السّماوة.. حاضرة الصحراء

68

إياد عطية الخالدي /

على الرغم من أن هذه الارض قد شهدت قيام أولى مدن التاريخ “الوركاء”، وكانت مركزاً لإلهة الحب والحرب (عشتار) حيث مازالت صحراؤها الشاسعة تحتضن آثار تللك المدينة السومرية العريقة، فإن السماوة تظل مدينة غامضة بالنسبة الى الكثير من العراقيين الذين لايمكنهم تخيلها إلا بتذكر سجنها المرعب”نكرة السلمان”، أوكممر شهير لتجارة المخدرات، وفي أحسن الأحوال استذكار بحيرتها الشهيرة (ساوة)، لكن السماوة مثل أية مدينة عراقية تمثل خزاناً للطاقات البشرية الخلاقة بموازاة ثرواتها الطبيعية الكبيرة التي لم تستغل بعد.
تاريخ من المعاناة
عانت المحافظة الإهمال على كل المستويات في العهود السابقة، ولهذا كان من المتوقع أن تجري عملية بنائها من جديد وفق خطط ومرتكزات قوية، بيد أن الجهود الجيدة في إنشاء شوارع منظمة وواسعة، لاسيما في مدخل المدينة وعلى ساحل نهر الفرات الذي يشقها الى نصفين، لايظهر أن تلك الجهود مكتملة وجرى تخطيطها بشكل علمي، فبمجرد أن واجهت المدينة موجة أمطار غطت الأوحال العديد من الشوارع، ما يكشف عن نقص واضح في البنى التحتية، لاسيما منظومة تصريف مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار.
لقد رأينا السيارات الغاطسة في مناطق ترابية والتي أصبحت طينية بفعل المطر تنتقل الى الشوارع الرئيسة لتزيد الأوحال وتخرب الجهود التي تظهرها بلدية السماوة.
لكن المواطنين متحمسون لرؤية مدينتهم وقد أخذت مكانتها التي تستحقها، ويعول على مسؤولي المحافظة أن يرتقوا الى تلك المطالب والى استثمار الأمل لتحقيق طموحات الناس.

فشل ونجاح
السماوة تواصل بناء المشاريع الستراتيجية، وثلاثة من أهم جسورها الخمسة شيدت خلال العشرة أعوام الأخيرة، لاسيما أحدث جسورها شمالي المحافظة الذي افتتح مؤخراً وبني بمنحة يابانية غطّت 75 بالمائة من كلفته وتعثر لسنوات عدة بسبب تأخر وزارة الإسكان والإعمار في دفع حصتها البالغة 25 بالمائة من تكلفة الجسر.
يقول أحد المهندسين الذين ساهموا في بناء الجسر إنه من الصعب أن تنجز مشروعك هنا من دون تعقيدات ومن دون تدخلات من مختلف الجهات النافذة وبعضها لا صلة مباشرة لها بالمشروع، وهو أمر يخيف الشركات الرصينة التي تريد أن تحافظ على سمعتها وجودة أعمالها، وبالتالي فإن المحافظة لن تجد إلا شركات ومقاولين لايهتمون بمستوى الإنجاز أكثر من إرضاء تلك الجهات.
يشير بيده الى مشروع عملاق لبناء مجموعة مجسرات متقاطعة وسط المدينة وقد ترك بعد أن أنفقت عليه أموال طائلة، وبدلاً من تحوله الى صرح كبير في وسط المدينة صار مجمعاً للنفايات وتتعرض ركائزه الى التصدعات والأضرار بفعل تركها على وضعها كل هذه المدة الطويلة.
المشروع المهمل هذا يمثل دليلاً على سوء إدارة المشاريع في البلاد وعلى غياب التخطيط، وهو يمثل في النهاية قصة فشل وفساد وهدر غير مبرر للمال العام.
صرح علمي
تشكل جامعة المثنى أحد الصروح العلمية والاقتصادية في المحافظة، وفضلاً عن دورها العلمي فهي تمثل تأثيراً اقتصادياً واجتماعياً في المحافظة.
في الواقع، نجحت وزارة التعليم العالي في إنشاء إحدى أفضل الجامعات العراقية الحديثة شمالي المحافظة بالمقارنة مع الجامعات التي تأسست في السنوات العشر الفائتة، فقد تميزت ببناياتها الحديثة وحدائقها الجميلة المتناسقة.
الجامعة بكلياتها الست عشرة ومراكز أبحاثها المتنوعة وبملاكاتها العلمية، التي درست في جامعات متطورة وشاركت في مؤتمرات علمية كبيرة، تمثل قوة علمية يمكن لأية حكومة محلية استثمارها وإشراكها في خطط التنمية والإعمار وبالتالي إحداث نقلة هائلة في المحافظة على شتى المستويات.
الدكتور حارث الخضري، مدير إعلام الجامعة التي تضم نحو 14 ألف طالب وطالبة، أكد على رصانة التعليم في الجامعة من خلال مركز يهتم بجودته، مشيداً بمساعي رئيس الجامعة حسن الغانمي في تطويرها ورفع مكانتها العلمية.
ولفت الى أن الجامعة تجري بحوثاً مهمة تسهم بدفع عملية البناء في المحافظة وتهتم بمعالجة مشكلاتها، مشدداً على أن الجامعة حققت اتفاقيات علمية مع جامعات عالمية مرموقة سمحت بإرسال ملاكاتها لإكمال دراستهم في أهم الجامعات العالمية، فضلاً عن مساهمتها العلمية في المؤتمرات الدولية العلمية في المنطقة والعالم.

انحدار في الخدمات الصحية
تضم السماوة واحداً من أكبر المستشفيات التابعة لوزارة الصحة هو مستشفى الحسين التعليمي الذي ينتصب شامخاً ببناياته الحديثة، لكن تلك المباني الكبيرة لم تحقق لأهالي السماوة قدراً مناسباً من الرضا، فقد عبّر الكثير من المراجعين عن سخطهم من سوء الخدمات الصحية وتراجعها بشكل خاص خلال السنوات الأربع الفائتة، إذ يفتقر المشفى الى الأدوية والعلاجات، ما دعا المرضى في المحافظة الى البحث عن الخدمات الصحية خارج البلاد.

السياحة
يؤمن المسؤولون بالمحافظة أن المدينة بحاجة الى مراكز ثقافية وسياحية توفر فرصة للعوائل للخروج من عزلة لم تعد مجدية، وليس بوسع المولات او بضع حدائق صغيرة أن توفر حلولاً لحاجة إنسانية ملحّة لم يعد بالإمكان تجاهلها.
وعلى الرغم من أن المدينة ظلت بلا فندق، لأن الأهالي يعتقدون أن الضيف منزله بيوتهم، تتساوق في تلك النظرة مع عدد من المدن العراقية المعروفة بكرم أهلها، لكن الجهات الحكومية قبل سواها أدركت الحاجة الى وجود فنادق لمدينة تسعى الى وضع قدمها على طريق التقدم، فكان أن أنشأت بضعة فنادق لعل أبرزها فندق (قصر الغدير) الذي كان نادياً ترفيهياً قبل أن يخضع لعمليات صيانة وترميم جعلته من أبرز المرافق في وسط السماوة، كما مثل ايضاً متنفساً سياحياً لأبناء المدينة المتطلعة الى المزيد من المرافق الترفيهية والثقافية، بينما يطبق الإهمال بشدة على بحيرتها الشهيرة (ساوة) وتتقاذف مصيرها الخلافات بين الوزارة والحكومة المحلية.
وتبدو البحيرة في حال يرثى له، إذ تعرضت الأماكن والكازينوهات التي أقيمت عليها الى الخراب، لكن إعادتها برونق جميل لايتطلب الكثير من الجهود.
تقول هيئة الاستثمار إن مستثمراً عراقياً قدم عرضاً لاستثمارها يتضمن بناء فندق كبير وشاليهات ومطاعم وحدائق وملاعب مختلفة ومضمار لسباق السيارات ومرسى للزوراق .
وكانت البحيرة قد تأثرت بالجفاف الذي ضرب أجزاء واسعة من العراق، لكن موجات الأمطار الأخيرة التي نزلت على المناطق الجنوبية رفعت مستوى المياه في البحيرة وأزالت المخاوف من اندثارها.
الاستثمار
وبلغة واثقة تحدث مدير هيئة استثمار المثنى عادل داخل الياسري عن مئات المشاريع الاستثمارية في مختلف القطاعات وضعت السماوة كعاصمة للصناعة الإنشائية، حسب تعبيره، وكل ذلك يأتي في نطاق سعي المحافظة لرسم هوية صناعية بالاعتماد على المقومات التي تمتلكها وتؤهلها لأخذ دور الريادة ووجود المواد الأولية للعديد من الصناعات، لاسيما صناعة الإسمنت التي غطى انتاجها نسبة عالية من احتياجات السوق العراقية.
وفي مجال الإسكان شهدت المحافظة نحو أربعة عشر مشروعاً استثمارياً، لكن العديد من المشاريع السكنية يفتقر الى البنى التحتية، ودعا سكانها مراراً هيئة الاستثمار والبلدية الى وضع حد لمعاناتهم في تصريف المياه وتعبيد الطرق وإيصال باقي الخدمات الأساسية.
وتعد مشاريع لؤلوة ساوة وبيادر الصحراء والدوح السكني المنفّذ من قبل الشركة العراقية القطرية للمقاولات من أهم المشاريع الإسكانية إضافة الى المشاريع الأخرى التي ستوفر بمجملها نحو عشرة آلاف وحدة سكنية لتغطية حاجة المحافظة للوحدات السكنية.
وتقول هيئة الاستثمار إن جميع الشركات العاملة في مجال مشاريع الإسكان ملتزمة بالمعايير العراقية للتصميم والبناء وهناك مكتب استشاري يشرف بصورة يومية على مراحل البناء.

البادية
تشكل البادية مساحة واسعة من محافظة المثنى وتمثل أراضيها السهلة المنبسطة التي تحتوي على مخزون كبير من المياه الجوفية ما يجعلها أرضاً زراعية بامتياز. كل ذلك دفع المحافظة الى فتح آفاق الاستثمار الزراعي، كما دفع مديرية زراعة المثنى الى توجيه اهتمامها بأراضي البادية، إذ أن وجود المياه الجوفية يحل مشكلة شحة الموارد المائية ونقص المياه الذي يعاني منه نهر الفرات.
ويتوقع أن تتوجه الجهود لإنعاش زراعة النخيل في محافظة عرفت بجودة نخيلها وتمورها، إضافة الى زراعة المحاصيل الستراتيجية ومحاصيل علف الحيوانات.
في هذا الاتجاه أظهرت شركات كويتية اهتمامها بالاستثمار في القطاع الزراعي. ويقول الياسري إن مشروع نخيل العراق كان بداية انطلاق العمل لزراعة آلاف الدونمات في بادية السماوة للاستفادة منها اقتصادياً.
ويعتقد رئيس هيئة الاستثمار أن المشاريع الزراعية جاءت بالفائدة المثلى لإنعاش بادية السماوة كمشروع الصفا الزراعي ومزرعة ربوع البادية والتي هي في طور الاستعداد لإنعاشها بوجود كوادر محلية للقضاء على البطالة.
بينما تتحمس الرياض لدخول العراق من عدة بوابات، أبرزها السياسة والاقتصاد.
وشكل البلدان المجلس التنسيقي المشترك بين العراق والسعودية الذي كشف أنه يدرس الاستثمار في مليون هكتار من الأراضي الزراعية بمحافظة الأنبار غربي البلاد.
ومن بين مشاريع عديدة، تخطط السعودية للاستثمار في مساحات واسعة في بادية السماوة العراقية بهدف تحويلها إلى حقول للأبقار والماشية والدواجن.
لكن العديد من المراقبين والمتخصصين في المجال الزراعي، ورغم تأكيدهم على أهمية البادية في إحداث نقلة كبيرة في المشاريع الصناعية والزراعية، شككوا بأهمية المشاريع المنفذة والشركات التي بدأت العمل بمساحات يمكن لأي فلاح عراقي القيام بزراعتها من دون الحاجة الى الاستثمار، معربين عن قلقهم من أن هذه المشاريع التي ينفذها أثرياء من الخليج لاتعدو عن كونها عملية للحصول على أماكن لممارسة هوايتهم في الصيد في منطقة شاسعة تكثر فيها الطيور، ولن يكون في حساباتهم تطوير تلك المشاريع، خاصة وأن العديد من أراضي البادية جرى تمليكها او استئجارها بأثمان بخسة لمسؤولين نافذين في السماوة هم من يتولون إعادة استثمارها الى أثرياء في الخليج يبحثون عن متعة الصيد لا تطوير الزراعة.
كما يشكك العديد من المعنيين بالقطاع الزراعي بجديّة المملكة العربية السعودية في الاستثمار بأراضي البادية لافتين الى أن السعودية لديها أراضٍ كبيرة وشاسعة وغير مستثمرة بمحاذاة الأراضي العراقية، والأولى أن يستثمر السعوديون في أراضيهم.

السماوة والمخدرات!
ظلت الأراضي الحدودية الصحراوية، التي تمثل بادية السماوة الجزء الأكبر فيها، أكبر معقل لتجارة المخدرات، اذ تمثل السماوة آخر نقطة في رحلة مسيرة المخدرات في الأراضي العراقية قبل أن تصل الى السعودية وقبل أن يتحول العراق من بلد ممر للمخدرات الى بلد مستهلك لها، حيث تنتشر هنالك مافيات كبيرة، بيد أن هذه التجارة تجري تحت رقابة الجهات النافذة وإن كانت أداتها تجار صغار يجري بين الحين والآخر إلقاء القبض عليهم لذر الرماد في العيون!
ومع أن الحدود العراقية السعودية جرى تعزيز حمايتها وتأمينها بإسلاك شائكة من قبل قوات الأمن في البلدين، لكن المغامرين لايتوقفون عن ابتكار مختلف الأساليب لتمرير المخدرات كالحشيشة وحبوب الكرستال التي تدخل العراق من المحافظات الحدودية المجاورة الى إيران، لاسيما في محافظتي ميسان وديالى.
ولم تتوقف عمليات مطاردة تجار المخدرات، فلا يكاد يمر وقت كبير من دون أن يسقط مهربون يحملون معهم كميات كبيرة من الحشيشة وسواها من المخدرات.
وخلال الأشهر القليلة الفائتة نجحت الشرطة في اعتقال ضابط برتبة نقيب وشقيق عضو بمجلس محافظة المثنى بعد أن تورط في عملية قتل وبتجارة المخدرات.
كما شهدت ناحية الوركاء، شمالي المحافظة، إحباط عملية كبيرة لتهريب نحو خمسة كيلوغرامات من مادتي الحشيشة والكريستال المخدرتين وملايين الحبوب المخدرة كانت بحوزة مجموعتين معروفتين بتجارة المخدرات.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.