العزير عند الإسلام وعزرا عند العبرانيين

105

عامر جليل إبراهيم /

وأنت تسير على ضفاف دجلة، وفي منتصف المسافة بين قضاء قلعة صالح وقضاء القرنة تحديداً، تلوح لك أبنية ومزارع جميلة رغم ما تمتلكه من شواهد تاريخية لو استغلت لأصبحت تلك البقعة مزاراً يتوافد إليه القاصي والداني.
إنها ناحية العزير التي تبعد عن مركز محافظة ميسان 70كم, ففيها يقع مرقد ومزار نبي الله العزير عليه السلام، هذا النبي الذي أثار الكثير من الأسئلة التي لم تجد الجواب الشافي عليها.
فهو في الديانة اليهودية ابن الله وهو نبي من أنبيائهم، وفي الإسلام هو رجل صالح أماته الله مئة عام ثم بعثه من جديد.
“مجلة الشبكة العراقية” تشرفت بزيارة المرقد والمزار الشريف لتسليط الضوء على هذه البقعة ضمن سلسلة (السياحة الدينية في العراق), لما له من أهمية على مستوى السياحة الدينية في العراق, والتقت الأمين الخاص للمزار الشيخ بشير زعلان صياح حفيد، أقدم سدنة المزار الذي ورث الموقع من أجداده الذين عاصروا اليهود عندما كانوا يسكنون هذه المنطقة، وبعض مسؤولي المزار.
يقول الشيخ بشير:
تتميز الديانات الإبراهيمية الثلاث: {اليهودية, والمسيحية, والإسلامية} بالتشابه الملحوظ, والتقارب الواضح, من حيث الفكر والعلاقة مع الله باعتباره المعبود الأوحد, وقد تشابهت الأساليب والأطر عندهم في الدعوة إلى الله, لعدة أسباب, منها: وحدة المنشأ ضمن الجغرافيا الواحدة, والحضور في منطقة وبيئة تكاد تكون مشتركة كونها المهد الأول لمؤسسي هذه الديانات.
يضيف الشيخ بشير: يعد الكتاب المقدس العبري (التوراة), وكذلك التلمود, وكتابات مابين العهدين, والأناجيل وكتابات الآباء الأولين, والقرآن ومدونات السنّة النبوية, هي العمود الفقري والأساس الذي بنيت عليه أسس هذه الديانات وتعاليمها.
فقد كان لـ”عزرا” دور محوري في تجديد الديانة اليهودية، وبناء أسسها، حتى عدّه علماء اليهودية الشخصية الثانية بعد النبي موسى (عليه السلام) في ديانتهم، إذ إنه أعاد كتابة الأسفار بعد أن أحرقت وأتلفت إبان السبي البابلي الثاني, ووضع القوانين والأحكام لليهودية, وأسس مجلس “السنهدرين”, وهو رائد بني إسرائيل في عودتهم من السبي والشتات, وكان لحملته صدى واسع في التاريخ, وهو الذي عناه المسلمون بالنبي عزير الذي أماته الله مئة عام, وهو الذي عناه القرآن بقوله: ( وقالت اليهود عزير ابن الله) “التوبة:30”.
نسبه:
عزرا بن سرايا بن عزريا بن حلقيا بن شلوم بن صادوق بن اخيطوب بن أمريا بن عزريا بن مرايوث بن زرحيا بن عزي بن بقي بن ابيشوع بن فينحاس بن العازار بن هارون أخي موسى كليم الله عليه السلام. وعزير هذا هو الذي يسميه اليهود عزرا الكاتب. ويضيف الشيخ صياح أن عمر عزير ما يقارب الـ 120 سنة عدا سنوات الإماتة وهي 100عام.
ولادته:
يؤكد الشيخ صياح: أن عزير ولد في أورشليم بفلسطين من أسرة كهنوتية الدم ينتسب لهارون أخي موسى (ع)، والده كان الكاهن الرئيسي لبيت المقدس في حكم الملك صدقيا ملك إورشليم آنذاك، قتل والده من قبل الملك البابلي “نبوخذ نصر” في الحملة الثانية على إورشليم سنة 587ق م. كان عزير تلميذاً لباروخ, حيث سبي عزير من أورشليم الى بابل بعد مقتل أبيه, تعلم التوراة ودرسها على يد باروخ وهو في عمر الصبا. في السنة الثلاثين بعد خراب أورشليم أي سنة 556ق م أصبح العزير يتردد على حقل في بابل يناجي فيه الله عزوجل وتمر عليه صور الخراب والدمار الذي لحق بمدينته أورشليم وهيكلها المقدس, ويتألم لعمران بابل وازدهارها رغم شركهم وما حل ببني إسرائيل وهم مؤمنون، فجاءه الملاك “إورانيل” فأخذ يجيب على أسئلة عزير, وكان الشعب الإسرائيلي يفتقده لتأخره فيأتون اليه للحقل يطالبونه بالعودة الى منزله فيأبى العودة ويطالبهم بالرجوع, وكان يبقى لعدة أسابيع يناجي الله وهو صائم. بعد ذلك طلب خمسة كتّاب يأتون معه ليملي عليهم نصوص التوراة والكتب المقدسة وعادوا وبقى عزير في الحقل وجاء الشعب يبحث عنه ولم يجدوه، فقال اليهود وقتها أن عزير خطف شأنه شأن النبي إدريس الذي رفع الى السماء لأنهم لم يجدوا جثته ولا حماره الذي حجب الله عيونهم عن رؤيتهما بعد إماتتهما. وبعد سقوط الدولة البابلية وتملكها من قبل الإمبراطورية الفارسية بقيادة كورش الأخميني في السنة السابعة من حكم الملك الفارسي ارتحشتا الأول الذي حكم من سنة 465ق.م الى 424ق م، ظهر عزير على مسرح الأحداث كما تنص التوراة في سفره، وأخذ جماعة من اليهود الى أورشليم لكي يعيد بعث الديانة اليهودية. لقبه اليهود بموسى الثاني، ولو لم يكن موسى قد جاء بالتوراة لكان عزير أولى بها. وتنسب الأسفار المقدسة الموجودة حالياً اليه. بعد فترة من الزمن عاد من أورشليم لملاقاة الملك الفارسي المقيم في سوسا (الشوش) والتي تقع في إيران القريبة من ميسان، وفي الطريق توفي عزير قبل أن يصل الى بلاد فارس ودفن في هذا المكان وبقى على مر الزمان، وتشاهد الأنوار مشتعلة في هذا المكان كما ذكرتها الكثير من الدراسات، واستوطنت بقربه جالية يهودية وأصبح القبر محجّاً لليهود من كل بقاع العالم وذكره جمع من الرحالة اليهود وغيرهم ممن زاروا العراق في القرن الحادي عشر الى يومنا هذا.
مراحل الإعمار
أما عن مراحل الإعمار، فكان الحديث للسيد أشرف طلال الكعبي المعاون الإداري لمزار نبي الله العزير الذي يقول: تم إعمار المرقد على مراحل متعددة في سنة 2000م من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ثم تمت إعادة إعماره مرة أخرى سنة 2012م من قبل محافظة ميسان وبالتنسيق مع الأمانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة.
تفاصيل المزار
يؤكد السيد أشرف الكعبي: أن مساحة المزار الكلية 3000م. أما الصحن الخارجي للمزار فتبلغ 650م. غرفة القبر الشريف تبلغ مساحتها 250م, يغطي القبر صندوق خشبي قديم يبلغ عمره أكثر من 250سنة منقوش بالعبارات اليهودية. ويضيف السيد الكعبي: هنالك ألواح فوق باب غرفة القبر الشريف مكتوب عليه أيضاً باللغة العبرية، الحضرة مفصولة الى رجال ونساء, قبّة المزار يبلغ ارتفاعها 11م وقطرها 28م، ويضيف المعاون الإداري: توجد إيوانات لإيواء الزائرين بنيت سنة 2012م من قبل محافظة ميسان قسم المشاريع، أما الصحيات فيوجد قسمان أحدهما للنساء والآخر للرجال، في كل قسم 10 وحدات صحية، وهناك محطة تصفية الماء الصالح للشرب لخدمة الزائرين, يتسع المزار الى أعداد كبيرة من الزائرين. والمزار توجد فيه غرفة أمين خاص وإدارة وإعلام وغيرها من الملحقات، يتوافد عليه زوار من جميع أنحاء العالم عن طريق هيئة السياحة والآثار، ويؤكد السيد الكعبي أن هيئة الآثار لها دور أساس مع المزارات الشيعية في رعاية المرقد الشريف.ٍ

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.