واحتدمت المشاكل كثيراً بيننا، تركت على إثرها البيت وذهبت الى أهلها، وجاء والدها وفتح معي موضوع الخلافات هذهِ وما أسبابها: بررتُ له بأنها تمانع الربح الذي أحصل عليه من دائرتي، هذا كل الموضوع. فاجأني والدها بالسؤال الذي رددته أمي عليّ مئات المرات (وهل هذا الربح مشروع وحلال؟) صرختُ بأعلى صوتي: هذا مقابل تعبي وجهدي، فأجابني بلغة حاسمة: ولكنك تأخذ راتباً مقابل عملك؟؟
لم نصل الى حلٍ، بل فهم أنني ماضٍ في هذه الطرق غير المشروعة في الحصول على المال.. زارتني أمي وتحدثت معي طويلاً وملخص كلامها: (زوجتك على حق وأنت على باطل) وخرجت… بقيت وحدي في البيت وكنت أحياناً أزور شقيقاتي ليقضينَ لي بعض احتياجاتي….
بعثت لي زوجتي رسالة تؤكد لي بأنها ستعود الى حياتي والبيت إن أنا تركتُ طريق الحرام!!
فأجبتها برسالة قصيرة جداً (وهل أتركُ حقي وتعبي هباءً؟)
بعد أيام تسلمت بلاغاً من المحكمة تطلب فيه الطلاق!
لم أحزن بل سرتُ في الطريق الذي اخترتهُ لنفسي، وفي هذا الوقت كنت قد تعرفت على شابة أخرى لذا تطلقنا من الجلسة الأولى، تنازلت هي عن كل شيء مقابل حضانة طفليها.
مضت فترة قصيرة وتزوجتُ ثانية بــ (!) التي كانت توافقني في كل شيء، حبها للمال لايقف عند حدٍ، خروجها المستمر مع صديقاتها، لهوها، شراؤها غير المنقطع للذهب والملابس… ثم الأهم من هذا كله اتفقت معي ألّا ننجبُ اطفالاً! وحينما سألتها لماذا قالت: عندك طفلان وأنا لا أحب مضيعة الوقت بالإنجاب والتربية.
لم أفكر وقتها بأنها تريدني جسراً لتصل إلى كل رغباتها: وفي هذا الوقت فكرتُ بزوجتي الأولى، أم اطفالي!!
كنتُ أمنح زوجتي الثانية كل ما أحصل عليه ومع ذلك كانت تفتش خلسةً ملابسي ومحفظتي لئلا أخفي بعض النقود.
ومن كثرة طلباتها كنت أعمل ليل نهار، وزادت عمولاتي من الزبائن، ومنْ لم يدفع أترك معاملته شهوراً.. وزادوا بالدفع لي من أجل تسيير أمورهم، كانت تفرح كلما تسلمت مني نقوداً.
في يومٍ جاءني ابني الكبير يطصحب أخته، ليخبرني بأنهما أصبحا في المتوسطة ويحتاجان الى مبلغِ من المال من أجل الدروس الخصوصية، تجهمّ وجهها ودخلتُ غرفتي لأجلب لهم ما أرادوا، لحقتني وحدثتني بلهجة قاسية ومنعتني من أخذ المبلغ، قلت لها إنهم اولادي، ولهم حقُ عليّ، صرخت بوجهي: إنها أموالي ومن حقي أنا فقط، دفعتها عن طريقي وأعطيتهم ما أرادوا، وقفت عند الباب وهددتني إن خرجا ومعهما المال فسوف تخرج من حياتي، وسأندم على ذلك!! بكيا وتركا المبلغ فوق الكرسي القريب من الباب وخرجا. توجهت نحوها وضربتها دون أن أشعر بما أفعله معها، لم يوقفني عن ضربها إلا الطرق العنيف على الباب، فقد تجمع الجيران على صراخها، أخرجوني من البيت. حين عدتُ في المساء وجدتها قد جمعت حاجاتها وأخذت كل ما أملك من مالٍ، وكتبت ورقة تطلب فيها الطلاق، ذهبت الى بيت أهلها وأخبرتهم بما جرى، تقدمت مني والدتها لتقول لي (طلقها أفضل لك).
في اليوم التالي جاءت الشرطة الى مكان عملي وأخذوني معهم، وفي التحقيق عرفتُ أنها كانت تسجل لي كل حكاياتي التي أقصها عليها مع المراجعين عن الرّشا التي أطالبهم بها!!
صرخت بأعلى صوتي: ولكنها هي التي شجعتني على ابتزاز المواطنين، وهي التي تأخذ مني كل النقود التي أحصل عليها!!
أسكتني الضابط قائلاً: أنت بدأت بالخطيئه وزوجتك شجعتك وسلبتك كل شيء!
المال الحرام كماء البحر.. كلما شربتَ منه ازددتَ عطشاً.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.